ازدواج المرجعية بين الشريعة والديمقراطية في فكر الإخوان المسلمين

ازدواج المرجعية بين الشريعة والديمقراطية في فكر الإخوان المسلمين

ازدواج المرجعية بين الشريعة والديمقراطية في فكر الإخوان المسلمين


24/11/2025

منذ اللحظات الأولى لنشأة جماعة الإخوان المسلمين حمل مشروعها السياسي ملامح ازدواجية عميقة بين مرجعيتين مختلفتين جذرياً: مرجعية دينية تستمد شرعيتها من الشريعة، ومرجعية حديثة تستند إلى مبادئ الديمقراطية. هذه الازدواجية لم تظهر لاحقاً نتيجة التطورات السياسية، وإنّما كانت جزءاً من البنية الأساسية للفكرة الإخوانية منذ حسن البنا. فالجماعة قدّمت نفسها حركة إصلاحية قادرة على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، لكنّها في الجوهر لم تنجح في صياغة تصور مستقر للدولة الحديثة ولا لآليات الحكم فيها، بل ظلت تدور في دائرة خطابية تحاول التوفيق بين منظومتين يصعب جمعهما في إطار واحد: سيادة الأمّة وسيادة الشريعة.

وقد نتج عن هذا التباين هيكل فكري يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة مفيدة للوصول إلى السلطة، لا باعتبارها منظومة قيمية كاملة تقوم على المساواة وحكم الشعب وتداول السلطة. وفي كل تجربة سياسية خاضتها الجماعة ظهرت هذه الازدواجية كعامل اضطراب أساسي، وأحياناً كسبب مباشر لفشل الإخوان في التحوّل إلى فاعل سياسي مؤسسي قادر على الاندماج في النظام الوطني والدستوري للدولة الحديثة.

يضع الإخوان الشريعة في موقع المرجعية العليا التي يجب أن تحتكم إليها جميع السياسات العامة والتشريعات والقوانين. فالشريعة في تصورهم ليست مجرد إطار أخلاقي عام، أو مجرّد مكوّن ثقافي للمجتمع، بل هي سلطة فوق دستورية تملك حق تقييد مؤسسات الدولة المنتخبة نفسها. ومن هنا تبدأ الإشكالية الأساسية: فالديمقراطية تفترض أنّ الشعب هو مصدر السلطات، بينما يفترض الإخوان أنّ الشعب ذاته يجب أن يخضع لتفسيرهم للشريعة، وأنّ سلطته ليست مطلقة بل مقيدة بنظام ديني يرسم حدود الإرادة الشعبية.

هذا الفهم يجعل البرلمان مثلاً غير قادر على التشريع بحرّية إذا تعارض ذلك مع ما تعتبره الجماعة حكماً شرعياً. كما أنّه يخلق طبقة من المرجعيات التفسيرية الموازية للمؤسسات الدستورية، بحيث يصبح القرار السياسي خاضعاً لرقابة دينية غير رسمية، لكنّها مؤثرة وحاسمة. وبذلك يتحول النظام السياسي إلى منظومة مزدوجة: مؤسسات ديمقراطية تمارس سلطاتها ضمن حدود، وهيئات تفسيرية غير منتخبة تمتلك سلطة التعطيل والتقييد.

وتتعامل الجماعة مع الديمقراطية باعتبارها أداة إجرائية يمكن استخدامها طالما بقيت ضمن الإطار الإسلامي الذي تحدده هي. فالمشاركة الانتخابية والبرلمانية مقبولة، لكنّ قبول القيم الجوهرية للديمقراطية - كالفصل بين الدين والدولة، أو المساواة القانونية بين جميع المواطنين، أو إطلاق الحريات الفردية بلا قيود - هو أمر غير وارد. ولذلك يصبح الخطاب الديني في فكر الإخوان هو السقف الحقيقي الذي يحدد اتجاه المؤسسات المنتخبة، مهما كانت نتائج الانتخابات أو المزاج السياسي للشعب.

ويظهر ذلك بوضوح في استخدام الجماعة لمصطلحات مثل "الشورى" و"الحاكمية" و"المرجعية الإسلامية". فهذه المصطلحات تعيد تعريف الديمقراطية بطريقة تجعلها مجرد نسخة دينية لا تتعارض مع الرؤية الإخوانية، بدلاً من كونها نظاماً سياسياً مستقلاً يقوم على سيادة الشعب. وحتى عندما يتحدث الإخوان عن سيادة الأمّة، فإنّ هذه السيادة تصبح مقيدة وناقصة، لأنّها يجب أن تخضع أوّلاً لسلطة النصوص وتفسيرات الجماعة.

صيغة تلفيقية هجينة بلا مضمون

سعت الجماعة نظرياً إلى إيجاد جسر يصل بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الحديثة، لكنّها لجأت إلى صياغة هجينة بقيت خطابية لا تمتلك قدرة على إنتاج نموذج سياسي قابل للتطبيق. فالشورى تاريخياً ممارسة غير إلزامية، بينما تقوم الديمقراطية على قرارات ملزمة تصدر عن مؤسسات محددة. كما أنّ الشورى لم تنتج عبر التاريخ مؤسسات تشبه البرلمان أو القضاء المستقل أو الأحزاب السياسية، بينما تشكّل هذه المؤسسات أساس الديمقراطية المبنية على تداول السلطة والفصل بين السلطات.

وبينما تقوم الديمقراطية على حماية الحريات الفردية بشكل واضح، يتعامل الإخوان مع الحريات باعتبارها مشروطة بما لا يصطدم مع "قيم المجتمع المسلم". وهذا الشرط الفضفاض يمنح التنظيم الحق في الحدّ من معظم الحريات إذا ما رأت القيادة أنّ هذه الحريات تهدد "الثوابت". فحرّية التعبير مثلاً يمكن تقييدها إذا تعارضت مع التقاليد الاجتماعية، وحقوق المرأة لا تصل إلى المساواة الكاملة لأنّها محكومة بحدود دينية واجتماعية، أمّا التعددية السياسية، فهي مقبولة فقط إذا لم يُنظر إليها كتهديد لهوية الأمّة.

وبهذا تصبح الديمقراطية داخل الفكر الإخواني إطاراً غير مكتمل، يسمح بالمشاركة لكنّه يرفض الأسس الفلسفية التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة. وهو ما يؤدي إلى غياب حماية كاملة للفرد، وإلى استمرار الهيمنة الجماعية على القرار السياسي، وإلى تحويل الدولة من كيان قانوني محايد إلى كيان خاضع لمرجعية دينية تتدخل في تفاصيل المجال العام.

بعد ثورات الربيع العربي، لجأ الإخوان إلى صياغة جديدة ظاهرياً أكثر اعتدالاً: "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية". لكنّ هذا المفهوم في جوهره يعيد إنتاج الازدواجية نفسها، إذ يجمع بين مدنية مؤسسات الدولة ودينية تشريعاتها. وعند تفكيك هذا النموذج يتبين أنّه يقدّم مؤسسات مدنية بشكلها الخارجي، لكنّه يربط جوهر الدولة بسلطة الشريعة، بما يجعل المرجعية الدينية هي الحاكم الحقيقي لأيّ سياسة عامة.

وما حدث خلال التجربة القصيرة لحكم الإخوان في مصر يُظهر بوضوح كيف يعمل هذا النموذج. فالدولة من الخارج بدت في صورة مؤسسات منتخبة، لكنّ القرار السياسي الفعلي كان يعود إلى التنظيم نفسه، إلى مكتب الإرشاد لا إلى مؤسسة الرئاسة. وهكذا نشأت حالة من الازدواج بين حكومة تمتلك السلطة القانونية، وتنظيم يمتلك السلطة الحقيقية، وهو ما قاد إلى صدامات مع مؤسسات الدولة، وإلى إضعاف الثقة في قدرة الجماعة على إدارة الدولة بوصفها كياناً وطنياً مستقلاً عن الإيديولوجيا.

كما أنّ الجماعة تعاملت مع التداول السلمي للسلطة باعتباره أمراً مشروطاً. فالديمقراطية مقبولة طالما أنّها تضمن تقدّم المشروع الإسلامي وفق تصورهم، لكنّ قبول النتائج السلبية - مثل الخسارة الانتخابية أو تراجع الشعبية - كان يُنظر إليه كتهديد لجوهر المشروع، وليس كجزء طبيعي من العملية الديمقراطية. وهذا التصور جعل الخصوم السياسيين يظهرون في بعض خطابات الجماعة بوصفهم "أعداء الهوية الإسلامية"، لا منافسين شرعيين داخل المجال السياسي، ممّا أدى إلى تصعيد التوتر وغياب القدرة على بناء توافق حقيقي.

وتنعكس هذه الازدواجية على المجتمع أيضاً، إذ تخلق حالة من الانقسام حول طبيعة الدولة نفسها. فبينما تسعى القوى المدنية إلى بناء دولة تقوم على الحقوق والمواطنة، يدفع الخطاب الإخواني نحو دولة دينية مقنَّعة، تضع الفرد في موقع ثانوي مقارنة بالجماعة، وتعيد تعريف الوطنية وفق معيار عقائدي لا مدني.

ديمقراطية معلّقة 

تكشف قراءة متعمقة للبنية الفكرية للإخوان المسلمين أنّ ازدواج المرجعية بين الشريعة والديمقراطية ليست محاولة للتوفيق بقدر ما هي أزمة بنيوية متجذرة في مشروع الجماعة. فمرجعية الشريعة تُقدّم بوصفها سلطة فوق السياسة، بينما يتم التعامل مع الديمقراطية بانتقائية تجعلها مجرد أداة للوصول إلى الحكم. ومع كل محاولة للجمع بين المرجعيتين، يتضح أنّ المشروع السياسي للجماعة يظل محكوماً بالمرجعية الدينية، ممّا يجعل بناء دولة حديثة قادرة على استيعاب التعددية وتأسيس تداول سلمي للسلطة أمراً بالغ الصعوبة.

وبهذا تصبح الديمقراطية في الفكر الإخواني حالة مُعلّقة، مقيدة بقيود شرعية تحول دون تطورها إلى منظومة سياسية مكتملة، بينما تظل الدولة أسيرة نموذج هجين لا يحقق مدنية فعلية ولا يرسخ دولة دينية واضحة، بل ينتج توتراً دائماً بين الفكر والممارسة، وبين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والتنظيم.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية