اختلف الإخوان فظهر المسروق

اختلف الإخوان فظهر المسروق

اختلف الإخوان فظهر المسروق


10/10/2026

ثروت الخرباوي

أول ما يقرره الإسلام أن العدالة لا تعرف المحاباة، ولذلك قال الله تعالى: «لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ»؛ فلا الشعار يشفع لصاحبه، ولا الغاية المعلنة تطهر الوسيلة، ومع ذلك ظل تنظيم الإخوان على مدار تاريخه يكتب «الله غايتنا» على رايته، ثم يخوض معاركه الداخلية على السلطة والمال، ويسعى في معاركه الخارجية إلى الحكم والنفوذ والمال، كأن الشعار صك براءة مسبق، فإذا انكشف الخلاف داخل بيتهم، لم يعد المهم ما قالوه عن غايتهم، وإنما ما فعلوه فى الطريق إليها.

لقد برع الإخوان طوال تاريخهم في ازدواجية الخطاب، فهناك خطاب جماهيري مظهري يُدغدغ مشاعر العوام، ويرفع شعارات الإصلاح والفضيلة واستعادة الخلافة وتطهير السياسة بالدين، وهناك فى المقابل خطاب سري واقعي ومظلم يدور حول الغنيمة، والتمكين، والسيطرة على مفاصل المال والنفوذ، هؤلاء الدهاة، لا «الدعاة»، ادّعوا مرارًا أنهم يريدون إصلاح السياسة بالدين، فكانت النتيجة الحتمية والمفجعة أنهم أفسدوا دينهم بالسياسة والمال.

لذلك، فإن ما يجري حاليًا داخل الدكاكين السياسية والإعلامية الإخوانية التى تتحدث باسم الإسلام في الخارج ليس خلافًا عاديًا بين أشخاص اختلفوا على طريقة إدارة تنظيمهم، ولكنه يكشف طبيعة هذا التنظيم، فالاشتباك المستمر بينهم خلال السنوات الأخيرة أظهر انقسامًا متزايدًا بين مراكز نفوذ فى لندن وإسطنبول، وانتهاء ما يسمى بالقيادة المركزية.

وهذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الجماعة، وإنما هي «چين» ينتقل من جيل إلى جيل، يحمل معه عوامل فناء الجماعة، وكأن هذه الجماعة خرجت إلى الحياة من رحم فاسد، وهي تحمل في تكوينها مقدمات نهايتها.

ففي عام 1947، انفجر واحد من أقدم وأهم صراعاتها الداخلية، عندما انتهى الخلاف بين حسن البنا وأحمد السكري إلى فصل «السكرى» من الجماعة، و«السكرى» لم يكن عضوًا هامشيًا، بل كان من أقدم المقربين إلى «البنا»، وصديقًا له لسنوات طويلة، وشغل موقع نائب المرشد، وكان صاحب حضور سياسي وتنظيمي كبير داخل الجماعة، ثم خرج الخلاف إلى العلن، ونشر «السكري» مقالات وجّه فيها اتهامات ل«البنا» تتعلق بأموال وتبرعات جمعوها للقضية الفلسطينية وأخذها «البنا» لنفسه.

وظلت تلك الواقعة واحدة من أكثر الصفحات إحراجًا في تاريخ الجماعة، بل كانت هي إكليل العار على رأسها العمر كله.

ثم جاء الزمن الحديث ليعيد إنتاج الخلاف بالصورة نفسها، ولكن بأدوات أكثر انتشارًا وأقل قدرة على الإخفاء، ففي عام 2019 ظهر تسجيل صوتي للقيادي الإخواني أمير بسام، وجّه فيه اتهامات إلى قيادات بارزة، من بينها محمود حسين، بشأن تبرعات مالية للجماعة اكتنزها محمود حسين لنفسه ولابنه، في الوقت الذي كان فيه أعضاء الجماعة في تركيا يعانون أوضاعًا مالية صعبة.

هذه الوقائع ظلت في إطار تسجيل صوتي واتهامات متبادلة، لكن دلالتها التنظيمية لا تحتاج إلى كثير من الشرح، فالتنظيم، الذى ظل يخاطب أتباعه بلغة الزهد والتجرد ونكران الذات، وجد نفسه بلا دين ولا أخلاق ولا زهد أمام المال، والتنظيم، الذي كان يطالب أعضاءه بالصبر والتضحية، وجد قياداته تتصارع حول المال ومصادره وطرق إدارته.

وتتجلى أحدث فصول هذا الصراع في الخلافات التي انفجرت بين حمزة زوبع وصهيب عبدالمقصود وصهيب الكاشف، وغيرها من الشخصيات والمنصات التي خرجت خلافاتها من الغرف المغلقة إلى العلن، فعبر سنوات طويلة جرى خلالها جمع الأموال تحت عناوين متعددة مثل دعم القنوات والمنصات الإعلامية، ومساعدة الأسر، وتمويل النشاط الإعلامي، وما ارتبط بما سمى «رابطة الإعلاميين».

لكن عندما اختفت من خزائنهم ملايين وملايين بدأ الخلاف حول المال، فخرجت إلى السطح اتهامات متبادلة حول حجم الأموال ومصادرها وطرق إدارتها ومصيرها، واللافت أن الذين طالبوا قواعدهم طوال عقود بالسمع والطاعة، واعتبروا مناقشة قرارات القيادة خروجًا على الجماعة، لم يجدوا حرجًا في كسر هذا الصمت عندما دخل الصراع إلى دائرة المال والنفوذ، وتحولت التسجيلات والتسريبات إلى وسائل لتصفية الحسابات، وأصبحت الاتهامات المالية أسلحة في مواجهة بعضهم بعضًا، بينما بقيت القواعد التي دفعت وتبرعت وموّلت النشاط بعيدة عن صورة واضحة لحسابات هذه الأموال وكيفية التصرف فيها.

هذا تنظيم تأسس في البداية لخدمة مشروع استعماري بغيض، ولو كان الأمر لله وحده، لما تحول أصحاب الشعار إلى خصوم يتبادلون الاتهامات بالكذب والغدر والخيانة من أجل الاستحواذ على المال والنفوذ، فالدين في ذاته لا يحتاج إلى تنظيم سري يحميه، ولا إلى جماعة تحتكر الحديث باسمه، ولا إلى قيادة بشرية تمنح أعضاءها صكوك الولاء والبراءة.

أما التنظيم السياسي، فهو بطبيعته يبحث عن النفوذ، ويحتاج إلى المال، ويحتاج إلى قواعد، ويحتاج إلى قيادة، ويحتاج إلى وسائل للحفاظ على تماسكه، وحين يلبس التنظيم السياسي ثوب القداسة، تصبح محاسبته أصعب؛ لأن نقد القيادة يمكن أن يُقدَّم باعتباره نقدًا للدين، والخروج على التنظيم يمكن أن يُصوَّر باعتباره خروجًا على الجماعة المؤمنة.

ولهذا، فإن الصراع الحالي لا يكشف فقط عن انقسام في القيادة، وإنما يكشف عن مأزق أعمق فى الفكرة نفسها، يكشف عن جماعة تطالب أتباعها بالتجرد، ثم تتصارع قياداتها على المال، تطلب منهم السمع والطاعة، ثم يضرب قادتها بعضهم بعضًا بالتسجيلات والتسريبات، وتتحدث عن إقامة الدين، بينما تكشف صراعاتها الداخلية أن السلطة والنفوذ والمال كانت حاضرة دائمًا في قلب المشروع.

فالرايات قد تكون مقدسة، لكن الذين يحملونها بشر، وحين يدخل المال والسلطة إلى المعادلة، تكشف الأفعال ما تخفيه الكلمات.

عن الوطن




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية