اختراق ناعم... كيف يحاول الإخوان في باكستان السيطرة على قطاع التعليم؟

اختراق ناعم... كيف يحاول الإخوان في باكستان السيطرة على قطاع التعليم؟

اختراق ناعم... كيف يحاول الإخوان في باكستان السيطرة على قطاع التعليم؟


27/07/2026

لا تتوقف الجماعة الإسلامية في باكستان، الذراع السياسية لجماعة الإخوان، عن محاولات اختراق النظام التعليمي، فعلى مدار الأشهر الماضية عملت الجماعة على تأسيس عدد من المؤسسات التعليمية التي أصبح لها تأثير كبير في المجتمع الباكستاني، مثل برنامج "بنو قابل"، الذي أصبح متواجدًا في مختلف المدن الباكستانية، ويبدو أنّ الجماعة الإسلامية مستمرة في إطلاق مشاريعها التعليمية.

خلال كلمته في حفل التخرج السنوي الرابع ضمن مشروع "بنات قابل"، الذي أُقيم بتاريخ 19 تموز/يوليو في مجمع "يو بي إل" الرياضي بكراتشي، التابع لمؤسسة الخدمة، وبمشاركة أكثر من 10 آلاف طالب، صرّح أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، حافظ نعيم الرحمن، بأنّ باكستان ستشهد حالة من الازدهار من خلال عملية تعليمية ممنهجة، وأنّ برنامج "بنات قابل" التابع لمؤسسة الخدمة سوف يكون نقلة نوعية في حياة الشباب.

استهداف النساء

وأكد أنّ البرنامج يستهدف الإناث الآن، بعد أن كان يستهدف الذكور فقط في مرحلته الأولى "بنو قابل"، من خلال إطلاق مبادرة "بنات قابل"، الأمر الذي يعكس رغبة الجماعة في توسيع قاعدة المستفيدين، وعدم قصر نشاطها على فئة اجتماعية بعينها، بما يعزز حضورها داخل الأسرة والمجتمع المحلي، وتحديدًا المرأة التي تُعتبر ركنًا مهمًا في تنشئة الأطفال، فمن خلال ضم الإناث لهذا المشروع تستطيع الجماعة إعداد أجيال من النساء تعمل على غرس أفكار الجماعة في أطفالهن.

وأعلن حافظ نعيم الرحمن أنّه بعد مشروع "بنو قابل" و"بنات قابل"، سيتم السعي لتحقيق حلم إنشاء جامعة لتكنولوجيا المعلومات. وحثّ الشباب على نقل معارفهم ومهاراتهم إلى الآخرين، والإسهام في تنمية البلاد. الجماعة لا تكتفي بالتعليم الأساسي فقط، بل تريد أيضًا السيطرة على التعليم الجامعي، لما يمثله من أهمية في توجيه الشباب، كذلك حتى لا تقتصر مؤسساتها على التعليم الديني فقط، وبذلك تستطيع إنتاج جيل من الشباب يستطيع مجاراة سوق العمل، ويستطيعون التواجد في مؤسسات الدولة المختلفة.

وانتقد نعيم الرحمن الوضع التعليمي في السند والبنجاب، قائلًا إنّ ملايين الأطفال ما زالوا خارج المدارس، بينما لا تُستغل الضرائب العامة بالشكل الأمثل. حافظ نعيم الرحمن لا يفوت الفرصة لمهاجمة الحكومة واتهامها بالتقصير، حتى يظهر أمام الرأي العام في باكستان كأنّه المنقذ للمنظومة التعليمية.

وأشار إلى أنّ اختبارات الكفاءة لبرنامج "بني قابل" أُجريت في أماكن مفتوحة، وأنّ الحكام أغلقوا أبواب التعليم أمام الشباب، كما أنّ فرص العمل الحكومية غير متاحة لهم.

وقال حافظ نعيم الرحمن: إنّ الصناعات نُقلت من كراتشي إلى خارج البلاد، إلا أنّ الإمكانات الواعدة في مجال تكنولوجيا المعلومات قد لاحت، ممّا بثّ الأمل والثقة. وقد أعلنا أننا لن نتقاضى أيّ رسوم مقابل جميع الدورات التي سنقدمها. وأضاف أنّ مشروع "بنو قابل"، الذي انطلق من كراتشي، قد بدأ في جميع المدن الرئيسية في البلاد، وقد سجّل فيه 1.6 مليون شاب, ولم نتقاضَ أيّ رسوم.

اختراق النظام الجامعي

قال أمير الجماعة الإسلامية إنّ جامعته لطالما حلمت بإنشاء جامعة لتكنولوجيا المعلومات، وتابع: "سنبنيها قريبًا، فربط التعليم بالثروة والمال جريمة وطنية".

وزعم حافظ نعيم الرحمن أنّ 35 مليون طفل في باكستان محرومون من التعليم، ويُجبر الأطفال الصغار على العمل الشاق، بينما يُحرم أطفال جيل ألفا وجيل زد أيضًا من التعليم، وسيرفعون أصواتهم الآن من أجلهم.

وتكشف تصريحات حافظ نعيم الرحمن عن هذا التوجه بوضوح، عندما ربط بين برامج التدريب التقني، وبين أنّ هناك أكثر من 35 مليون طفل محرومين من التعليم، بغرض تحريض القطاعات الجماهيرية ضد الحكومة الحالية، بأنّ الحكومة لا تقوم بدورها في توفير فرص تعليمية مناسبة، ومن هنا يكون البديل المشاريع التعليمية التي تنفذها جماعته، بحيث تكون الجماعة الإسلامية هي من تقوم بسد الفجوات التي لم تستطع الحكومة ملأها.

مؤسسة الخدمة

جدير بالذكر أنّ "مؤسسة الخدمة"، التي أطلقت هذه المشاريع، تُعدّ واحدة من أكبر المنظمات الخيرية غير الحكومية في باكستان، وترتبط جذورها تاريخيًا بما كان يُعرف بجناح الخدمة التابع للجماعة الإسلامية. وقد تأسست المؤسسة رسميًا عام 1990 بهدف العمل في عدد من القطاعات الحيوية، من بينها التعليم، والرعاية الصحية، وكفالة الأيتام، وتوفير المياه النظيفة، والخدمات الاجتماعية، والإغاثة، غير أن القطاع التعليمي ظل يمثل أهم مجالات نشاطها.

وخلال السنوات الماضية نجحت المؤسسة في تطوير شبكة تعليمية متشعبة تضم عشرات المدارس والمراكز التدريبية والتعليمية المنتشرة في أنحاء البلاد. وتشير البيانات المعلنة إلى أنّ المؤسسة تدير حاليًا نحو 64 مدرسة تُعرف باسم "مدارس الخدمة"، إلى جانب مئات المراكز التطويرية والتأهيلية، والجامعات المصغرة المتخصصة في تنمية المهارات. وتشمل مراكز للتدريب المهني والتقني، ومدارس لتطوير المهارات، وقاعات للدروس الخصوصية، فضلًا عن حلقات لتحفيظ القرآن، بما يمنحها حضورًا مؤثرًا داخل البيئات الفقيرة والمجتمعات المحلية.

لا يمكن النظر إلى التوسع الذي تقوده مؤسسة الخدمة في قطاع التعليم والتدريب بمعزل عن الاستراتيجية طويلة المدى للجماعة الإسلامية في باكستان، التي تقوم على توظيف مؤسسات المجتمع المدني لتعزيز حضورها داخل المجتمع، وبناء قواعد اجتماعية جديدة خارج الإطار الحزبي التقليدي. فالجماعة تدرك أنّ المؤسسات التعليمية والتدريبية تمثل إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تكوين النخب الشابة وبناء شبكات من العلاقات المجتمعية.

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المنظومة التعليمية الحكومية، سواء من حيث نقص المؤسسات التعليمية، أو ارتفاع معدلات التسرب، أو ضعف فرص التدريب المهني. وهو ما يمنح المبادرات التي تقدمها مؤسسة الخدمة مساحة أوسع للانتشار، باعتبارها توفر خدمات تعليمية وتدريبية مجانية تلبي احتياجات قطاعات واسعة من الشباب. ومن أهم مشروعات مؤسسة الخدمة برنامج "بنو قابل".

برنامج بنو قابل

أطلقت مؤسسة الخدمة برنامج "بنو قابل" باعتباره أحد أبرز مشاريعها الموجهة لتأهيل الشباب في مجالات التكنولوجيا والمهارات الرقمية، ضمن مسار جديد يجمع بين العمل الخيري والتمكين التقني. وقد بدأ تنفيذ البرنامج في أواخر عام 2024، بميزانية تُقدّر بنحو 3.5 مليارات روبية، مع هدف معلن يتمثل في تدريب وتأهيل مليون شاب خلال عامين، عبر تقديم تخصصات في تكنولوجيا المعلومات والمهارات الرقمية الحديثة.

ويمتد البرنامج إلى مختلف مناطق باكستان، حيث أُطلقت فعالياته في مدن رئيسية مثل كراتشي ولاهور، إلى جانب مدن ومناطق أخرى ضمن خطة توسعية واسعة. ووفقًا للبيانات التي أعلنتها المؤسسة، فقد شارك نحو 50 ألف شاب بالفعل في الدورات التدريبية التي يوفرها البرنامج، وتلقوا تدريبات متنوعة في مجالات تقنية ومهارية مرتبطة بسوق العمل الرقمي.

ويستهدف برنامج "بنو قابل" شريحة واسعة من الشباب، تشمل طلاب المدارس النظامية وطلبة المعاهد والمدارس الدينية في الوقت نفسه، إذ تحرص المؤسسة على توجيه الدعوة إلى مختلف الفئات التعليمية للانخراط في البرامج الرقمية ورفع مستوى التأهيل التقني والمهني لديها.

ومن شأن هذا النموذج أن يمنح الجماعة الإسلامية رصيدًا اجتماعيًا متزايدًا، إذ إنّ المستفيدين من البرامج المجانية قد يتحولون إلى شبكة من المؤيدين أو المتعاطفين مع خطابها، حتى وإن لم ينخرطوا تنظيميًا في صفوفها. ويُسهم هذا النشاط في تقديم الجماعة باعتبارها فاعلًا قادرًا على تعويض أوجه القصور في الخدمات العامة، وهو خطاب تحرص الجماعة الإسلامية على توظيفه في منافستها السياسية مع الأحزاب الحاكمة.

يعكس انتشار الجماعة الإسلامية في السيطرة على المشهد التعليمي الباكستاني أنّها، بدلًا من الاعتماد على المؤسسات الدعوية التقليدية، لجأت إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين التعليم النظامي، والتدريب المهني، والتأهيل الرقمي، والعمل الخيري. وبهذه الطريقة تستهدف تعزيز حضورها المجتمعي من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، بما يوفر لها قاعدة اجتماعية أوسع، ويمنحها أدوات جديدة للتأثير داخل المجتمع الباكستاني، خاصة في ظل استمرار التحديات التي تواجه قطاع التعليم الحكومي. ومن ثم، فإنّ تطور هذه البرامج، ومدى اتساع نطاقها الجغرافي، وعدد المستفيدين، سينعكس بالضرورة على حجم النفوذ المجتمعي الذي ستحققه الجماعة خلال السنوات القادمة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية