احذروا من خاين بك.. عميل العثمانيين الجدد

احذروا من خاين بك.. عميل العثمانيين الجدد

مشاهدة

25/07/2020

وليد فكري

لو أننا لم نتعلم من دروس التاريخ القاسية فلنحرق إذا كتبه، فالتاريخ ليس مجرد "حواديت" مسلية ولا هو بحائط مبكى للبكائيات واللطميات، كما أنه ليس جرعة من مخدر نتعاطاه لنعيش حالة من النوستالجيا اللذيذة نغيب فيها عن الواقع.

التاريخ دروس، وكلما ازدادت قسوة الدرس كان أكثر نفعا!

وأخطر تلك الدروس درس "خاين بك" الخائن، الذي به انتصر العثمانيون على دولة المماليك المصريين منذ أكثر من 500 سنة.

العثماني حليف الخونة

كان خاير بك أميرا مملوكيا طامحا للحكم، كان عرش مصر أغلى عنده من ولائه لها، وكانت الخيانة أسهل عنده من الكفاح المشروع، فاستغل الصراع بين الدولة العثمانية ودولة المماليك وتخابر مع السلطان سليم العثماني وقدم له الولاء سرا بينما كان يظهر لجميع وجه المخلص للوطن.

وبينما كان العثمانيون يحشدون الجيوش للعدوان على بلادنا ويستصدرون الفتاوى من شيوخ السلطان بمشروعية ذلك، كان خاير بك يراسلهم بثغرات دفاعات المماليك ويطلعهم على عورات تحصيناتهم.

ولأن العثماني لا يتقدم في أرض إلا بعد أن يمهد لنفسه فيها بالخونة والعملاء، فقد كلفوا خاير بك بإثارة الوقيعة بين بني جلدته، وحشدوا مع جيشهم قوات من المرتزقة التركمان ليمهدوا لهم الأمر قبل أن يتقدموا.

التقى الجيشان المصري والعثماني، وكان خاير بك يتولى قيادة ميسرة الجيش المصري، وقد أصم السلطان المملوكي أذنيه عمن اتهموا خاير أمامه بالخيانة ونصحوه بإيقاع عقاب الخونة به.

وفي خضم المعركة، انسحب خاير بك بميسرة الجيش ليخلق فيه ثغرة قاتلة، ثم استخدم سلاح الشائعات والفتن وأشاع بين الجند أن السلطان يلقي بهم لأتون المعركة بينما يجنب مماليكه المقربين ويلاتها، فضرب تماسك الجيش بوقيعته.

ولم يكتفِ بذلك، بل تمادى فأشاع بين قوات الاحتياط -في مؤخرة الجيش- أن السلطان قد قتل، وأنه قد صدر أمرا بالانسحاب، فانسحبوا وتحققت الهزيمة.

ثم جاهر الخائن بجريمته، فانضم علانية لجند ابن عثمان وأدخلهم ولاية حلب التي كان أميرا عليها قبل ذلك، وقد مهد لدخول الغزاة بأن أشاع أنهم إنما جاؤوا ليحققوا العدل ويرفعوا ظلم المماليك!

التمادي في الخيانة

بقي خاير بك مصاحبا للجيش العثماني، حتى ابتلع الغزاة مناطق الشام كلها، وأصبحوا على مشارف مصر، ولم يكن سليم الأول طامعا في دخولها، لكن الخائن حرضه على غزوها لأنه كان يخشى إن قامت مصر من كبوتها أن تسترد الشام وأن ينتقم رفاق سلاحه السابقون منه لخيانته!

فغزا سليم مصر وارتكب فيها أفحش المذابح، ولقي مقاومة شرسة قمعها بعنف واستطاع في نهاية الأمر أن يقبض على زعيم المقاومة السلطان المملوكي الأخير طومان باي.

فهل اكتفى خاير بك بما أصاب من الخيانة؟ كلا! بل إنه قد خشي أن يعجب السلطان العثماني بشجاعة وعقل طومان باي فيصالحه ويوليه مصر نيابة عنه، فراح يدس للسلطان سليم ما يخيفه من رفض طومان باي حكم العثمانيين، ويزين له قتله، حتى أمر سليم الأول بشنق طومان باي على باب زويلة.

وأخيرا تلقى الخائن ثمن جريمته، فولاه المحتل العثماني على مصر ولقبه بـ"ملك الأمراء"، وجعل بين يديه الجند والسلاح والنفوذ، لكن سلطان بني عثمان بقي يناديه "خاين بك" ليذكره بأنه ما نال هذا إلا بالخيانة.

وأفرغ خاين بك نقصه وتنمره في المصريين قمعا وقتلا ونهبا وترويعا، حتى هلك بعد 5 سنوات وذهب إلى قبره تلاحقه اللعنات.

خاين بك هذا العصر

إن كان عثمانيو الأمس قد استخدموا خاين بك لتحقيق مآربهم، فإن عثمانيي اليوم يريدون تكرار اللعبة.

انظر إليهم وهم يؤون حثالة طريدي الوطن ويضعون بين أيديهم أبواق الدعاية ومنابر الإعلام ليسب منها -هؤلاء الخونة- بلادهم، ويبدون الشماتة فيما تتعرض له من التحديات أو المحن، ويحرضون من قنواتهم المنحطة على العنف والفتن فقط لأنهم قد نُزِعَ منهم ما كانوا يحسبونه "مُلكهم"،
انظر إليهم وهم يطلقون "غلمانهم" عبر فضاء الإنترنت ينشرون الشائعات ويختلقون الفتن ويثبطون العزائم.

وها هم يحشدون المرتزقة من حثالة الخونة والمجرمين ويطلقونهم على الأوطان، يروعون الآمن ويهددون المطمئن وينذرون بحماقاتهم بقرع طبول الحرب.

حتى سلاح استخدام الدين مطية لأغراضهم لم يتورعوا عن استخدامه، من مداعبات للمشاعر الساذجة بتحويل متحف إلى مسجد، أو بتوظيف الدعاية لإحياء "الخلافة" العثمانية المزعومة، وغيرها.

هؤلاء المخربون المعتدون أعداء الحضارات قد قرروا أن يصطنعوا أكثر من "خاين بك" واحد، يريدون أن يكون لهم "خاين بك" في كل بلد ومدينة وحي وشارع، يمنون النفس بفرض السيطرة عليه ونهب ثرواته.

النمط نفسه، الدناءة نفسها، التحالف نفسه مع الخيانة والوقيعة والعمالة.

إنني لا أراني أبالغ إذا قلت أن إعادة قراءة تاريخ الصراع بين العرب والمحتل العثماني هي ضرورة تمس أمننا القومي العربي، لأن هذا المهووس بإحياء دولة هزلية إنما هو يكرر النمط العثماني القديم نفسه، فلن نفهم الصورة المعاصرة إلا لو استحضرنا تلك القديمة لنفهم نمطه وتفكيره، كيلا نجد أنفسنا نواجهه من أمامنا بينما من ورائنا أعداد كبير من الـ"خاين بك" تتأهب لطعننا من الظهر!

عن "سكاي نيوز عربية"

الصفحة الرئيسية