عندما فرض المصريون إرادتهم على المحتل العثماني

عندما فرض المصريون إرادتهم على المحتل العثماني

مشاهدة

13/04/2020

وليد فكري

"تقولون إن العثمانيون لم يضيفوا إلى العلم والحضارة؟ ماذا عن إنجازات عهد محمد علي باشا في حقول التعليم والصناعة والبناء؟" هكذا يقول العثمانيون الجدد وأتباعهم لمن يذكرون هدم المحتل العثماني للحضارة الإسلامية والعربية ونشره الجهل وتدميره منظومتا الطب والتعليم.. فيستحضرون-العثمانيون الجدد-عهد محمد علي باشا ويذكرون إنجازاته باعتبارها مضافة إلى رصيد العثمانيين..

وهو قول يتسم بالصفاقة الشديدة، فهؤلاء القوم يعلنون في كل حين نقمتهم على محمد علي باشا باعتباره قد تمرد على الدولة العثمانية وحاربها وأذل ناصيتها، إلى حد أن أحدهم-علي الصلابي-يفرد فصلًا كاملًا من كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي بالماسونية والتآمر على الإسلام!

بل ويجرؤ هؤلاء على أن يصدروا كتابًا عن التراث العثماني في مصر، كان يتناول حقبة محمد علي باعتبارها "تراثًا عثمانيًا" وكتب مقدمته رجب طيب أردوغان بنفسه!

هذا رغم الحقيقة التاريخية التي يدركها أي قارئ لتاريخ مصر منذ بداية حكم محمد علي باشا وهي أنه كان بداية التحرر من ربقة الاحتلال العثماني الغاشم

عودة مصر المستقلة

منذ احتلال الرومان مصر في عهد أغسطس قيصر أوكتافيانوس فقدت مصر صفها كدولة مستقلة.. ورغم عظم شأنها تحت حكم المسلمين بعد انتزاعهم إياها من بيزنطة، بقيت ولاية وكان عليها أن تنتظر بعض الوقت لتستعيد استقلاليتها..
كانت البداية على يد الوالي أحمد بن طولون الذي تولاها من قِبَل العباسيين في عصر كان خلفاء بني العباس فيه قد تحولوا إلا ألاعيب للقادة، فراح كل مغامر يقتطع جزءًا من جسد الدولة ويحوله إلى دولة مستقلة فعليًا وإن كانت من الناحية الاسمية تتبع الخلافة العباسية.. استطاع ابن طولون أن يفعل ذلك مع مصر لتستعيد صفة "الدولة المستقلة"إلى حد أنها راحت تنازع بني العباس حكم الشام..

ورغم سقوط الدولة الطولونية في مصر بسبب ضعف وتهافت خلفاء ابن طولون، وعودتها لوضع الولاية، إلا أنها سرعان ما استردت استقلالها بفعل حاكم آخر مغامر قدير هو محمد بن طغج الأخشيد الذي أقام على أرضها دولة الأخشيديين..
ثم تكرر سيناريو ضعف خلفاء الحاكم الأخشيدي، واستطاع الفاطميون أن يغزوا مصر وأن يقيموا عليها دولتهم التي أسست القاهرة-عاصمة مصر منذ ذلك الحين-ومن بعد الفاطميين أقام الناصر صلاح الدين دولة آل أيوب في مصر والشام والتي ورثها المماليك لتعيش مصر قرونًا بصفة الدولة المستقلة القوية الي تحكم الشام والجزيرة العربية وجنوب شرقي الأناضول.. حتى تدهمها فاجعة الاحتلال العثماني في العام 1517م لتعود إلى وضع الولاية ولكن ليس في ظروف طيبة كوضعها خلال حكم العرب المسلمين وإنما في أسوأ وأقسى وأحط وضع شهدته مصر منذ الاحتلال الروماني الذي لم يختلف الاحتلال العثماني عنه في شيء!

كان على مصر أن تنتظر حتى العام 1805م عندما تربع محمد علي باشا على كرسي حكمها.. ليبدأ عصر جديد منفصل عن عصر الاحتلال العثماني، فإن كان ذلك الاحتلال قد بقي اسميًا حتى العام 1914م عندما فصل المحتل البريطاني مصر عن الدولة العثمانية بشكل رسمي لاشتراك تلك الأخيرة في الحرب العُظمى (الحرب العالمية الأولى) ضده، وإن كانت مصر قد بقيت في الفترة ما بين عاميّ 1805م و1914م تعلن رسميًا الولاء للسلطان وترفع الأعلام العثمانية وتنتظر فرمانات الباب العالي الشكلية، إلا أن بداية سقوط الحكم العثماني الفعلي لمصر كانت في العام 1805م، وما بعد ذلك هو مجرد تبعية شكلية لم يكن يعين العثمانيون فيها على تنفيذ بعض فرماناتهم سوى استعانتهم بحلفاءهم من الدول الأوروبية.. (ملاحظة: ورغم حقيقة استعانة العثمانيون باليد الباطشة الأوروبية لفرض إرادتهم على مصر خلال فترات النزاع مع محمد علي باشا وبعض خلفاءه يجروء العثمانيون الجدد وأتباعهم على القول بأن المحتل العثماني قد حمى المسلمين والعرب من احتلال الغرب لهم!)

الأمر الواقع المصري

والواقع أن مصر كانت قد خرجت من تحت يد العثمانيين قبل 1805م.. فالمماليك قد استولوا على مقاليدها وراحوا يتنازعون ويتحاربون ضاربين بالوالي العثماني والباب العالي عرض الحائط.. وهذا المملوك علي بك الكبير الشهير ب"جن علي" يثب على كرسيها ويخوض مغامرة مثيرة فيستقل بها ويحالف الشيخ ظاهر العمر الزيداني المستقل بفلسطين ويحاربان العثمانيين الذين لا يتمكنون من هزيمتهما إلا باستخدام سلاح الخيانة وإغراء بعض أتباعهما الخونة بالانقلاب عليهما واغتيالهما.. وهذان المملوكان إبراهيم بك ومراد بك يتحالفان فيتقاسما حكمها ويعقدا المعاهدات بشكل مستقل مع تجار دول أوروبا ويبتلعان خيراتها لأنفسهما.. ثم يدهمها احتلال الفرنسي بقيادة بونابارت الذي يستغل هذه الحال المخزية فيدعي أنه إنما جاء إلى مصر ليساعد أصدقاءه العثمانيون في تأديب المماليك العصاة!

كل هذا يقول بشكل مباشر أن الحكم العثماني الفعلي لمصر كان قد انتهى منذ زمن ليس بالقليل!
ولكن لأنهم كانوا قد أدمنوا الغيبوبة واستمرأوا العيش في الماضي وأوهام المجد القديم، كان العثمانيون يعيشون "حالة إنكار" للواقع... فبعد طرد الفرنسيين من مصر-بفضل القوة العسكرية للإنجليز الذين لم يعينوا العثماني على الفرنسي إلا طمعا في حيازة مصر لأنفسهم-اعقد العثمانيون أنهم يقدرون على رد الولاية المصرية لحظيرتهم..
فرحيل الفرنسيون كان قد تمخض عن ظهور قوى عدة متصارعة على حكم مصر:

-المماليك الذين حسبوا أن دولهم بمصر لم تسقط وعلى رأسهم الألفي بك عميل الإنجليز وفتاهم المدلل

-العثمانيون الذين اعتبروا أن انكسار المماليك فرصة لهم ليفرضوا حكمهم الفعلي على مصر

-الإنجليز الذين جاءوا إلى مصر بصفة "حلفاء وأصدقاء السلطان العثماني" بينما هم يتلمظون كالذئاب الشرهة

تلك القوى الثلاث لم تحسب حسابًا لقوتين حليفتين:

-محمد علي باشا الشاب الألباني الطموح والذي جاء على رأس فرقه كجزء من القوات العثمانية وأظهر الشجاعة والبأس والذكاء

-القوة الوطنية الشعبية وعلى رأسها علماء الأزهر الشريف والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف، وهم الذين قد أدركوا قوتهم بعد أن أبلوا أحسن البلاء في مقاومة المحتل الفرنسي، ومن وراءهم جموع المصريين الذين دفعوا وحدهم ثمن دفاعهم عن مصر ضد الاحتلال الفرنسي، بين انبطاح العثمانيين وخيبة المماليك..

المصريون يصفعون العثماني بمحمد علي

يتساءل البعض "لماذا لم يفرض المصريون حاكمًا منهم على العثمانيين؟ لماذا جاءوا برجل أجنبي واليًا عليهم؟"
الإجابة هي أن الزعامة الشعبية كانت ناضجة بما يكفي لإدراك أن ثمة أمراً واقعاً يقول أن طلب الاستقلال التام عن العثمانيين في هذا الوقت كان مستحيلًا، فصحيح أن العثماني كان قد تحول إلى "رجل أوروبا العجوز المريض" إلا أنه كان لا يزال يحظى بدعم أصدقاءه في أوروبا، ليس حبًا من الأوروبيين فيه وإنما لرغبتهم تأجيل النزاع على تركته.. كذلك فقد كانت مصر منهكة من قرون من القهر والاستنزاف وسحق الإرادة، فكان لا بد من إتمام الأمور بالتدريج..

هذا فضلًا عن أن محمد علي كان داهية حقيقيًا، فبينما كان بقايا زعماء المماليك يحاولون الوثوب على الحكم، والباب العالي يرسل الوالي تلو الآخر فينتهي به الأمر قتيلًا أو طريدًا، والجند العثماني يعيثون فسادًا ويصطدمون بالأهالي إلى حد خروج الناس في مظاهرات يهتفون "يا رب يا متجلي أهلك العثمانلي"، كان الداهية الألباني يتقرب من المصريين وزعمائهم بالمودة واللين والنعومة وإبداء التعاطف.. (صحيح أنه بعد بلوغه مأربه قد أطاح بمن عارضوه منهم لكنه في بداياته كان لا يقدر على نيل مطلبه إلا بعونهم.. وحتى إطاحته بالمعارضين كانت بموافقة زملاءهم من الزعامات"
وثمة ملاحظة هنا: فإلقاء محمد علي برهانه كله على المصريين وقياداتهم الشعبية يعني حقيقة أن هؤلاء قد تحولوا إلى القوة الفاعلة الحقيقية على أرض الواقع..

وقد كان، فعندما حاول العثمانيون فرض واليهم خورشيد على مصر، وثار عليه المصريون وطالبوا بمحمد علي واليًا عليهم، وتخاذل الجند الألبان عن نصرة محمد علي، سارع المصريون بتشكيل قوة مسلحة لمناصرته إلى حد أن بعضهم قد باع ملابسه ليشتري بثمنها سلاحًا!

وعندما أرسل علماء الأزهر وأعيان مصر رسالة للباب العالي "يلتمسون" فيها أن يولي على مصر محمد علي كان الظاهر إلتماسًا والواقع إعلانًا بالأمر الواقع، وعندما حاول المحل العثماني المراوغة بأن إنصاع للأمر أولًا ثم حاول بعدها بسنة أن يطيح بمحمد علي عن ولاية مصر، كرر الزعماء المصريون طلبهم فاضطر العثمانيون لقبول الأمر الواقع وهم يتحسسون أثر الصفعة على أقفيتهم.. فالمصري الفلاح ال"خير سيز" ال"نار سيز" قد أصبحت له إرادة يفرضها على من كان يقهره ويترفع عليها..

وهكذا.. كان العام 1805م هو عام مواجهة المحتل العثماني بحقيقة وضعه الجديد في مصر، وتمهيدًا لمزيد من الصعفات على وجهه الصفيق!

عن "سكاي نيوز عربية"

الصفحة الرئيسية