ابن المقفع.. ضحية السياسة والحكم المطلق!

ابن المقفع.. ضحية السياسة والحكم المطلق!


30/07/2018

يظل الكاتب والمترجم ابن المقفع (روزبه بن داذويه) شخصية تاريخية جدلية بامتياز؛ ذلك أنّ المعلومات عنه، والأخبار التي تناولت حياته القصيرة، قليلة وملتبسة، يكتنفها غموض قصور الحكام، وتهاون المؤرخين الكلاسيكيين بل المحدثين في التثبت من الأخبار وتدقيق النصوص وتفكيكها لإعادة تجميعها قائمة على أسس علمية تاريخية صحيحة.

عنصرية المؤرخين العرب في تناول سيرة ابن المقفع

سيرة ابن المقفع في التراث الإسلاميّ، تعكس عنصرية عربية واضحة إزاء الجنس الفارسي، وتشي بأنّ جلّ المؤرخين، الذين تناولوا نتفاً من حياته، قد بالغوا في إسباغ البعد الطائفي والعرقي والديني على سيرته، خصوصاً أنّهم نظروا إليه إما كعابد سابق للنار، أو معتنق للعقيدة المانوية الفارسية، ومما يؤسَف عليه؛ أنّ كثيراً من المؤرخين والمحققين المحدثين، تابعوهم في تلك التهم تساهلاً دون تدقيق، فجاؤوا ببيتين من الشعر، منسوبَين إلى الأحوص الأنصاري، هما:

يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل

إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل

فقالوا: إنّ ابن المقفع قد أنشدهما حنيناً وشوقاً إلى عبادة النار، وأنّه إنما أظهر الإسلام وأبطن الكفر كما يفعل الزنادقة، وفات هؤلاء الناقلون أنّ ابن المقفع، قبل اعتناقه الإسلام، كان على مذهب ماني، وبيت النار معبد لمعتنقي مذهب "زرادشت"، لا لمعتنقي ماني، ما يجعل من القصة السالفة نموذجاً للانتحال، كما فات منتحل تلك القصة: أنّ ابن المقفع لم يكن بتلك السذاجة المفرطة التي تجعله ينشد بيتين للأحوص، نهاراً جهاراً، فيعرّض نفسه للخطر المحقق، خصوصاً أنّ الحاقدين عليه كثر، والمتربصين به يكادون يراقبون حركاته وسكناته، وبذا تندفع شبهة تعظيم ابن المقفع وحنينه إلى النار.

سبب تسميته "ابن المقفع"

ولد عام 106 هـ لأبوين فارسيين، ويبدو أنّ بيئته كانت أرستقراطية بعض الشيء؛ فأبوه "داذويه" كان من موظفي ديوان الخراج في الدولة الأموية، والمقفَّع، لقب له؛ لأنّه كان قد ولي ديـواناً للخراج فـي إمارة والي "العراق وفارس"، الحجاج بن يوسف الثقفي، فسرق مالاً، فضرب ضرباً مبرحاً تقفعت يداه منه؛ أي تشنّجت؛ فلقِّب بــ "المقفَّع"، لا كما يروي ابن خلكان: من أنّ كنيته "ابن المقفَّع" نسبة إلى بيع القفاع، وهي من الجريد كالزنبيل (القفّة) بلا آذان، ويبدو أنّ تلك الحادثة قد أثرت في تكوين أبيه، لذلك لم يسلم، وبقي مجوسياً مانوياً، بيـد أنّه اهتم بتعليم ابنه، حتى يحوز مكانة مناسبة في الدولة الإسلامية ويفوق العرب في دواوين الدولة؛ لأنه يجمع بين اللغتين؛ الفارسية والعربية.

في البصرة عُرِف عند العلماء والأدباء والوزراء والأمراء وأخذ يعمل في دواوينهم وكانت له بهم صلة وثيقة

نشأ ابن المقفع محباً لطلب العلم، مجالساً للشعراء والأدباء، وفي البصرة عُرِف عند العلماء والأدباء، وطارت شهرته إلى الوزراء والأمراء، وأخذ يعمل في دواوينهم، وكانت له صلة وثيقة بمجالسهم وأنديتهم، وكان عبد الحميد الكاتب من أقرب الناس إليه وأكثرهم صداقة له، وقد بلغ هذا الأخير غاية النفوذ في الدولة الأموية في عهد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، وقد كان من الأسباب الرئيسة التي ساعدت ابن المقفع في حياته، كما عرف في العصر العباسي عند أعمام الخليفة المنصور، فقد اتصل بهم وخالطهم، ليعرف سياسة الدولة ونظام الحكم عن قرب، ولعلّ ذلك يكون مدخلاً مباشراً لتأليفه كتاب "رسالة الصحابة"؛ الذي يعدّ (مانيفستو) الإصلاح السياسي في جهاز الدولة العباسية، وإصلاح نظام الحكم، ومحاولة نقد السياسات المطلقة تصريحاً وتلميحاً.

نهاية صادمة حيث اشتبك في علاقة داخلية بين الخليفة المنصور وأعمام  حتى قُتل حرقاً بتهمة الزندقة

وينبغي ألا يفوتنا، ونحن نقرأ سيرة ابن المقفع واتهامه بالزندقة، أنّه لم يعتنق الإسلام إلا وهو في السابعة والعشرين من عمره، ما يعني أنه ليس من اليسير أن يتخلى مرة واحدة عن كل ما كان يؤمن به ويعتقده، كما لا يمكن أن تختفي ثقافته الفارسية، ومخزونه العقائدي، مرة واحدة، فلا تظهر في كتاباته وترجماته، ولعلّ ذلك هو ما دفع الدكتور شوقي ضيف إلى الادعاء بأنّ ابن المقفع كان زنديقاً، كاتباً للفرس!

مكانته في الأدب والثقافة العربية

لقد استوعب ابن المقفع الثقافة الفارسية، وكان لاعتماد ثقافته على العقل أثر واضح في كتاباته وترجماته إلى العربية، خصوصاً كتابه الأشهر "كليلة ودمنة"، الذي ترجمه عن اللغة الفارسية القديمة (البهلوية)، وفيه مواءمة عربية للصيغة البهلوية لحكايات الحيوانات الهندوسية، ونميل إلى أنّ أجزاء كبيرة من هذا الكتاب إنما هي من تأليف ابن المقفع نفسه، لكنه لم يصرح بذلك خوفاً من السلطة السياسية؛ لأن الكتاب في مجمله يزخر بتلميحات سياسية على لسان الحيوانات، وبثّ في ثنايا حكاياته آراءه السياسية في الحكم، وقد امتاز أسلوب ابن المقفع بالإيجاز وعقلانية الصياغة، والاقتصاد في استخدام الصيغ البلاغية، الأمر الذي يجعله المؤسس الحقيقي للنثر العربي، كما أنّ كتابه "الأدب الكبير" هو الآخر كتاب سياسي بامتياز، وفيه آراء تقدمية رائعة تجعل ابن المقفع على رأس مفكري النقد السياسي على مرّ العصور.

ابن المقفع ضحية السياسة

أما عن سبب غضب أبي جعفر المنصور منه، وحنقه عليه، فيأمر بقتله تلك القتلة الشنيعة؛ أنّ عبد الله بن علي قد خرج على ابن أخيه المنصور وطلب الخلافة لنفسه، فأرسل إليه المنصور جيشاً بقيادة أبي مسلم الخراساني، فانتصر أبو مسلم عليه، وهرب عبد الله بن علي إلى أخويه سليمان وعيسى، واستتر عندهما خوفاً على نفسه من المنصور، فتوسطا له عند المنصور ليرضى عنه، فقبل شفاعتهما، واتفقوا على أن يكتب له أمان من المنصور، فكتب ابن المقفع الأمان وشدّد فيه، فلما قرأه المنصور عظم ذلك عليه، وقال: من كتب هذا؟ فقالوا له: رجـل يقال له عبد الله ابن المقفع يكتب لأعمامك، فكتب إلى سفيان بن معاوية، والي البصرة يأمره بقتله، فقتله حرقاً، على أشهر الأقوال!

اقرأ أيضاً: الزندقة.. سلاح الطغاة والفقهاء لمواجهة المعارضين والعقلاء

تلك كانت نهاية ابن المقفَّع، وهي نهاية صادمة فيها سوء حظ، جعله يشتبك في علاقة داخلية بين الخليفة المنصور وأعمامه، حتى كانت نهايته حرقاً بتهمة الزندقة، وقد كانت من التهم "المعلبة" في ذلك العصر؛ لمواجهة المثقفين والمعارضين، فقتله لم يرتبط إطلاقاً بتهمة الزندقة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية