إشارات قوية من قيس سعيد إلى فتح ملفات حركة النهضة

إشارات قوية من قيس سعيد إلى فتح ملفات حركة النهضة

مشاهدة

12/01/2022

أظهر الرئيس التونسي قيس سعيد تمسكه بالمضي في كشف ملفات الأشخاص الذين وضعوا قيد الإقامة الجبرية، وهي ملفات كبيرة وخطيرة، متحديا الضغوط المختلفة ومحاولات تشتيت اهتمامه بجره إلى قضايا ثانوية، من ذلك مثلا الخلاف مع القضاة واتحاد الشغل.

وقال قيس سعيد الاثنين إن “أدلة كثيرة تثبت تورط من وُضعوا قيد الإقامة الجبرية”، متهما بعض الموقوفين بارتكاب “خيانات والارتباط بدول غربية”، وأن “الوثائق التي تدينهم موجودة ويمكن أن تصل إلى حدود الإعدام”.

ويشير الرئيس سعيد بذلك إلى كل من نائب رئيس حركة النهضة نورالدين البحيري والمسؤول السابق في وزارة الداخلية فتحي البلدي، وهما موقوفان منذ أكثر من عشرة أيام.

وأشارت أوساط تونسية إلى أن قيس سعيد أظهر في كلمته الاثنين معرفته بوجود ملفات جدية وثقيلة لدى الإدارة ووزارة الداخلية بشأن الاتهامات الموجهة إلى قيادات من حركة النهضة في ما يتعلق بقضايا تهم اختراق مؤسسات الدولة وتزوير الجوازات ومسائل التسفير، ولذلك هو يتحدث بوضوح تام ويصارح التونسيين بما يمتلكه من معطيات وإن كان ذلك بشكل عام، تاركا المهمة للدوائر القضائية.

وشددت هذه الأوساط على أن ما قاله الرئيس التونسي كان ردا على زَعْم النهضة أن ملف البحيري والبلدي يخلو من أي اتهامات واضحة، وهو بالتوازي مع ذلك يحمّل المؤسسة القضائية مسؤولية استلام هذه القضية التي مازالت مثار أخذ ورد، وفتح بحث موسع فيها يقود إلى تفكيك مختلف تشعباتها، وهو ما من شأنه أن يوصل إلى فهم حقيقة النهضة وشبكاتها.

وقال قيس سعيد “هناك من الوثائق لدى الإدارة التونسية وسلطات الأمن ما يثبت تورّطهم في جرائم كثيرة، بينها تدليس جوازات السفر والتسفير وإعطاء جوازات لمن كانوا موجودين على لوائح الإرهاب”.

وتساءل مراقبون عن سر الحياد الذي تبديه المؤسسات القضائية في مثل هذا الموضوع؟ وهل أن الخلاف بشأن إصلاح القضاء يمكن أن يحول دون فتح ملف فيه اتهامات ثقيلة لشخصيات تم توقيفها ووضعها تحت الإقامة الجبرية؟ مشيرين إلى أنه يمكن البحث عن قنوات للحوار مع مؤسسة الرئاسة بشأن تجاوز العقبات التي تعرقل عملية إصلاح القضاء بعيدا عن صراع الصلاحيات ومساعي تحويل القضاء إلى دولة داخل الدولة.

وحذر المراقبون من وجود خطة لجر القضاء إلى مربع المواجهة مع الرئيس سعيد لخدمة أجندات بعيدة عن مصالح القطاع، مشيرين إلى أن حركة النهضة تراهن في هذه الفترة على دفع القضاء كما الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابة الصحافيين إلى خوض المعركة التي فشلت فيها الحركة بشكل مباشر، على أن تظل هي محرّك اللعبة من وراء الستار.

ولفت هؤلاء إلى أن هذه الخطة تهدف إلى إغراق رئيس الجمهورية في التفاصيل بإثارة المزيد من المشاكل ودفعه إلى الرد عليها في الوقت نفسه وتوسيع دائرة الخصوم، ما يشتت اهتمامه ويظهره في صورة الرئيس المتوتر ويبعده عن حل القضايا الرئيسية وأولاها تفكيك منظومة الفساد والإرهاب، وثانيتها التفرغ لمعالجة الملف الاقتصادي والاجتماعي كأولوية عاجلة.

ويعارض الرئيس سعيد تحويل القضاء إلى دولة داخل الدولة، معتبرا أن ”ليس هناك حكومة قضاة ولا دولة قضاة، هناك قضاة للدولة التونسية يطبّقون القانون التونسي”.

وقال في لقائه الاثنين مع رئيسة الحكومة نجلاء بودن إن ”القضية ليست مع القضاة ولا مع القضاء، القضية مع قضاء مستقل”، وإنه ”لا يُمكن أن يتحوّل القضاء إلى مُشرّع”، موضّحًا ”نُشرّكهم (القضاة)، نأخذ  برأيهم، نستلهم من حلولهم ولكن ليس لهم أن يتحوّلوا إلى مُشرّعين”.

وقال المحلل السياسي منذر ثابت إن “المجلس الأعلى للقضاء يريد أن يكون الإصلاح من داخل الجهاز القضائي، والقضاة يرفضون أي تدخل، لكن إصلاح القضاء شأن الجميع وبعيد عن النقاط الخلافية، ومن الطبيعي أن تكون للرئيس سعيد رؤية وتصور في ذلك، ويحتاج إلى هامش زمني للتفكير والتأمل”.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن “العلاقة بين المجلس الأعلى للقضاء والرئيس سعيد كانت جيّدة إلى حدود الخامس والعشرين من يوليو”، متسائلا “ما الذي عكّر صفو العلاقات بينهما؟”.

من جانبه ذكر أحمد صواب، القاضي السابق في المحكمة الإدارية بتونس، أنه “تم فتح ملفات لحركة النهضة في عهد حكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، والحكم في الملفات لا يكون إلا بالقانون والمعطيات، بقطع النظر عن الانتماءات السياسية”.

وأضاف لـ”العرب”، “هناك انحرافات في عهد حكم النهضة، ولكن الرئيس سعيد الآن يريد أن ينفرد بالقضاء”.

وتحذر الأوساط السياسية من أن القضاء الذي يدافع عن مصالح منظوريه قد يجد نفسه واجهة لحركة النهضة التي تستعد لاستعراض جديد في الشارع بمناسبة الرابع عشر من يناير ذكرى سقوط نظام زين العابدين بن علي، مشيرة إلى أن “حسابات النهضة غير حسابات القضاء وكذلك اتحاد الشغل وقطاع الإعلام”، وأن “الذكاء السياسي يفترض أن تنأى بنفسك عن أجندات الآخرين وتختار الوقت الذي تتحرك فيه”.

وتسابق حركة النهضة الوقت للتحرك وقطع الطريق على خطط الرئيس سعيد التي يتم تنفيذها بهدوء وتتعلق بفتح ملفات متعددة في الوقت ذاته، وبالزخم نفسه؛ مثل التمكين، وشبهات الإرهاب، والاستعانة باللوبيينغ في الحملة الانتخابية عام 2019.

وتُجرَى تغييرات واسعة على مستوى مختلف الوزارات، وخاصة وزارة الداخلية، حيث تمت إحالة قيادات أمنية عملت مع النهضة إلى التقاعد الوجوبي بهدف تفكيك آلية الاختراق التي نفذتها الحركة خلال السنوات العشر الأخيرة.

وقالت مصادر إعلامية الثلاثاء إنه تمت إحالة دفعة جديدة من الكوادر الأمنية التي عملت في إدارة الحدود والأجانب إلى التقاعد الوجوبي، وطال ذلك مشرفين أمنيين على سفارات تونسية في الخارج بالإضافة إلى مدير عام سابق في وزارة الداخلية.

عن "صحيفة العرب"

الصفحة الرئيسية