إرهاب غير مقدس

إرهاب غير مقدس

مشاهدة

04/02/2018

يتواجد الإرهاب في غياب الدولة أو ضعفها أو تواطئها. وهكذا تُسهم كثير من دول العالم في خلق الإرهاب بصورة أو بأخرى. لا يحتاج الإرهاب إلى مرجعيات مقدسة. هكذا هو حال العمليات التي نفذتها تنظيمات (غير دينية) في بلدان مختلفة من العالم. نذكر من هذه الجماعات: القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، منظمة الوطن والحرية الإسبانية (إيتا)، (جيش الشعب الجديد)، وهو الذراع المسلح للحزب الشيوعي الفلبيني، (منظمة الدرب المضيء) في البيرو، رابطة الدفاع (ألستر)، وهي مجموعة مسلحة في أيرلندا الشمالية، (أوم شينريكيو) في اليابان، (منظمة النضال الثوري اليونانية)، (الجيش الجمهوري الأيرلندي)، (جيش الرب) الأوغندي، (منظمة كاهانا تشاي اليهودية).

ارتكبت هذه التنظيمات عمليات قتل جماعية واختطاف، لكن أغلبها لم يشرعن الإرهاب باللجوء إلى المقدس. فلماذا لا تفعل التنظيمات "الإسلامية" المثل؟! التنظيمات التي تتخذ من الإسلام -نصاً وتاريخاً- مرجعية لعملياتها، تفعل ذلك لشرعنة إرهابها. والسبب أنها تفتقر إلى دولة تدافع عن الحقوق أو المصالح أو ترد المظالم بممارسة "إرهاب الدولة" كما تفعل إسرائيل وأمريكا وغيرهما.

غياب الدولة أو ضعفها عامل حاسم في ظهور التنظيمات الإرهابية، أقرب الأمثلة إلينا هو العراق

كلما ضعفت الدولة أو غابت استقوى الدين، ولما كان الدين الإسلامي يفتقر إلى مؤسسة جامعة موحدة –كالكنيسة- فمن الطبيعي أن تظهر جماعات تتحدث قولاً وفعلاً باسم تلك المؤسسة الغائبة، وفي مقابل تحقيق طموحها في تكوين دولة لن يكون خطابها إلا عنيفاً. في هذا السياق نصَّبت (داعش) نفسها دولةً -"الدولة الإسلامية في العراق والشام"- في مناطق تغيب فيها الدولة.

غياب الدولة أو ضعفها عامل حاسم في ظهور التنظيمات الإرهابية، أقرب الأمثلة إلينا هو العراق. الذي أمر بتسريح الجيش العراقي كان يدرك عواقب ذلك القرار. كتب اريك هوفر -في منتصف القرن العشرين، في كتابه (المؤمن الصادق)- "نجد الجنود المسرّحين من أوائل الذين انضموا إلى الحركات الجماهيرية المعاصرة. يشعر هذا الجندي السابق بالغربة والضياع في مجتمع مدني متسيب وتنغص مسؤولية الاستقلال الفردي عليه حياته. يتطلع هذا الرجل إلى اليقين ورفقة السلاح وإلى التخلص من عبء المسؤولية، يتطلع إلى شيء يختلف كليّة عن الحياة المدنية التي تحيط به، ويجد كل ما يحلم به في الأخوة التي يتيحها محيط الحركات الجماهيرية الصاعدة".

أينما تغيب الدولة أو يضعف دورها تحل محلها تنظيمات إرهابية حتى لو كانت تلك الدولة هي أمريكا

أينما تغيب الدولة أو يضعف دورها تحل محلها تنظيمات إرهابية حتى لو كانت تلك الدولة هي أمريكا. المثال الأبرز هو تنظيم (كلو كلوكس كلان). انتهاء المافيا، بالشكل الذي كانت عليه، في أمريكا وإيطاليا، شاهد على حضور الدولة وتطور مؤسساتها. لكن تبقى هناك ثغرات تستغلها هذه التنظيمات. المثال على ذلك (جيش التحرير الأسود) تأسس عام 1970 للمطالبة بحقوق متساوية للأمريكيين من أصول إفريقية باستخدام العنف.

توقفت العمليات "الفدائية" الفلسطينية، ليس لأنها لا تخدم القضية، ولكن لدواعي دولية سياسية تميل لخيار السلام وتنبذ العنف، خصوصاً حين يكون موجهاً نحو إسرائيل. وحين يُفضي السلام من طرف واحد- إلى طريق مسدود، لن تكون هناك وسيلة لتسليكه إلا بالعنف. في هذه الحالة لن يحتاج الفلسطينيون إلى مرجعية مقدسة للعنف. في سبيل الحصول على دولة تخلت "منظمة التحرير" عن العنف، في حين لم تتوقف إسرائيل عن ممارسة كل أشكال العنف. لكن المنطق الدولي يُفرق بين إرهاب الدولة الشرعي، وبين إرهاب الجماعات المنبوذة!

إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل لم تعد له علاقة بإرهاب "العهد القديم"، بالمثل، ليس للإرهاب الذي تمارسه أمريكا علاقة بتاريخ الإرهاب المسيحي، لكنه إرهاب، قياساً إلى نتائجه. في التاريخ أمثلة على نصوص مقدسة متطرفة لكن أتباعها مسالمون، أو أنهم كفُّوا عن ممارسة العنف "المقدس"، كالهندوس الذين يعج تراثهم الديني بالعنف بداية بالإله كريشنا الذي تُظهِر إحدى تجسداته صورة بطل محارب، إضافة إلى آلهة هندوسية أخرى تجمع بين الخير والشر: (إندرا) إله النصر، (رودرا) سيد الموت -إله ينشر حوله الرعب ويقتل الناس بقوسه، (شيفا) إله الموت والحياة، الذي يرسل العواصف والإبادة.

تتمثل دوافع الإرهاب في المنطقة العربية في غياب الدولة أو ضعفها وغياب الحريات والديمقراطية وانتشار الفقر وغيرها

العدل كما تصوره النصوص الهندوسية المقدسة لا يتحقق إلا بالقتال، فالإله كريشنا -كما يحكي فصل (البهاغافاد غيتا) في ملحمة (المهابهاراتا)- هو الذي أقنع القائد (أرجونا) بخيار الحرب، بعد أن كان هذا الأخير متردداً ومسالماً، وفي المحاورة بين أرجونا وكريشنا يظهر الإنسان أكثر خيراً من الإله. غاندي هندوسي وكان كتاب الغيتا المقدس لا يفارقه لكنه استمد ثقافته الأخلاقية السلمية من المسيحية وتأثر بيسوع وموعظة الجبل. أوضحَ غاندي أنّ رسالة يسوع مختلفة تماماً عن التجربة الغربية، وحث الناس "على الفصل بين المبادئ الدينية وسلوك الحكومة الاستعمارية". هذا شاهد على التمييز بين النص المقدس (العنيف) والسلوك البشري (المسالم). ثمة نصوص مسالمة -الأناجيل أو "العهد الجديد"- لكن أتباعها ارتكبوا مجازر شنيعة في سبيل نشرها! قل مثل هذا الكلام عن الآيات القرآنية التي تحث على السلم وحرية التدين، لكن المسلمين فعَّلوا نقيضها. بالمجمل تتمثل دوافع الإرهاب في المنطقة العربية في غياب الدولة أو ضعفها وغياب الحريات والديمقراطية وانتشار الفقر وغيرها من الضغوط النفسية والاجتماعية والثقافية.

يكشف الإرهاب ضد المسلمين في ميانمار عن تواطؤ الدولة لا عن غيابها. البوذية مسالمة ليس بسبب طبيعة النصوص البوذية المقدسة. لو أن البوذيين يتعرضون للظلم لتحول بوذا في فكر أتباعه إلى سلفي، وهذا ما قد يحدث لو وجد الإنسان المقهور من يسلحه، عند هذه النقطة تلتقي السياسة بالدين بالمصالح الدولية فيشتعل فتيل الإرهاب.

الصفحة الرئيسية