
في الوقت الذي تحترق فيه الخرطوم تحت وطأة صراع مسلح دامٍ، تبرز من خلف الدخان ملامح "الدولة العميقة "التي أسسها تنظيم الإخوان المسلمين على مدار ثلاثة عقود.
تتناول الدراسة الحديثة الصادرة عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" واحدة من أعقد قضايا المشهد السوداني الحالي: العلاقة العضوية والمصلحية بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وبين فلول نظام عمر البشير من الإسلاميين.
ترى الدراسة أنّ الحرب التي اندلعت في نيسان /أبريل 2023 لم تكن مجرد صدام بين جنرالين، بل كانت الفرصة الذهبية التي انتظرها" الكيزان" إخوان السودان للعودة إلى المشهد السياسي عبر بوابة الشرعية العسكرية، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام حتمية استخدام سلاح العقوبات لفك هذا الارتباط الذي يهدد بتحويل السودان إلى بؤرة دائمة للتطرف والفوضى الإقليمية.
عودة" الحرس القديم": استراتيجية التسلل عبر البارود
تكشف دراسة معهد واشنطن عن آليات عودة الإسلاميين إلى صدارة المشهد بعد أن ظن العالم أنّ ثورة كانون الأو /ديسمبر 2018 قد أطاحت بهم إلى غير رجعة. لم تكن عودة الإخوان عفوية، بل كانت نتاج تخطيط ممنهج استغل حالة الاستقطاب الحاد بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. لقد وجد الإسلاميون في ضعف الموقف الميداني للجيش في بعض الجبهات ثغرة للنفاذ، حيث سارعوا إلى تحريك ميليشياتهم المسلحة، وعلى رأسها كتيبة البراء بن مالك، للانخراط في القتال تحت لواء الجيش.
هذا الانخراط لم يكن دفاعاً عن الدولة، بل كان استثماراً سياسياً يهدف إلى فرض أمر واقع يجعل من المستحيل تجاوز التنظيم في أيّ تسوية مستقبلية. وتوضح الدراسة أنّ الإسلاميين نجحوا في تقديم أنفسهم كـ" ظهير شعبي وميداني" للجيش، وهو ما أحرج القيادة العسكرية وجعلها رهينة لهذا الدعم الذي يأتي مثقلاً بأجندات إيديولوجية تصادمية ترفض أيّ مسار ديمقراطي مدني.
علي كرتي... العقل المدبر في المناطق الرمادية
تتوقف الدراسة طويلاً عند شخصية" علي كرتي"، الأمين العام للحركة الإسلامية ووزير الخارجية السابق، بصفته المحرك الرئيسي لخيوط اللعبة الإخوانية الحالية. يمثل كرتي، وفقاً لمعهد واشنطن، حلقة الوصل بين المال والتنظيم والسلاح. لقد استطاع كرتي إعادة تجميع شتات النظام القديم، مستفيداً من شبكات المصالح العميقة داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية.
إنّ العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على "كرتي" لم تكن مجرد إجراء رمزي، بل كانت اعترافاً دولياً بخطورة الدور الذي يلعبه في تأجيج الصراع وعرقلة جهود وقف إطلاق النار. وترى الدراسة أنّ كرتي ومجموعته يدركون أنّ وقف الحرب يعني العودة إلى استحقاقات المسار الانتقالي والمحاسبة القانونية، لذا فإنّ مصلحتهم الوجودية تكمن في استمرار القتال، وتحويل الجيش إلى واجهة عسكرية لمشروعهم الإيديولوجي، وهو ما تسميه الدراسة" اختطاف القرار العسكري "لصالح التنظيم الدولي للإخوان.
معضلة البرهان: التحالف مع" الشيطان" للبقاء
تطرح الدراسة تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة موقف الفريق البرهان: هل هو حليف مبدئي للإسلاميين أم أنّه مجرد براغماتي يستخدمهم كأداة للبقاء؟ التحليل الوارد يميل إلى أنّ البرهان وجد نفسه في "زاوية ضيقة" بعد انقلاب تشرين الأول/ أكتوبر 2021، حين فقد الغطاء السياسي المدني والدعم الدولي، ولم يجد أمامه سوى خبرة الإسلاميين التنظيمية وقدرتهم على التعبئة لملء هذا الفراغ.
غير أنّ هذا التحالف، بحسب الدراسة، بات يشكل عبئاً استراتيجياً على البرهان نفسه؛ فالإسلاميون لا يقبلون بدور الشريك الصغير، بل يسعون لاستعادة السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة. وتشدد الدراسة على أنّ استمرار هذا الارتباط يغلق أبواب العودة إلى المجتمع الدولي، ويجعل من الجيش السوداني مؤسسة منبوذة تحت طائلة العقوبات، ما لم يتخذ البرهان خطوات جادة لتطهير المؤسسة العسكرية من عناصر النظام البائد وفك الارتباط مع الميليشيات المؤدلجة.
سلاح العقوبات: الجراحة الدقيقة لفك الارتباط
تقترح دراسة معهد واشنطن استراتيجية تقوم على استخدام العقوبات الذكية والموجهة كأداة لفك الارتباط بين القيادة العسكرية والإسلاميين. وترى الدراسة أنّ العقوبات التقليدية قد تضر بالشعب السوداني، لكنّ العقوبات التي تستهدف الأصول المالية والشبكات التجارية التابعة لقيادات "الكيزان "والمؤسسات التي يسيطرون عليها داخل وخارج السودان يمكن أن تضعف قدرتهم على تمويل العمليات الميدانية وشراء الولاءات.
الهدف من هذه العقوبات، وفقاً للمعهد، هو رفع تكلفة التحالف مع الإسلاميين بالنسبة إلى الجنرالات. عندما يدرك البرهان والدائرة المحيطة به أنّ بقاء الإخوان في المشهد يعني تجميد حساباتهم ومنعهم من السفر وانهيار شبكاتهم الاقتصادية، قد يبدؤون في إعادة حساباتهم الاستراتيجية. إنّ فك الارتباط يتطلب ضغطاً دولياً متواصلاً يجعل من التخلص من نفوذ الإخوان "شرطاً شارطاً "للحصول على أيّ دعم دولي أو اعتراف بأيّ دور للجيش في مستقبل السودان.
التداعيات الإقليمية: السودان منصة لتصدير الأزمات
لا تقتصر خطورة عودة الإخوان في السودان على الداخل فحسب، بل تمتد لتشمل الإقليم بأسره. وتحذر دراسة معهد واشنطن من أنّ تحول السودان إلى ملاذ آمن للإسلاميين الراديكاليين سيهدد أمن الجيران، وعلى رأسهم مصر ودول الخليج. إنّ وجود تنظيم إخواني مسلح يمتلك موارد دولة، حتى وإن كانت دولة محطمة، سيعيد إحياء طموحات" الأممية الإسلامية" التي كانت سائدة في التسعينيات، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة عبر تصدير السلاح والفكر المتطرف.
وتشير الدراسة إلى أنّ القوى الإقليمية تراقب بقلق متزايد تغلغل كتائب الظل الإخوانية داخل الجيش السوداني، وهو ما يعقد جهود الوساطة. فالمفاوضات التي تُجرى في جدة أو غيرها تصطدم دائماً بحائط الصد الذي يضعه الإسلاميون الذين يرون في أيّ اتفاق سلام تهديداً لمكاسبهم الميدانية والسياسية التي تحققت بفضل الحرب.
الخلايا النائمة في مؤسسات الدولة :الدولة العميقة التي لا تموت
من بين أدق النقاط التي تناولتها الدراسة مسألة" الخلايا النائمة" داخل البيروقراطية السودانية. ولا يقتصر وجود الإخوان على الميليشيات، بل يمتد إلى مفاصل وزارة الخارجية، والمالية، والأجهزة الاستخباراتية. وهؤلاء، بحسب الدراسة، يعملون كـ "كوابح" لأيّ محاولة جادة للإصلاح أو فك الارتباط.
وتؤكد الدراسة أنّ إزاحة رأس النظام "البشير" لم تكن كافية، لأنّ "الجهاز العصبي" للدولة السودانية تمّت صياغته على مدار 30 عاماً لخدمة التنظيم؛ لذا فإنّ أيّ استراتيجية دولية لفك الارتباط يجب أن تشمل مساعدة السودانيين على إعادة بناء مؤسسات وطنية مهنية بعيدة عن التمكين الإخواني. وبدون هذه "العملية الجراحية" المؤسسية، سيظل أيّ اتفاق سياسي عرضة للانقلاب عليه من داخل"الدولة العميقة".
استعادة السودان من فك" الأدلجة"
تخلص دراسة معهد واشنطن إلى أنّ الطريق نحو السلام في السودان يمر بالضرورة عبر عزل العنصر الإخواني الذي يقتات على الصراع. إنّ فك الارتباط بين البرهان والإسلاميين ليس مجرد خيار سياسي، بل هو "ضرورة أمنية" لمنع انزلاق البلاد نحو نموذج" الدولة الفاشلة" التي يديرها أمراء حرب بأجندات عابرة للحدود.
إنّ الرسالة الموجهة لصناع القرار في واشنطن والعواصم الكبرى واضحة: يجب ألّا يُسمح للإخوان باختطاف تضحيات الشعب السوداني مجدداً، ولا بدّ من الضغط على القيادة العسكرية لتعود إلى رشدها الوطني، بعيداً عن تحالفات الضرورة مع تنظيم يرى في الدولة مجرد أداة، وفي الحرب مجرد وسيلة للتمكين. السودان اليوم يقف على مفترق طرق؛ إمّا استعادة الدولة الوطنية، وإمّا الاستسلام لـ" ثقب أسود" إخواني سيلتهم الأخضر واليابس في قلب أفريقيا والمنطقة العربية. إنّ فك الارتباط هو الخطوة الأولى والأساسية في رحلة طويلة نحو سودان مدني، ومستقر، وخالٍ من الهيمنة الإيديولوجية.
رابط الدراسة: العقوبات وجماعة الإخوان المسلمين في السودان: فك الارتباط بين البرهان والإسلاميين وإيران

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

