
في خضم السجالات الدائرة حول تغلغل تيارات الإسلام السياسي في البنية المجتمعية الغربية، تبرز الجامعات البريطانية كإحدى أهم ساحات هذا الصراع الصامت. لم تعد المؤسسات الأكاديمية مجرد قاعات للدرس والبحث، بل تحولت في نظر بعض الحركات المؤدلجة إلى "خزانات بشرية" استراتيجية لضخ دماء جديدة في شرايين التنظيمات العابرة للحدود. وفي هذا السياق، يأتي تقرير "Islam on Campus" الصادر عن مركز أبحاث "Henry Jackson Society" ليكشف الستار عن واحدة من أكثر الشبكات تعقيداً في العمل الطلابي الإسلامي في الغرب.
يكشف التقرير عن شبكة معقّدة من الأنشطة والروابط التي تحيط بـ "اتحاد جمعيات الطلبة المسلمين في بريطانيا وإيرلندا" (FOSIS)، متناولًا جذوره التاريخية العميقة، وشراكاته المؤسسية المتشعبة، ومساحات نشاطه الواسعة في الجامعات البريطانية.
ويعرض التقرير جملة من الأدلة والمؤشرات التي تربط FOSIS فكرياً وتنظيمياً ببعض الشخصيات والمنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، مع تسليط الضوء على استضافة متحدثين محسوبين على هذا التيار، وتوزيع منشورات سياسية داخل الحرم الجامعي، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والإعلامية التي باتت تستشعر ثقل هذا النفوذ.
ورغم خطورة ما يطرحه من معطيات، يبقى التقرير، مع ذلك، حريصاً على تأكيد أنّ ما يقدمه هو "مؤشرات ودلائل"، مع دعوة واضحة إلى تعزيز الشفافية والرقابة داخل الجامعات، وهو أسلوب تحليلي يهدف إلى وضع صانع القرار أمام الصورة الكاملة دون الانزلاق إلى اتهامات قانونية قد تفتقر للأدلة الجنائية المباشرة، لكنّها تضج بالقرائن السياسية والفكرية.
الجذور التاريخية والروابط الفكرية المبكرة: هندسة التأسيس
لفهم طبيعة هذا الكيان لا بدّ من العودة إلى البدايات، حيث يقدّم الملف مراجعة تاريخية تعود إلى ستينيات القرن العشرين، تلك الفترة التي شهدت نشاطاً مكثفاً لرموز الإسلام السياسي الهاربين من الملاحقات في الشرق الأوسط.
يشير التقرير إلى أنّ FOSIS تأسس عام 1962، مؤكداً أنّ بعض قياداته المبكرة تأثرت بتيارات إسلامية حركية كانت تسعى لتوطين مشروعها في الغرب. وفي كشف تاريخي لافت تظهر مراسلة من عام 1964 وصفاً لـ "سعيد رمضان"، الشخصية الإخوانية البارزة وصهر مؤسس الجماعة حسن البنا، باعتباره "العقل المدبّر وراء تشكيل FOSIS، وهو ما يضع حجر الأساس لأوّل رابط إيديولوجي مبكر وموثق بين الحركة الطلابية البريطانية وبين جماعة الإخوان المسلمين. هذا التوصيف لا يُعتبر مجرد معلومة أرشيفية، بل هو مفتاح لفهم "الجينات الوراثية" للمنظمة التي نشأت في كنف رعاية إخوانية مباشرة.
ولم يتوقف الأمر عند التأسيس التنظيمي، بل امتد ليشمل البناء العقلي للأعضاء. وينقل التقرير آراء قيادات فكرية مثل ضياء الدين سردار، التي تشير إلى أنّ أعضاء FOSIS آنذاك تأثروا بفكر الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية الباكستانية (بقيادة أبو الأعلى المودودي)، عبر رؤية للصراع بين "الإسلام" و"العلمانية". وهو ما اعتبره التقرير مفتاحاً لفهم المزاج السياسي والدعوي داخل بعض فروع الاتحاد، حيث تم تأطير الهوية الطلابية لا باعتبارها حالة أكاديمية، بل كحالة "مفاصلة" شعورية مع المجتمع الغربي العلماني، ممّا يسهل عملية التجنيد الفكري لاحقاً.
نشاطات FOSIS في الجامعات: خدمة طلابية أم منصة سياسية؟
تتجلى استراتيجية "التغلغل الناعم" في طبيعة الأنشطة التي يمارسها الاتحاد. ويظهر التقرير أنّ (FOSIS) يلعب دوراً واسعاً وحيوياً داخل الحرم الجامعي، من خلال تقديم الدعم الإداري والاستشاري للجمعيات الإسلامية (ISOCs)، وتنظيم مؤتمرات سنوية ضخمة، وورش عمل، ونشر مواد تعليمية ودعوية. ويشرف على مشاريع تدريبية تبدو مهنية مثل (College Link Project) وبرامج متابعة الأنشطة الطلابية الإسلامية. هذه الواجهة الخدمية تمنح الاتحاد "الشرعية" و"المقبولية" لدى إدارات الجامعات والطلاب الجدد على حد سواء.
لكنّ الملف يبرز في المقابل جانباً آخر يثير الريبة، يتمثل في توظيف هذه المنصات لأغراض تتجاوز العمل الطلابي؛ حيث يتم رصد استضافة متحدثين سياسيين معروفين بمواقف داعمة للإخوان أو لحركات متحالفة، مثل عزام التميمي الذي يُعرف بخطابه الحاد والمدافع عن حركات الإسلام السياسي. وإلى جانب المنابر الخطابية يتم استخدام الأدوات الورقية للتعبئة، وقد أشار التقرير إلى توزيع منشورات ذات محتوى سياسي حاد حول فلسطين والعراق وكشمير، ومصدرها في الغالب جمعية أصدقاء الأقصى (Friends of Al-Aqsa) الموالية لحماس.
بالإضافة إلى ذلك، تكشف الوثائق عن وجود شراكات مؤسسية رسمية مع منظمات تُصنَّف في الأدبيات البريطانية على أنّها قريبة من جماعة الإخوان، وفي مقدمتها الرابطة الإسلامية في بريطانيا (MAB) والمجلس الإسلامي البريطاني (MCB)، وهو ما يعزز الصورة حول امتداد الشبكات الإخوانية داخل البنى التنظيمية للمؤسسات الإسلامية في أوروبا.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا التداخل البنيوي بين النشاط الطلابي والخطاب السياسي ليس أمراً عابراً ولا يمكن التعاطي معه باعتباره مجرد مصادفة؛ فوجود أفراد ومنظمات ذات توجه حركي واضح داخل شبكات (FOSIS) يعكس طبيعة المنظمة نفسها. وتُظهر الوثيقة أنّها لا تعمل ككيان خدمي أو تمثيلي فقط، كما يُروَّج لها، بل تقوم بوظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة واجهة دينية وثقافية جاذبة للطلاب، ومن جهة أخرى منصة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والإيديولوجي للإخوان داخل البيئة الجامعية، بما ينسجم مع أهداف التنظيم الأعمق واستراتيجياته طويلة المدى.
شبكة الروابط ومخاوف الرقابة الجامعية
العمل في "المنطقة الرمادية" هو السمة الأبرز لهذه التحركات. وعلى الرغم من عدم وجود أدلة جنائية أو اتهامات قانونية مباشرة تستدعي التدخل الأمني الفوري، إلا أنّ السياق العام، الذي يشمل التاريخ، والشراكات، والمتحدثين، والمواد الموزعة، يخلق حزاماً من المؤشرات القوية حول وجود تأثير تنظيمي وفكري يقترب من بنية الإخوان في أوروبا، ويعمل وفق آلياتها في التمكين المجتمعي.
ويذكر التقرير أنّ هذه الأنشطة المرتبطة بـ (FOSIS) أثارت اهتماماً واسعاً في الإعلام البريطاني ومراكز الأبحاث التي تعنى برصد التطرف. وتتمثل أبرز المخاوف التي طرحها المراقبون في إمكانية استخدام الحرم الجامعي كمنصة لنشر خطاب حركي قد يتجاوز حدود العمل الطلابي التقليدي، ليتحول إلى بؤرة للتعبئة الإيديولوجية. يضاف إلى ذلك غياب شفافية التمويل والشراكات الخارجية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مصادر التأثير ومن يمول هذه الفعاليات الكبرى. ويسلط الضوء أيضاً على ضعف الرقابة على نشاطات المتحدثين والمواد الموزعة، رغم أنّ الجامعات نظرياً تلزم الجمعيات بمعايير صارمة، إلا أنّ التطبيق العملي يشهد ثغرات تنفذ منها هذه الأجندات.
منهجية الرصد
من الجدير بالذكر أنّ التقرير لا يعتمد على فرضيات مسبقة أو انطباعات عامة؛ بل يعتمد منهجية استقرائية تقوم على تراكم جزئيات صغيرة: تصريحات لقادة، ومنشورات ورقية، وأسماء متكررة، ومراسلات تاريخية، وصور نشاط ميداني. وعند جمع هذه الأجزاء المتناثرة مع بعضها البعض، تشكّل لوحة واسعة توحي بأنّ FOSIS يتحرك داخل فضاء متقاطع تماماً مع شبكة الإخوان العالمية، ويعمل كترس في آلة أكبر.
وفي الختام، يستخلص التقرير أنّ (FOSIS) يقف في نقطة تماس حرجة بين النشاط الطلابي المشروع والدعوة السياسية الحركية، وأنّ تأثيرات الإخوان المسلمين، تاريخياً وفكرياً وتنظيمياً، تظهر عبر شواهد متعددة لا يمكن إهمالها. ومع ذلك، تبقى هذه الشواهد في خانة "الدلائل والمخاطر" وليس الإدانة القضائية، وهو ما يستلزم، بحسب التقرير، تعزيز الرقابة والشفافية داخل الجامعات البريطانية وفي صفوف الجمعيات الإسلامية الطلابية لضمان عدم اختطاف الصوت الطلابي لصالح أجندات فئوية.
وبينما يواصل (FOSIS) نفي أيّ صلة حركية، متمسكاً بخطابه المعتاد عن الاستقلالية وخدمة الطلاب، يظلّ فهم هذه الشبكة وتفكيك خيوطها أمراً ضرورياً لصياغة سياسات جامعية متوازنة تحمي حرية التعبير من جهة، وتمنع استغلال المؤسسات التعليمية لخدمة مشاريع إيديولوجية عابرة للحدود من جهة أخرى.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

