أمِن أجل الذهب أراد ساركوزي إطاحة القذافي؟

أمِن أجل الذهب أراد ساركوزي إطاحة القذافي؟

مشاهدة

20/10/2020

مع الذكرى التاسعة لمقتل العقيد الليبي معمّر القذافي، التي تحل، اليوم، 20 تشرين الأول (أكتوبر)، يتجدد الحديث عن التدخل الأجنبي في ليبيا. وفي ظل الزخم الإعلامي الكبير الذي تحظى به رسائل البريد الإلكتروني الخاص، بالسياسية الأمريكية والمرشحة السابقة هيلاري كلينتون، يطل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الذي تمّ استدعاؤه، قبل عامين بتهمة تمويل حملته الإنتخابية من أموال الرئيس الليبي الراحل.

اقرأ أيضاً: لماذا كان الإباضيون معارضين شرسين للقذافي؟

 وبالرغم من اللبس الكبير الذي حدث لاحقاً في هذه القضية، فإنّ البريد الإلكتروني للسياسية الأمريكية هيلاري كلينتون، الذي تمّ نشر رسائله علناً، يكشف عن إسراع ساركوزي، لإطاحة القذافي، الذي جمعته صداقة وطيدة بالعقيد، وصلت إلى نصبه خيمة بدوية أمام قصر الشانزليزيه.

الغدر غير المتوقع

تم توجيه الاتهام إلى نيكولا ساركوزي في 21 آذار (مارس) 2018، وتمّ وضعه قيد المراقبة القضائية، بعد قرابة 27 ساعة في حجز الشرطة، للاشتباه في تمويل لحملته الرئاسية لعام 2007، من أموال الرئيس الليبي الراحل.

بدأت قصة علاقة ساركوزي مع القذافي عام 2003

 كانت البداية لهذه القضية في عام 2017، حين شرع القاضيان "سيرج تورنيير" و"أودي بورسي"، في متابعة الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي، الذي كان وزيراً سابقاً للداخلية، وله سجل ملطخ بالعنف، ومن خلال إعادة بناء الشهادات التي جمعها المحققون، والتي شملت تسجيلات لمكالمات هاتفية، تمّ تسريب مقاطع منها لصحيفتي "لوموند" و "ميديا بارت"، في فرنسا. كشفت هذه التسجيلات عن وفاة العديد من الشهود في هذه القضية، في ظروف غامضة وغريبة، وفي نيسان (أبريل) من العام 2012، كانت الجولة الانتخابية بين ساركوزي، والمرشح الاشتراكي فرانسوا أولوند، ثمّ نشر موقع ميديابارت الفرنسي، وثيقة منسوبة إلى المخابرات الليبية، توضح أنّ العقيد القذافي قد سلّم إلى ساركوزي مبلغ 50 مليون يورو، عام 2007، خلال حملته الانتخابية.  

نشرت صحيفة "لوموند"، مقالاً ذكرت فيه أنّ تدخل ساركوزي في ليبيا، كان مدفوعاً "بقرار الديكتاتور الليبي، بإنشاء عملة موحدّة تتنافس مع فرنك الاتحاد المالي الأفريقي"

 بدأت قصة علاقة ساركوزي مع القذافي عام 2003، عندما رفعت الأمم المتحدة العقوبات القاسية التي فرضت على ليبيا في أعقاب تفجير لوكربي، وبعد انتهاء العقوبات، سعى القذافي إلى تعزيز صورة أفضل وأكثر شرعية في الدوائر الغربية، حيث وجد القذافي فرصة لتبادل المنافع مع الغرب، وبشكل خاص وجد ضالته في شركات النفط والغاز البريطانية، وكذلك العلاقات التي جمعته مع رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير، الذي رأى إمكانات تجارية مربحة في ليبيا.

اقرأ أيضاً: معارض القذافي الذي احترف الإرهاب ونشره في أفريقيا

 وبحسب مقال نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية عام 2012، تبيّن أنّ هناك تعاوناً جرى على مستوى مخابراتي بين وكالات التجسس الليبية، والمخابرات البريطانية، تحت مظلة الحرب على الإرهاب، في نفس الوقت الذي بدأت فيه فرنسا بتوطيد علاقتها بالقذافي، وبناء جسور لعلاقات تجارية واستخباراتية وثيقة مع ليبيا، أحد أكثر دول العالم ثراءً بالبترول، وفي عام 2006، اشترى القذافي نظام مراقبة من شركة I2E الفرنسية، والتي كانت تربطها علاقات وثيقة بالرئيس ساركوزي، وكان حينها وزيراً للداخلية، وبعد أنّ تمّ انتخابه رئيساً، استقبل الرئيس الفرنسي، نظيره الليبي في باريس، في أول زيارة له منذ أكثر من 30 عاماً.

 تحالفات الفاسدين

خلال هذه الزيارة التاريخية، قال القذافي إنّ ليبيا ستشتري بمبلغ 5.86 مليار دولار، من المعدات العسكرية الفرنسية، بما في ذلك 14 طائرة مقاتلة من طراز رافال، من صنع شركة داسو للطيران، وفي مقال كتبه الصحفي الفرنسي المتخصص في الكتابة عن صفقات الأسلحة، في الدورية الأسبوعية الفرنسية "لا تريبيون"، ميشيل كابيرول، أوضح أنّ المبيعات العسكرية حافظت على العلاقات بين البلدين لمدة 20 عاماً، بالنسبة لساركوزي، كان من المهم بيع رافال لأنه لم يقم أحد ببيعها إلى دولة أجنبية. في حالة ليبيا، كان ذلك أحد تحدياته الشخصية في ذلك الوقت، حيث كتب  كابيرول، أن المفاوضات كانت لا تزال جارية في تموز (يوليو) 2010، لكنّ ساركوزي لم يكمل بيع رافال إلى القذافي، بعد أن ظهرت كشوف الموازنة، حول المدفوعات الليبية لساركوزي، في آذار (مارس) 2011، عندما كان شبح تدخل وشيك لحلف شمال الأطلسي يلوح في الأفق.

اشترى القذافي نظام مراقبة من شركة I2E الفرنسية والتي كانت تربطها علاقات وثيقة بالرئيس ساركوزي

 أكد القذافي أنّه دفع مبالغ طائلة، لحملة ساركوزي في مقابلته الأخيرة، قبل يومين من إسقاط أول قنابل الناتو، على ليبيا، وقدم نجله سيف الإسلام القذافي، ادعاءات مماثلة بعد ذلك بوقت قصير،  وفي عام 2012، نشر ميديابارت وثيقة ليبية موقعة من قبل رئيس المخابرات في عهد معمر القذافي، موسى كوسا، ذكر فيها أنّ 50 مليون يورو ذهبت لدعم حملة ساركوزي، والتي وجدت السلطات الفرنسية لاحقًا أنها أصلية.

اقرأ أيضاً: هل عودة سيف القذافي لحكم ليبيا خيار موسكو؟

السجال عاد إلى الواجهة من جديد، بعد نشر وزارة الخارجية الأمريكية رسائل بريد إلكتروني من وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، حيث قرر زعيم جبهة النضال الوطني الليبي وابن عم معمر القذافي، أحمد قذاف الدم، مقاضاة كلينتون، بتهمة تخريب ليبيا ونشر الإرهاب فيها، وبدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية في 13 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

اقرأ أيضاً: إياد غالي: ثائر يساري صادقَ القذافي وتحالف مع القاعدة

 وذكر قذاف الدم، في تصريح لوكالة "سبوتنيك" الروسية أنّه "زود فريق المحامين بوثائق أخرى لم تنشرها وزارة الخارجية لتقديم هيلاري كلينتون للعدالة، وأنّه كلف فريقه القانوني ببدء الإجراءات أمام المحاكم الأمريكية"، حيث بدأ الحديث عن قصة البريد، في عام 2015، حين ذكرت صحيفة "نيويورك" تايمز أنّ هيلاري كلينتون، استخدمت عنوان بريد إلكتروني شخصياً، لطلب واستلام معلومات سرية، وقالت الصحيفة إنّ كلينتون لم تنشئ عنواناً آخر، على خادم وزارة الخارجية، خلال سنوات خدمتها الأربع.

فرنسا تعبث بمصير ليبيا

في آذار (مارس) 2011، أطلق تحالف دولي بتحريض فرنسي، وقيادة حلف الناتو عملية عسكرية في ليبيا انتهت بإطاحة حكومة معمر القذافي، التي حكمت ليبيا لأكثر من 40 عاماً، ومنذ ذلك الحين انزلقت ليبيا في حرب أهلية أدت إلى انقسام البلاد إلى معسكرين متنافسين.  ووفقاً لرسالة بريد إلكتروني إلى هيلاري كلينتون، نشرت "لوموند"، مقالاً في كانون الثاني (يناير) 2016، ذكرت فيه أنّ تدخل ساركوزي في ليبيا، كان مدفوعاً "بقرار الديكتاتور الليبي، بإنشاء عملة موحدّة تتنافس مع فرنك الاتحاد المالي الأفريقي".

اقرأ أيضاً: على وقع القذائف في طرابلس.. ملايين القذافي المخفية تظهر، ولكن أين؟

ويرى الصحفي الفرنسي المستقل، وعضو حركة فرنسا الأبيّة، ميشيل فرانسوا، أنّ المعلومات التي وردت في رسائل كلينتون، يعرفها كل مطلع جيد على السياسة الفرنسية، تجاه أفريقيا، خاصة في عهد اليميني ساركوزي،  لكنها ما زالت حتى الآن مثيرة للجدل، وتثير شكوكاً عميقة عن السبب الخفي في قرار ساركوزي بالتدخل عسكرياً ضد نظام القذافي، وهل هي معاقبة الديكتاتور الليبي على خطته لإطلاق عملة أفريقية، والتي تهدد النفوذ الفرنسي، أمّ أنّ هناك أسباباً أخرى ربما لم تجب عنها رسائل كلينتون بعد.

على الأرجح أنّ الذهب والفضة كانا مطمع ساركوزي، أملاً في فترة رئاسية جديدة، لم يحصل عليها

ويتابع فرانسوا في تصريح لـ"حفريات" أنّ "الرسالة المؤرخة بتاريخ الأول من نيسان (أبريل) 2011، أي بعد بدأ ضرب الناتو في ليبيا، تشير إلى مخزون من الذهب يبلغ (143 طناً) من الذهب، ومثلهم من الفضّة، جمعها العقيد الراحل لمشروع عملته، لكن في نهاية آذار (مارس) تمّ شحن هذه الكميات من الذهب والفضة إلى الجنوب الغربي للبلاد. والذي يضيف شكوكاً للأمر هو الحديث عن أنّ المخابرات الفرنسية اكتشفت وجود هذا المخطط، بعد وقت قصير من بداية التمرد الشعبي في ليبيا، وعلى الأرجح أنّ الذهب والفضة كانا مطمع ساركوزي، أملاً في فترة رئاسية جديدة، لم يحصل عليها، كما أنّه رغب في إعادة فرض هيمنته الفرنسية على شمال أفريقيا، ووجدّ أنّ ليبيا ستكون الفرصة الأفضل لهذه الهيمنة، نظراً لثرائها البترولي".

اقرأ أيضاً: "من أنتم": من القذافي إلى أردوغان!

وعطفاً على الشكوك المحاطة برسائل كلينتون، يرد الدبلوماسي السابق بالسفارة الفرنسية في ليبيا، بين عامي (2001 / 2004)، ومؤلف كتاب (في قلب ليبيا القذافي)، باتريك حيم زاده،  لصحيفة "لوموند"، بأن قرار ساركوزي بالتدخل اتخذ في 21 شباط (فبراير)، أي بعد أربعة أيام من بدء الانتفاضة، وبالتالي لم ينتظر الكشف المزعوم عن العملة الموحدة، لكنّ دافعه المركزي كان إعادة فرنسا إلى قيادة الشعوب العربية، بعد إخفاقات وزيرة الخارجية الفرنسية، ميشيل أليو ماري في تونس، خلال انتفاضة الشعب التونسي ضد الرئيس المخلوع بن علي.

الصفحة الرئيسية