ألغام في طريق رئيس الوزراء العراقي: ماذا تريد إيران من الكاظمي؟

ألغام في طريق رئيس الوزراء العراقي: ماذا تريد إيران من الكاظمي؟


03/07/2022

لم تمر المعلومات التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، بشأن اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، مطلع العام 2020، مرور الكرام؛ إذ إنّ القوى السياسية والمسلحة، المدعومة من إيران، والتي تواجه معضلة وجودية بعد هزيمتها الانتخابية، عمدت إلى استغلال تلك التصريحات وتوظيفها داخل البيئة المتوترة التي تقع تحت وطأة الانسداد السياسي وفشل تشكيل الحكومة.

الكاظمي في مرمى النيران

وفيما يبدو أنّ التفاصيل التي ذكرها (بومبيو) كانت فرصة للتنظيمات الولائية لتجديد الهجوم على رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، والاستفادة القصوى من التصعيد ضدّه في ظلّ حالة الاستقطاب القائمة، مع الوضع في الاعتبار أنّ الكاظمي سبق أن تعرّض لاتهامات مماثلة، تتّصل بضلوعه في عملية اغتيال القيادي بالحرس الثوري الإيراني، وذلك عندما كان يتولى منصب رئيس جهاز الاستخبارات العراقي، وتمرير معلومات للإدارة الأمريكية السابقة عن موعد وصول سليماني وأبي مهدي المهندس لمطار بغداد، والأخير هو رئيس هيئة الحشد الشعبي.

التفاصيل التي ذكرها وزير الخارجية الأمريكي السابق لم تحمل شبهة إدانة للكاظمي، والذي يقع في دائرة الاتهام، منذ اللحظة الأولى، لدى التنظيمات المدعومة من إيران، غير أنّ السياق السياسي والإقليمي المحتدم يجعل من تلك التصريحات أهميتها وضرورتها، على مستوى دورها الوظيفي الملح، في عملية التعبئة والشحن، السياسي والأيديولوجي، ثم إيجاد فرصة لتعويض الهزيمة الانتخابية والعبور من محنة الإخفاق السياسي، وتآكل الشرعية، وفقدان الحاضنة المجتمعية، تحديداً داخل البيت الشيعي.

عادل الخزاعي: القوى السياسية الشيعية (الإطار التنسيقي) الموالية لإيران، ترى أنّ أيّ رئيس وزراء عراقي يخالف توجهاتها

ووفق بومبيو؛ فإنّ اغتيال سليماني كان قراراً أمريكياً لا يمكن التراجع عنه، رغم التحذيرات العديدة من تبعات ذلك. وقال لـ "العربية"، التي انفردت باللقاء مع المسؤول الأمريكي؛ إنّ الإدارة الأمريكية كانت "تلقت تحذيرات من مغبة مقتل سليماني، وما سيؤدي ذلك من حرب، وهي نفسها التحذيرات التي وصلتها حين قررت الانسحاب من الاتفاق النووي، وأيضاً عندما قررت نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس".

وأوضح بومبيو؛ أنّ اغتيال سليماني كان يهدف إلى "حماية الشعب الأمريكي، وذلك لأنّه كان منخرطاً في مخطط يهدف لقتل 500 من مواطني الولايات المتحدة". كما لفت إلى أنّ واشنطن "عملت على حماية أصولها في العراق ومواطنيها، في سوريا وفي أرجاء العالم كافة، ولهذا راقبت تحركات فيلق القدس. وبعد المراقبة، قررت استهداف سليماني بعد أن علمت أنّه يحضّر لهجوم وشيك سيضرّ بموارد وأصول ومواطنين أمريكيين".

أهداف إيرانية لاختراق الاستخبارات العراقية

وفي حديثه لـ "حفريات"، يقول الناطق بلسان المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي؛ إنّ القوى السياسية الشيعية (الإطار التنسيقي) الموالية لإيران، ترى أنّ أيّ رئيس وزراء عراقي يخالف توجهاتها، أو أيّ مسؤول أمني وحكومي، يقف على النقيض من أهدافها وسياساتها، فهو بالتبعية له "ارتباطات ومصالح أمريكية إسرائيلية"، بينما يتمّ اتهامه بأنّه عدو لـ "محور المقاومة والممانعة".

التفاصيل التي ذكرها وزير الخارجية الأمريكي السابق لم تحمل شبهة إدانة للكاظمي، والذي يقع في دائرة الاتهام، منذ اللحظة الأولى، لدى التنظيمات المدعومة من إيران

ويشير الخزاعي إلى أنّ الكاظمي تمّ اتهامه، على نحو مباشر، بالوقوف وراء عملية اغتيال القيادي في الحرس الثوري الإيراني، وذلك منذ كان مديراً للمخابرات العراقية وقبل تسلمه رئاسة الوزراء. ويتابع: "هذا الاتهام هو محاولة لخلط الأوراق من قبل إيران والأحزاب الموالية لها في العراق، كون إيران فقدت أقوى القيادات لها، في بغداد، في هذه الضربة المؤثرة".

والجانب الآخر من الاتهام، يعكس رغبة محمومة للضغط على الحكومة والأطراف المختلفة بالعراق في ظل الانسداد السياسي، حسبما يوضح الناطق بلسان المرصد العراقي للحقوق والحريات، موضحاً أنّ الضغط الإيراني على الكاظمي لا يتوقف عند "تمرير مشاريع سياسية للأحزاب الولائية بالعراق، خاصة في هذه الفترة".

وبينما عمدت وسائل الإعلام والمنصات القريبة من التنظيمات المدعومة من إيران إلى تنفيذ حملة "ممنهجة" ضدّ الكاظمي، فإنّ القيادي في "كتائب حزب الله" العراقي، أبو علي العسكري، سبق أن توعّد الكاظمي بالثأر والانتقام منه. وغرّد العسكري على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر": "لن يكون عيدنا في هذا المقطع الزمني عيداً إلا بأخذ الثأر الذي يليق حجماً ومضموناً، من قتلة الشهيدين سليماني والمهندس، وشهداء مدينة القائم". وأردف: "نكرر ما قلناه حينها من أنّ المشاركين المحليين، ابتداء من (كاظمي الغدر) إلى أدنى الرتب التي ساهمت في تسهيل هذه الجرائم التاريخية، لن يفلتوا من العقاب مهما كان الثمن وطال الزمن".

منع العراق من الانفتاح

مطلع الأسبوع قبل الماضي، شرعت قناة "صابرين نيوز"، القريبة من الميليشيات الإيرانية، في نشر أسماء وصور لعدد من الضباط والمسؤولين في جهاز الاستخبارات العراقية، على اعتبارهم مسؤولون عن عملية اغتيال سليماني والمهندس.

ميار شحادة: جهاز الاستخبارات العراقية هو الجهاز الوحيد الذي لا تسيطر عليه إيران، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة

وبالتزامن مع هذه الحملة الإعلامية، قال عضو تحالف "الفتح"، الذراع السياسية للحشد الشعبي، رفيق الصالحي؛ إنّ "تحالف الفتح تحرّك من أجل فتح تحقيق نيابي عبر اللجان المختصة لمحاسبة أيّ متورط ومتخابر مع السفارة الأمريكية وتقديمه للعدالة". وتابع: "التحقيق سيشمل استضافة واستدعاء كبار القادة الأمنيين العراقيين لمعرفة ملابسات الحادث، وما جرى بالفعل، وحجم التوغل الأمريكي في الأجهزة الأمنية العراقية وتعاونها في الجريمة".

وإلى ذلك، قال المحلل السياسي، ميار شحادة؛ إنّ جهاز الاستخبارات العراقية هو الجهاز الوحيد الذي لا تسيطر عليه إيران، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، موضحاً أنّ "إيران سعت، منذ عام 2003، قدر ما استطاعت إلى أن تحوّل العراق إلى إيران مصغرة، وكانت في حاجة ماسّة لوضع جهاز الاستخبارات العراقية في تبعية لنظام الحرس الثوري في الجمهورية الإسلامية".

المحلل السياسي ميار شحادة لـ "حفريات": إيران سعت، منذ عام 2003، إلى تحويل العراق إلى إيران مصغرة، وكانت في حاجة ماسّة لوضع جهاز الاستخبارات العراقية في تبعية لطهران

والكاظمي، نوعاً ما، نجح في منع وتفادي حدوث ذلك، وفق شحادة في حديثه لـ "حفريات"، خاصة في ظلّ ارتباطات قوية مع دول إقليمية ودولية، منها مصر والأردن، فضلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويتابع: "تحتاج واشنطن لهذا الجهاز الأمني الاستخباري كثيراً للمحافظة على ورقة مساومة لإيران داخل العراق. وهذا التوازن لا يروق لصنّاع القرار بإيران؛ لأنّ جهاز الاستخبارات يعيق أعمال داخلية تريد طهران تمريرها دون أن يدري أحد بها".

وعليه؛ فإنّ الهجوم على الكاظمي لم يكن بسبب ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي السابق، حسبما يوضح المصدر ذاته. بيد أنّ الأهداف المباشرة تتمثل في الضغط على الكاظمي لتعيين قائد جديد للاستخبارات، وهو المنصب الشاعر حتى اللحظة، وأن يكون المنصب بحوزة شخصية تحقق مصالح إيران وأغراضها، السياسية والإقليمية والأمنية، ومنها منع الشراكة الإقليمية بين العراق ومحيطه العربي، وكذا تنفيذ خطط ومشاريع الربط الكهربائي والمياه وغيرهما، بالإضافة إلى أنّ ايران تستهدف التحكّم بالمعلومات الاستخبارية والأمنية المقدمة من وإلى العراق.

ويلفت شحادة إلى أنّ بغداد كانت ساحة التنفيذ، فقط؛ حيث إنّ الإدارة الأمريكية تتبعت حركة سليماني من لبنان مروراً بسوريا حتى وصوله إلى مطار بغداد، ومن ثم، فإنّ طبيعة الاستهداف تؤشر على احتمالية أن تكون التسريبات، في حال لو تمت، من خارج بغداد وبدأت من أطراف ميليشياوية.

مواضيع ذات صلة:

الصدر والمشروع الايراني في العراق

العراق.. من البرلمان إلى الشارع

بعد خطوة "الاستقالة".. هل يحرك الصدر الشارع العراقي؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية