أطفال لبنان يتهددهم الجوع.. هل تضيع المسؤولية كالعادة؟

أطفال لبنان يتهددهم الجوع.. هل تضيع المسؤولية كالعادة؟

مشاهدة

15/07/2021

كتبت رشا الأطرش على موقع المدن: "لماذا لا يشوونها تلك البطاطا اللعينة؟!".. السؤال الاستنكاري لأحد الأصدقاء خلال محادثة في "واتساب" حول فيديوهات التهافت على عبوات الزيت في المتاجر. بدا التساؤل، على بساطته، وجيهاً، وجاهة المزحة السوداء لولا أنّ القصة صارت أكثر تعقيداً بكثير من مظاهر الفقر والجوع في وادي الأزمات اللبنانية البلا قعر. والمدعوم من السلع الغذائية، صار أكثر من لزوم بقاء، يتدافع في سبيله اللبنانيون، وبعضهم يشهر مسدساً، والبعض الآخر لا يدّخر قبضة الملاكم.

الأرجح ألا تقوم، في المدى المنظور في لبنان، انتفاضة جياع حقيقية. فمقوماتها المُجدية، أو ما يؤهلها لإحراز أي نتائج والمراكمة عليها، لا يتوافر منه الآن إلا الهوان والغضب. الشحّ يطاول عمق المأساة نفسها. لكننا سنرى النسخة المنظّمة منها. سنرى عنف الجوع، قتلاه بالرصاص والعصي ودَوس الأقدام. سنرى غاضبيه، لصوصه، بلطجيته، وهؤلاء سيصبحون فئة بذاتها، غير مُرتزقة الأحزاب وبلطجية المصارف. سنرى المتنافسين في حلبة الجوع للفوز بالجائزة اللحظية، ما تيسّر من السلع الغذائية أو الاستهلاكية بسعر مدعوم، وربما إعاشات مجانية تتصدّق علينا بها هذه الدولة أو تلك. لقد بدأ اللاعبون فعلاً بسرقة أغطية الصرف الصحي، لبيعها في سوق الخردة. ثم تُستكمل الألعاب حالما تنفد الغنائم.

 

كشف تقرير أعدته منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة أنّ ما يزيد عن 30 بالمئة من الأطفال في لبنان يأوون إلى فراشهم ببطون خاوية

 

هذا عن الفقر العام والجوع العام، ولكن ماذا عن جوع الأطفال على الخصوص، وماذا عن جوع الرضع على وجه أخص، لأن اختفاء حليب الأطفال وأدويتهم لا يهدد أطفال الفقراء فقط، بل يهدد جميع الأطفال؟.

كشف تقرير أعدته منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة أن ما يزيد عن 30 بالمئة من الأطفال في لبنان يأوون إلى فراشهم ببطون خاوية، لعدم حصولهم على ما يكفي من الطعام. إضافة إلى أنّ 77 بالمائة من الأسر لا تملك ما يكفي من غذاء أو من مال لشرائه، وترتفع هذه النسبة بين الأسر السورية إلى 99 بالمائة. كما أنّ 60 بالمئة من الأسر تضطر إلى شراء الطعام عن طريق الائتمان ومراكمة الفواتير غير المدفوعة أو من خلال الاقتراض والاستدانة، و30 بالمئة من الأطفال في لبنان لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية التي يحتاجون إليه. ولفت البحث إلى أنّ 40 بالمئة من الأطفال ينتمون إلى أسر لا يعمل فيها أحد، و77 بالمئة من تلك الأسر لا تتلقى مساعدة اجتماعية من أي جهة، كما أنّ 15 بالمئة من إجمالي الأسر في لبنان توقفت عن تعليم أطفالها.

اقرأ أيضاً: هل تنهض حكومة الحريري بلبنان وتوقف الانهيار؟

كما أشار التقرير إلى أنّ 80 بالمائة من مقدمي الرعاية يتحدثون عن مواجهة الأطفال صعوبات في التركيز على دراستهم في المنزل إما بسبب الجوع أو نتيجة الاضطراب النفسي.

أطفال لبنان الجائعون والذين أودت بهم حركة الفساد المتسارعة إلى مصير أترابهم الجائعين يسلمون على أطفال سوريا، ويسألون عن أحوالهم، ففي تقرير نشرته العام الماضي، قالت منظمة أنقذوا الأطفال  (Save the children)، وهي منظمة بريطانية غير حكومية معنية بالدفاع عن حقوق الأطفال حول العالم: "إن 700 ألف طفل سوري انضمّوا لقائمة الأطفال الذين يواجهون الجوع بسبب تضرّر الاقتصاد السوري، والقيود المفروضة على خلفية تفشّي فيروس "كورونا"، ليرتفع عدد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي في سوريا إلى 4.6 مليون طفل".

 

انضم 700 ألف طفل سوري لقائمة الأطفال الذين يواجهون الجوع بسبب تضرّر الاقتصاد السوري، والقيود المفروضة على خلفية تفشّي فيروس كورونا

 

إلى ذلك، ندد نقيب الصيادلة اللبناني، غسان الأمين، في بيان أصدره بسبب اختفاء الأدوية وحليب الأطفال من الصيدليات ندد بالمسؤولين اللبنانيين الذين لا يأبهون بحياة مواطنيهم ومواطناتهم وحياة أطفالهم/ـن، وأشار إلى أنّ اختفاء حليب الأطفال وأدويتهم جريمة لا يمكن السكوت عليها.

لا نريد أن نتحدث عن مستقبل المجتمع اللبناني أو السوري، فالمستقبل هو ممكنات الحاضر؛ نريد أن نتحدث عن مستقبل هؤلاء الذي يأوون إلى فراشهم أو أسرّتهم وبطونهم خاوية، هؤلاء الذي ينخر الجوع عظامهم، ويتلف أدمغتهم، ويجفف أجسادهم الغضة من الحياة، وعن الذين يبحثون عما يُقيتهم في الحاويات، والذين يجولون في الأسواق باعةً ومتسولين، والذين تتلقفهم العصابات وتستغلهم أو تتاجر بهم. هذا الجوع الذي يتفشى ويتضاعف، وتصعب السيطرة على نتائجه وآثاره، ليس بسبب كوارث طبيعية أو ضغوط خارجية، كما تدعي الحكومات، بل هو نتيجة سيطرة المافيات والميليشيات، التي لم تترك مرفقاً في البلاد إلا نهبته، ولم تترك مصدراً من مصادر الثروة إلا وضعت يدها عليه.

اقرأ أيضاً: نكبة لبنان بين الأقلمة والتدويل

يبدو أننا صرنا بحاجة إلى معايير جديدة لشرعية السلطات الحاكمة في البلدان العربية، وخاصة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا حيث الحكومات، التي تدعي الشرعية والوطنية والمقاومة والممانعة وتتاجر بالدين متواطئة مع الميليشيات والعصابات وأمراء الحرب وتجار الأزمات و"رأسمالية المحاسيب"، وتجار المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية وتجار الجنس، والتي لطول ألفتها لهؤلاء السادة والسيدات الجدد صارت الحكومات مثلهم، تفكر بطريقتهم وتعمل بطريقتهم وتحكم بطريقتهم. وأول هذه المعايير وأهمها هو حماية الأطفال من الفقر والجوع والمرض والتشرد.

صحيح أنّ الفقر هو الفقر والجوع هو الجوع يصيبان الكبار والصغار، ولكن تجويع الأطفال وإمراضهم وتشريدهم وتعريضهم للمخاطر، بل مجرد التغاضي عن جوعهم ومرضهم وتشردهم وتعرضهم للاستغلال جريمة/ جرائم تكشف عن القاع العفن للمجتمعات الأبوية (البطريركية) التي تحتقر النساء والأطفال وتشمئز من الأنوثة والطفولة، فإنها حين تريد تعييب أي شخص تصفه بالأنثى أو الحرمة أو الولد أو الطفل: هذا حرمة أو "حريمة" حتى، وهذا ولد وهذا طفل... ليس هنالك ما هو أكثر دلالة على القيعان المظلمة لهذه المجتمعات من موقفها من النساء والأطفال. تتساوى في هذا النخب السياسية الحاكمة والمعارضة، إلا من رحم ربك.

 

يبدو أننا صرنا بحاجة إلى معايير جديدة لشرعية السلطات الحاكمة في البلدان العربية وخاصة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا

 

لو اقتربنا قليلاً من بنى هذه المجتمعات، لوجدناها منقسمة إلى طبقتين اثنتين لا ثالثة بينهما أو بعدهما؛ طبقة الأغنياء، التي اغتنت من نهب الموارد الوطنية وقوة عمل المجتمع، وطبقة الفقراء، الذين يزداد فقرهم يوماً بعد يوم.

أما الطبقة الوسطى التي ألحق الفساد والحرب جزءاً منها بالطبقة الفقيرة، والجزء الآخر امتطى موجة الفساد والتحق بالطبقة الغنية، بل تجاوزها ببضعة أمتار، وهؤلاء يُطلق عليهم اسم "تجار الأزمة"، فهم الذين يفتعلون الأزمات، وأهمها الأزمة الاقتصادية، وهم أيضاً يقومون بحلّها بما يتناسب مع مصالحهم الشخصية، بدءاً من مراكمة الثروات والمقتنيات، وانتهاء بتوطيد العلاقات الشخصية مع أصحاب المناصب العليا في الحكومة التي تتغذى من الأزمات وتغذيها وتتباهي بالسيادة والشرعية و"الانتخابات"، وليس لديها من علاج للفقر والجوع سوى حث الفقراء والجائعين على الصبر الجميل. 


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية