"تحدي الخير" في مصر: فيروس الفقر أخطر من كورونا

كورونا

"تحدي الخير" في مصر: فيروس الفقر أخطر من كورونا

مشاهدة

12/04/2020

مطالبات البقاء في المنزل ارتفعت وتيرتها في القاهرة، في محاولة لمحاصرة وباء، مؤكد لن تنتهي، لكنّ الأكثر تأكيداً أنّ تقليل التجمعات هو أقصر الطرق لمنع تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، مطالبات دفعت مؤسسات حكومية وخاصة لتسهيل الأمر على سكان مصر للبقاء في المنزل؛ من إتاحة دور نشر لكتبها مجاناً على السوشيال ميديا، أو إتاحة تطبيقات الأفلام والمسلسلات "أون لاين" لمشاهدة منصاتها دون اشتراك.

اقرأ أيضاً: أبعد من مرض.. وباء كورونا يهدد لقمة عيش الملايين
وأعلنت وزارة الصحة والسكان المصرية، الخميس، التاسع من الشهر الجاري، تسجيل 139 إصابة جديدة بفيروس كورونا، جميعهم من المصريين، ليصل إجمالي عدد المصابين في البلاد إلى 1699 إصابة، فيما توفي 15 شخصاً نتيجة الإصابة بالمرض، ليرتفع الإجمالي إلى 118 حالة وفاة.

ارتفعت معدلات الفقر في مصر لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018

وفي سياق مواجهة تداعيات الوباء، منحت وزارة الاتصالات المصرية جميع العملاء 20% زيادة على معدل الاستخادم مجاناً لمدة شهر، وعلى النهج نفسه أتاحت دار الأوبرا المصرية بعض حفلاتها مجاناً خلال قناة يوتيوب، محاولات عديدة، بدأت مع إطلاق "الدار المصرية اللبنانية" في القاهرة حملة موسعة للتشجيع على شراء الكتب "أون لاين"، مع خصومات مميزة، حملات تبدو لافتة لانتباه الأغنياء، وما تبقى من الطبقة الوسطى، أو حتى من يملكون حاسباً آلياً وهواتف ذكية، لكن، ومن جانب آخر، هناك 46 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج، تتراوح نسبة الفقر فيها بين 80 إلى 100%، فضلاً عن معاناة 236 قرية في سوهاج من الفقر، وهي نسبة بلغت 87% من قرى المحافظة، ما جعلها تسجل النسب الأعلى بين أفقر 1000 قرية في مصر، قرى قد لا يجد أهلها الغذاء في لحظة، إن هم غفلوا عن العمل مجرد ساعة واحدة من نهار أو ليل!
تصدّر صعيد مصر قائمة المحافظات الأكثر فقراً في الجمهورية

الجنوب الأكثر فقراً
بحسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر؛ فقد ارتفعت معدلات الفقر في البلاد لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8% لعام 2015/ 2016.
السبب الرئيس في ارتفاع معدلات الفقر بنسبة 4.7%، خلال الفترة بين عامي 2016 إلى 2018، بحسب تصريح صحفي لوزيرة التخطيط في مصر، هالة السعيد، هو تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي في الفترة ذاتها، وهو ما تطلب تكلفة على المجتمع والدولة المصرية، بحسب قولها.

اقرأ أيضاً: خبير جزائري يشرح حقيقة دواء الكورونا
وتصدّر صعيد مصر قائمة المحافظات الأكثر فقراً في الجمهورية؛ حيث سجلت محافظة أسيوط نسبة فقر بين مواطنيها بلغت 66.7%، تلتها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر 55.3%، والمنيا 54%، ثم قنا 41%. خطورة تلك الأرقام تظهر مع معرفة أنّ أول بؤرة لانتشار فيروس كورونا في مصر كانت في الأقصر، 12 آذار (مارس) الماضي، وأول حالة وفاة كانت في مدينة الغردقة السياحية، المجاورة لمدن الصعيد، وأغلب نسبة العمالة بالمدينة من مدن الجنوب.
وأشار التقرير إلى أنّ ما يقرب من 46 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج، بصعيد مصر، تتراوح نسبة الفقر فيها بين 80 إلى 100%، فضلاً عن معاناة 236 قرية في سوهاج من الفقر، وهي نسبة بلغت 87% من قرى المحافظة، ما جعلها تسجل النسب الأعلى بين أفقر 1000 قرية في مصر.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا: كيف يغيّر الخوف من الوباء نفسية وسلوك البشر؟
محافظة سوهاج، التي سجلت نسبة فقر 59.6% بين سكانها، ما يزال العمل في مدنها جارياً، رغم ظهور حالات مصابة، فالبقاء في المنزل دون طعام هو موت مماثل، حقيقة قالها أحمد علي، (اسم مستعار)، العامل بشركة "النساجون الشرقيون" في مركز أخميم، محافظة سوهاج، مضيفاً في تصريح لـ "حفريات": "عروض الأوبرا على الإنترنت، ومنصات المشاهدة مجاناً، مسألة جميلة، لكنني أعيش في قرية جبلية، ولا أملك رفاهية التكنولوجيا، أعمل 16 ساعة يومياً حتى أحصل على أقل القليل، ولا أملك رفاهية مجرد البقاء في المنزل بضع ساعات، الشركة رفضت مسألة العزل أسبوعين، مجرد أيام حتى تطمئن على عمالها".
أعلنت الدولة في مصر حزمة من الإجراءات لتقليل حدّة الأزمة

الغردقة عزل مع إيقاف التنفيذ
ربما لم يتنشر الأمر بعد في سوهاج، لكن إلى جوار تلك المحافظة، تقع مدينة الغردقة في محافظة البحر الأحمر، أول المدن التي وضعت تحت العزل الصحي بالكامل، بعد تسجيلها أول حالة وفاة، وتفشي الوباء بسبب كثرة الأجانب في المدينة، ورغم ذلك ما تزال الحياة مستمرة، وممارسة صغار الموظفين والعمال لمهنهم، فالأولوية هنا للطعام.

46 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج، بصعيد مصر، تتراوح نسبة الفقر فيها بين 80 إلى 100%

"أنا شغالة في شركة "كول سنتر" (Koutsource) على أكونت أكل لـ "براند بيتزا هت وبرجر كينج في الكويت"، هكذا عرّفت نفسها لـ "حـفريات"، موظفة "الكول سنتر" في مدينة الغردقة، دعاء قنديل، مضيفة: "المبنى المكون من دورين يتواجد فيهما يومياً ما يزيد عن 200 بني آدم، نستخدم السماعة نفسها، والماوس نفسه، والكيبورد نفسه، الإجازات المرضية حتى في ظلّ كورونا صعبة جداً، الموافقة عليها من دكتور الشركة، ولا يوجد أيّ توجه للعزل".
غالبية العمال في البداية ظنوا أنّ عزل مدينة الغردقة ربما يكون شفيعاً لدى أصحاب رؤوس الأموال لوقف العمل مجرد أسبوعين فقط، حتى يتم التقليل من نسب الإصابة، لكن ما حدث كان على العكس تماماً: "الشركة أرسلت "إيميلاً" بأنها ستبدأ بعمل "شيفتات" 16 ساعة، في المقابل نحصل على 3 أيام إجازة في الأسبوع بدل يومين، ظاهرياً أعطونا 3 أيام إجازة، لكنّ الواقع غير ذلك بالفعل".
تضيف قنديل: "أدوات الوقاية، من كحول أو معقمات، لم تدخل المكان إلا من 5 أيام فقط، في حين إنّنا، كمدينة ظهر فيها أول حالة وفاة من الكورونا، لم تكن لدى الشركة أيّة نوايا لحماية الموظفين، بالعكس، واستغل المسؤولون في الشركة الحاجة، وإن توقفت السياحة في المدينة، ويمارسون ضغطاً علينا لعلمهم أنّه لم يتبقَّ مكان ما يزال مستمراً في العمل غيرهم".

اقرأ أيضاً: هل يفتك كورونا بالنسيج الاجتماعي في غزة؟
ورغم أنّ قنديل تعاني من مرض الربو وحساسية الصدر، وهي أمراض تمثل خطورة إذا تعرض صاحبها لفيروس كورونا، إلا أنّ ذلك لم يكن شفيعاً لها لدى الشركة: "دكتور الشركة اعتمد لي يوم واحد إجازة مرضية، سأشعر بالتحسن من الربو وضيق التنفس في يوم واحد وأعود للعمل، وأردّ على عملاء، وأتعرض للفيروس في مدينة وضعت تحت العزل بالفعل، ولو "متّ مليش دية وكل دا بـ 3500 جنيه"!!".

تحدّي الخير
نتيجة الوضع الاقتصادي؛ أعلنت الدولة في مصر حزمة من الإجراءات لتقليل حدّة الأزمة على رجال الأعمال، والشركات العاملة في السياحة، وأصحاب القروض البنكية، وأطلقت وزارة التضامن على الجانب الآخر حملة لدعم العمال، من غير المؤمن عليهم، ومن ليس لديهم راتب ثابت.
حملات تمنّى بدر خطاب، أحد أبناء نزلة السمان، جديتها، ويقول في تصريح لـ "حفريات": "ورثت العمل في السياحة أباً عن جد، منذ أعوام كثيرة لم أعرف عملاً لي غير السياحة، حتى عندما تتوقف السياحة بسبب الحروب أو الثورات أمارس أعمالاً يدوية مختلفة، لكنّ العودة للسياحة مسألة مؤكدة في النهاية".

اقرأ أيضاً: تقرير: كورونا لم يبطئ إرهاب طهران وحروبها بالوكالة
خطاب وأقرانه من سكان نزلة السمان يعانون من اضطراب خط سير السياحة، منذ ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، فأهل المكان بالكامل يعملون في مهن بسيطة متعلقة بالسياحة، أشهرها مهنة الخيالة، واًصحاب العربة الحنطور، التي يستخدمها السياح في التجوال داخل منطقة أبو الهول والأهرامات: "لكن للمرة الأولى منذ عملت في المهنة، تغلق بوابات أبو الهول والأهرامات، لا سياحة، ولا زوار، حتى من المصريين".
يضيف خطاب: "أنا مشرف نظافة في فندق شهير، وبسبب توقف السياحة أغلقت أغلب الفنادق تقريباً، وأجلس في المنزل منذ أيام، ولا أعلم هل يستمر الفندق في صرف رواتبنا أم لا، لكنّ الخيالة لا مصدر لهم آخر، وأكل الخيول مكلف، اليوم يملك إطعامهم، في الغد سوف يبيع مصدر رزقه حتى يطعم أبناءه".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا.. دراسة حديثة تنسف قاعدة المترين في التباعد الاجتماعي!
معدلات الفقر في مصر مسألة معلنة، يدركها الجميع، لذلك دشّن العديد من الفنانين ولاعبي الكرة، وأصحاب دور النشر، والإعلاميين، حملات كفالة الأسر الفقيرة؛ الكاتب الصحفي والإعلامي محمد حميدة كان أحد هؤلاء، يقول في تصريح لموقع "حفريات": "مؤكد لن نظل في البيوت طول العمر، فقط بضعة أيام حتى لا يتفشى الوباء، في تلك الحالة يجب أن نخاطب الطبقة المضطرة للنزول، التي لا تملك قوت يومها، والخطاب الوحيد الصالح الآن هو توفير بديل".
أطلق حميدة الجملة، وتحدى من جانب آخر العديد من الإعلاميين والصحفيين، ليشاركوا في كفالة الأسر الفقيرة: "مطالبات الطبقات الفقيرة بالجلوس في المنزل لن يهتموا بها، هم يهتمون باطعام أطفالهم، وقوت يومهم الذي يحاربون من أجل الحصول عليه؛ لذلك كانت حملات مثل تحدّي الخير هي الأنسب في تلك اللحظة".
بات الوضع الاقتصادي هو التحدي الأكبر في القاهرة الآن، وهو تحدٍّ مستمر حتى بعد زوال أزمة كورونا، الأزمة التي يتمنى المصريون أن تزول سريعاً؛ لأنّ استمرارها لفترات أطول مع معدلات الفقر المرتفعة مسألة غير محمودة العواقب.

الصفحة الرئيسية