أطفال غزة يلاحقون شاحنات المساعدات بحثاً عن الغذاء

أطفال غزة يلاحقون شاحنات المساعدات بحثاً عن الغذاء

أطفال غزة يلاحقون شاحنات المساعدات بحثاً عن الغذاء


12/04/2026

 

في منطقة قيزان النجار المدمر جنوب غرب مدينة خان يونس جنوبي القطاع، يجلس الطفل أحمد مصلح (14 عاماً) حافي القدمين على حجر مكسور أمام ما تبقى من منزله، ويحمل في يده كيساً صغيراً بدا كأنّه كنز.

يستهل مصلح حديثه بصوت خافت لكنّه واضح، ويقول: "أستيقظ كل يوم قبل الفجر، وإذا سمعت بوصول شاحنة، أسرع إليها فوراً، إذ يتعين عليّ أن أكون أول الحاضرين لأتمكن من الحصول على شيء ما ممّا تحمله".

وتشير تقارير صحية وحقوقية محلية ودولية إلى أنّ الأطفال والنساء يشكلون ما يزيد على 60% من إجمالي ضحايا الحرب، في مشهد يختزل حجم الكارثة الإنسانية.

وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي قتل الاحتلال 18 ألفاً و592 طفلاً في القطاع، بحسب توثيق عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وحسب بيانات الأمم المتحدة، فهناك 660 ألف طفل خارج المدارس، بالإضافة إلى نحو 1500 طفل ينتظرون العلاج في الخارج بسبب نقص الإمكانات الطبية.

وقال مكتب الأمم المتحدة المعني بتنسيق الشؤون الإنسانية في تقرير: إنّ 93% من أطفال غزة يُظهرون "سلوكاً عدوانياً" بسبب الحرب وانهيار الخدمات الأساسية.

سباق لا يشبه الطفولة

ويتوقف مصلح قليلاً، ويمعن النظر في الكيس الذي يحمله بيده، ثم يضيف: "اليوم كنت محظوظاً، لأنني حصلت على قليل من الأرز، أمّا بالأمس، فقد عدت خالي الوفاض، فغالباً ما نمضي اليوم بلا طعام، لكننا نصبر".

وبسؤاله عن يومه، لم يتحدث عن ألعاب أو أصدقاء، بل عن طرق ومسارات، ونقاط يقف عندها مترقباً مرور الشاحنات، ويتابع: "نحن نعرف الطرق التي قد تمر منها الشاحنات، أنا وأصدقائي نتقاسم المواقع، فيراقب كل منا مكاناً محدداً، وما إن نلمحها حتى ننادي بعضنا بعضاً وننطلق ركضاً".

ويرسم بيده خطاً في الهواء، كأنّه يعيد تمثيل المشهد، ويكمل: "تنطلق الشاحنة مسرعة، فنركض خلفها، وبعضنا يصعدون إليها، فيما يتعثر آخرون ويسقطون، وذات مرة سقطت أنا أيضاً، وأصبت في يدي، لكنني لم أشعر بالألم في حينها".

ولا يلاحق مصلح الجوع وحده، بل يرافقه الخوف أيضاً، ويوضح وهو يخفض صوته: "تخشى أمي عليّ، وتطلب منّي ألا أذهب، لكن لا خيار أمامي، إن لم أذهب، فماذا سنأكل؟".

بين الجوع والخوف

وعن أكثر اللحظات التي يخشاها، يجيب دون تردد: "عندما يحدث تدافع، فالجميع يريد أن يأخذ، أحياناً يزاحمنا الكبار، ونشعر بالخوف، لكننا لا نستطيع التوقف، فأنا أخاف التدافع، غير أنّ الجوع أخوف".

مصلح كان طالباً في الصف التاسع قبل أن يتوقف عن مسيرته الدراسية، وعند سؤاله عن المدرسة تبدلت ملامحه على الفور، ويوضح بصوت يختلط فيه الحنين بالألم: "كنت أحب المدرسة، وخصوصاً حصة الرياضيات، وكانت لديّ كراسات جديدة، لكنّها ضاعت تحت الركام".

وعن الليل يكمل: "الليل هو الأصعب، فأنام غالباً وأنا جائع، وأحاول أن أفكر في شيء آخر، لكنّ ألم بطني لا يتركني".

ويتنهد مصلح قليلاً، ثم يتابع: "أتمنى أن أعود إلى الدراسة، لكن لا وقت الآن، فيجب أن أساعد أهلي، وكل ما أريده الآن هو أن نجد طعاماً كل يوم".

سباق الأطفال خلف شاحنات المساعدات

في داخل مخيم المقوسي المكتظ بالنازحين بحي النصر بمدينة غزة، كان الطفل صبحي عرفة، الذي بدا أكبر من عمره بكثير، يحمل حقيبة مهترئة، ويغلقها بعناية شديدة، كأنّه يخشى أن تضيع محتوياتها القليلة.

يقول عرفة (13 عاماً)، الذي يجلس على قطعة إسفنج بالية بداخل خيمته: "أصبحت أميز صوت الشاحنة من بعيد، حتى قبل أن أراها، فصوتها مختلف عن المركبات الأخرى، وما إن أسمعه حتى أركض".

ولم يعد الأطفال يتحركون بعشوائية، بل طوروا ما يشبه خرائط غير مكتوبة لمسارات المساعدات، ويشرح عرفة ذلك بتفصيل لافت، ويضيف: "هناك شوارع معينة تمر منها الشاحنات، وقد حفظناها جيداً، وأنا وأصدقائي قسمنا المناطق، مجموعة تقف عند أحد المفترقات، وأخرى تنتظر عند الشارع الرئيسي، وما إن نرى الشاحنة حتى نصرخ ونركض خلفها".

ويتابع عرفة، وهو يبتسم ابتسامة خجولة: "تعلمنا أن نركض بجانب الشاحنة لا خلفها، فبهذه الطريقة تكون فرصتنا أكبر، وبعض الأطفال يستخدمون العصي والقضبان المعدنية لسحب الأكياس، موضحاً: "هناك خطر كبير، وذات مرة رأيت طفلاً يسقط تحت العجلة، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أخشى الاقتراب كثيراً".

تبادل الطعام تحت ضغط الجوع

ولا تتوقف الحكاية عند حدود الحصول على الطعام، بل تمتد إلى تبادل بسيط بين الأطفال أنفسهم، ويكشف عرفة جانباً آخر من المشهد، ويكمل: "إذا أحضرت أرزاً وجلب صديقي عدساً، نتبادل فيما بيننا، وأحياناً أبيع جزءاً صغيراً ممّا حصلت عليه لشراء الخبز".

وبحسب ما يرويه عرفة، فإنّ عدد الأطفال الذين يتجمعون عند مرور أيّ شاحنة قد يتجاوز الـ 100 طفل في منطقة واحدة فقط، ويكمل: "جميعهم يحاولون الحصول على ما يمكنهم، فهناك من يعود بأكثر من كيس من الدقيق والمعلبات، بينما يعود آخرون دون أن يحصلوا على أيّ شيء".

وبسؤاله عن كيف غيرت الحرب حياته، يقول: "أصبحت أفكر، ماذا نحتاج في البيت؟ ماذا سأحضر؟ كيف أوزع الطعام؟ أمي مريضة وأبي غادر القطاع قبل الحرب للعلاج، ويجب أن أساعد عائلتي في توفير الطعام".

وفي ختام حديثه يؤكد عرفة: "أتمنى أن أعيش يوماً كاملاً دون أن أضطر إلى الركض، وأن تتوفر لدى عائلتي كمية كافية من الطعام، فكل تفكيري منصب حالياً على تأمين الطعام فقط".

طفولة تُسرق بصمت

يرى أستاذ علم النفس بجامعة القدس أحمد أبو سلطان أنّ "تعرّض الأطفال للجوع والخطر يجعلهم يعيشون ضغطاً نفسياً مستمراً يؤثر على شعورهم بالأمان والطمأنينة، فالجوع المزمن والخوف اليومي يسرع النضج القسري، ويجعل الطفل يتخذ قرارات تفوق سنه، وهو ما قد يؤثر على تكوين شخصيته على المدى الطويل".

ويوضح أبو سلطان: "كثير من الأطفال يعانون من صدمات مُركّبة ناتجة عن التدافع والمشاهد العنيفة المرتبطة بالمساعدات كالقلق المستمر، واضطرابات النوم، والخوف من الأماكن المزدحمة، وشعور دائم بعدم السيطرة، فالتدافع والمشاهد العنيفة يمكن أن تترك أثراً طويل الأمد على سلوك الطفل وعلاقاته الاجتماعية".

ويضيف: "الأطفال الذين يتحملون مسؤوليات كبيرة قبل الأوان غالباً ما يعانون من مشكلات في الهوية، وشعور مبكر بالضغط والذنب، وصعوبة في التفريغ العاطفي، وهذا ما نسميه "النضج القسري" الذي يحرم الطفل من طفولته الطبيعية. وينعكس هذا الواقع على شعور الطفل بالأمان والثقة بالعالم، لأنّه يشعر بأنّ العالم غير آمن، وأنّ بقاءه يعتمد على جهده وحده، وهذا يضعف ثقته بالآخرين ويزيد من الانعزال الاجتماعي والعدوانية في بعض الحالات".

ويكمل: "الأطفال الذين يجبرون على تحمل المسؤولية يفقدون القدرة على اللعب والتعلم الطبيعي، ممّا يعيق تطوير مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، وهذا قد يؤثر لاحقا على علاقاتهم واختيارهم المهنية وحتى استقرارهم النفسي".

ويؤكد الأكاديمي الفلسطيني: "يمكن للأطفال التعافي، خصوصاً إذا توفرت بيئة آمنة وداعمة، مع عودة الأطفال إلى أنشطة طبيعية مثل اللعب والمدرسة، فالدعم المجتمعي والتعليم المستمر مهمّان لتعافي الأطفال مستقبلاً".

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية