أردوغان يقود تركيا بعقلية الغطرسة الاستعمارية: سلطان أم قرصان؟

أردوغان

أردوغان يقود تركيا بعقلية الغطرسة الاستعمارية: سلطان أم قرصان؟

مشاهدة

03/01/2020

منذ الإعلان عن الاتفاق البحري والأمني بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة طرابلس الليبية، فايز السراج، نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، والذي يتصل في شقه الأول بترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط بين البلدين، بينما الشق الثاني، يتعلق بتعزيز التعاون الأمني والعسكري بينهما، شرعت الأطراف الإقليمية والدولية في تعقب الدور التركي، والتصدي لأهدافه غير المباشرة بالمنطقة؛ إذ تتّخذ أنقرة من النزاع السياسي والعسكري في ليبيا، ساحة لتمارس فيها تأثيراتها وهيمنتها، بهدف تحقيق أغراضها الإقليمية.

 

أردوغان... شهوة الحرب
يرى مراقبون وخبراء؛ أنّ الاتفاق الأمني والبحري بين أنقرة وحكومة الوفاق، سيترتب عليه توغّل تركيا في عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي في المتوسط، الأمر الذي أثار تحفظات شديدة، وانتقادات جمّة، من الجانبين المصري واليوناني، اللذين وصفا الاتفاق بـ "غير الشرعي".

القوات البحرية المصرية نفذت عدداً من الأنشطة القتالية باحترافية بهدف فرض السيطرة البحرية على المناطق الاقتصادية

ومن جانبه، هدّد أحمد المسماري، الناطق باسم الجيش الوطني الليبي؛ بأنّ القوات المسلحة ستتصدى للأطماع التركية في ليبيا، مؤكّداً أنّ الجيش الليبي "يقاتل جماعات مسلحة مدعومة من تركيا وقطر"، كما أوضح أنّ قواته واجهت قوات تركية في طرابلس، وعليه؛ فقد اتّهم المسماري الرئيس التركي بدعم الإرهابيين في ليبيا، بالأسلحة والعتاد، حسبما نقلت عنه تصريحات إعلامية.

وإثر التطورات التي أعقبت عملية الاتفاق، ومحاولة تركيا استفزاز الأطراف الإقليمية الرافضة للاتفاق، والذي يمثّل تهديداً لأمنها القومي والإستراتيجي، قامت اليونان برفع اعتراضاتها للأمم المتحدة، بشأن الاتفاق البحري؛ حيث وصفته بـ "سيئ النية"، كما رأت أنّه يهدد الاستقرار الإقليمي؛ إذ طالب الناطق بلسان الحكومة اليونانية، بضرورة إيقاع عقوبات على تركيا من قبل الاتحاد الأوروبي.

 

ماذا تخشى تركيا؟
تتأتى سياسة تركيا الاستفزازية بسبب مخاوفها المحتدمة، من أن يعمل خصومها في شرق المتوسط على تضييق الخناق عليها، حسبما يرى الباحث في الشأن التركي، سونر جاغايتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية، بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، خاصة أنّ بعضهم من خصومه القدماء، كاليونان وقبرص، والبعض الآخر خصوم جدد، ممثلون في دولتَي إسرائيل ومصر.

اقرأ أيضاً: الكشف عن أسرار اتفاقية أردوغان- السراج يُحوّل ليبيا إلى بلد مُحتل
ويعتقد أردوغان، بحسب جاغايتاي، أنّ بمقدوره إضعاف المحور الذي من المفترض أنّه مناهض لسياسات تركيا، من خلال تحدي المناطق البحرية المحيطة بحلقته الأضعف؛ أي قبرص، وهو النهج الذي يتماشى مع سياسته الخارجية، التي أصبحت تبدو أكثر عدائية في المنطقة، على عكس أسلافه؛ حيث يشعر أردوغان بأنّه يتمتع بالسلطة لمتابعة مصالح تركيا، من جانب واحد، حتى لو كان ذلك على حساب عزلتها الإقليمية.
ويضيف مدير برنامج الأبحاث التركية؛ أنّه نظراً إلى تأرجح علاقة تركيا مع هذه الدول المناهضة لسياستها، ومع قبرص كذلك؛ إذ تتراوح بين الباردة والعدائية، فقد شعرت أنقرة بالقلق من وتيرة التعاون الإستراتيجي الذي نشأ بين تلك الدول، في الأعوام الأخيرة، وقد شملت المبادرات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة، وكذلك مبادرات في شؤون الطاقة أيضاً، شاركت الإمارات في بعضها، مدفوعة بمعارضتها الشديدة لدعم أردوغان لـ "الإخوان المسلمين" على مستوى المنطقة.

اقرأ أيضاً: ماذا وراء الدعوة للتحقيق مع أردوغان في عمليات خصخصة مشبوهة؟
وبينما أكدت دول الاتحاد الأوروبي التضامن الكامل مع اليونان وقبرص، لجأت نيقوسيا إلى محكمة العدل الدولية، لتعزيز سبل حماية حقوقها السيادية، ومواردها الطبيعية، وكذلك ثرواتها البحرية من الغاز الطبيعي بوجه الأطماع التركية، ومن جهتها، دانت مصر الاتفاق الذي رأت أنّه يمثل انتهاكاً لاتفاق الصخيرات، الذي يعد أفضل وسيلة سياسية جمعت الأطراف الليبية، بهدف التمهيد لعملية الخروج من الصراع القائم.

 

مواجهة في المتوسط
وبحسب بيان للخارجية المصرية، فإنّ "اتفاق الصخيرات لا يخول رئيس الوزراء الليبي بالتوقيع على اتفاقيات دولية مثل هذه، علاوة على أنّ تمثيل الحكومة الليبية مختل بشكل كبير؛ لأنّ كثيراً من المناطق الليبية غير ممثلة".
وقبل أيام قليلة؛ أعلن الجيش المصري تنفيذ تدريبات في البحر المتوسط، ردّاً على التهديدات التركية؛ حيث أوضح بيان رسمي صادر عن المؤسسة العسكرية المصرية أنّ "قوات البحرية المصرية نفذت عدداً من الأنشطة القتالية ذات نوعية احترافية، والتي تهدف إلى فرض السيطرة البحرية على المناطق الاقتصادية بالبحر، فضلاً عن تأمين الأهداف الحيوية في المياه العميقة".

اقرأ أيضاً: أردوغان يحبط مساعي إعادة قطر للبيت الخليجي
وإلى ذلك، ذكر الموقع الرسمي لمجلس النواب الليبي؛ أنّ رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، قام بتوجيه خطاب إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، يوضح فيه مخاطر الاتفاق بين أردوغان والسراج؛ إذ رأى أنّ مذكرة التفاهم الموقعة بينهما تمثل تهديداً مباشراً لأمن الدولة الليبية ومستقبلها وأمنها.
كما وجه صالح، الذي يؤكد بطلان عملية ترسيم الحدود في المتوسط، بين ليبيا وأنقرة، لعدة أسباب، من بينها أنّ الدولتين لا تربطهما حدود بحرية مشتركة بينهما، خطاباً إلى أمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبوالغيط، بغية إصدار قرار بسحب اعتماده لحكومة الوفاق، واعتماد الجسم الشرعي الوحيد، وهو مجلس النواب الليبي، بينما نبّه إلى خطورة التدخل التركي في الشؤون العربية، والذي بدأ في سوريا، ويتكرر في ليبيا، وسيمتدّ إلى دول عربية أخرى.

 

عقلية استعمارية
ولفت رئيس البرلمان الليبي إلى أنّ السلاح التركي يتدفق إلى ليبيا، بواسطة ميناء مصراتة وطرابلس، الأمر الذي لا تنفيه حكومة الوفاق ذاتها، بينما تعترف بحصولها على مساعدات مالية وعسكرية من أنقرة، حسبما ورد على لسان رئيسها ونوابها، في تصريحات رسمية.

أردوغان دعا إلى تصدير السلاح والجنود الأتراك لتدريب ودعم الميليشيات الإسلامية في ليبيا بحجة إحداث توازن بين القوى

يوضح الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي، جرجس فكري؛ أنّ ثمة عقلية استعمارية تتحكم في آلية عمل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وإستراتيجيته في العمل على المستويين السياسي والميداني، وهو الأمر الذي يتجلى بوضوح في ليبيا وسوريا، على حدّ سواء، وتوضحه تصريحات رسمية منسوبة له، حين يتحدث أردوغان عما أسماه "جغرافيتنا القديمة"، في إشارة إلى المناطق التي سيطرت عليها الدولة العثمانية، ومن خلال شرعية الإرث العثماني الذي يعمد إلى بعثه، يبرر تواجده وتدخله في كلّ من سوريا وأفريقيا وليبيا وغيرها.
ويؤكّد فكري، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ أردوغان يفرض هيمنته المباشر وتوغله في ليبيا، على مستوى القرار السياسي، وكذلك العسكري؛ فمن خلال حكومة الوفاق، يمرر أهدافه السياسية، ويسيطر على المناطق الخاضعة لها، مثل مصراتة وطرابلس، موضحاً أنّ تصدير السلاح والجنود الأتراك، لتدريب ودعم الميليشيات الإسلامية في ليبيا، قد صرّح به أردوغان نفسه، بحجة إحداث توازن بين القوى، واعترف به كذلك خالد المشري، القيادي الإخواني في ليبيا، ورئيس المجلس الأعلى للدولة، حين قال إنّ تركيا تمدّهم بالمساعدات المالية والأسلحة.

اقرأ أيضاً: هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟
ويردف الباحث المتخصص في الشأن الليبي، بأنّ أردوغان وسّع دائرة المصالح والاستفادة من ليبيا إلى حدودها القصوى من خلال الاتفاقية البحرية، بهدف التنقيب عن النفط والغاز، في المياه المشتركة بين ليبيا وتركيا، إضافة إلى الأهداف الأمنية والعسكرية، بيد أنّ الأمر فيما يبدو محاولة حثيثة من جانب أردوغان للدفع بعجلة الحرب، وترجيح المواجهة العسكرية، خاصّة بعد تصريحه بأـّن تركيا مستعدة لإرسال جيشها إلى طرابلس، في حال موافقة حكومة الوفاق، وعليه؛ فـإنّ دخول أيّة قوات نظامية لطرابلس، بشكل معلن، هو بمثابة إعلان حرب لكلّ دول الجوار لليبيا.

الصفحة الرئيسية