هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟

هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟

مشاهدة

03/01/2020

لعبة ليّ الأذرع وعمليات الابتزاز السياسي بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والاتحاد الأوروبي، لا تنتهي؛ بل هي مرشحة اليوم لتتخذ أبعاداً جديدة أكثر حدّة وإثارة، بعد أن قرّر أردوغان ترحيل الجهاديين الأوروبيين، الذين كانوا يقاتلون في صفوف تنظيم داعش، المعتقلين في تركيا، إلى بلدانهم، في تطور مفاجئ أزعج الحكومات الأوروبية ووضعها أمام الأمر الواقع.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
وقد أعلن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ أنّ بلاده تعتقل قرابة 1200 من عناصر التنظيم الإرهابي الأجانب، إضافة إلى 287 آخرين تمّ اعتقالهم لدى تدخل تركيا في شمال سوريا الشهر الماضي، وهي المرة الأولى التي تكشف فيها تركيا حقيقة أعداد الجهاديين الأجانب الموجودين على أراضيها، بعد أن ظلت، لأعوام، تتكتم على الرقم الحقيقي لهؤلاء، مما يظهر أنّ أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب في انتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي، ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر، وذلك منذ إشهار ورقة اللاجئين السوريين، المقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألفاً، كانت تركيا تهدّد الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام الثلاث الماضية، بفتح السبل أمامهم للتدفق على الحدود الأوروبية، بيد أن بروكسيل استطاعت كسب تلك المعركة مؤقتاً، نظير تقديم مساعدات مالية ضخمة لأنقرة، مقابل الاحتفاظ بأولئك اللاجئين على أراضيها.

أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب بانتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر

الخطوة التركية الجديدة أربكت الحكومات الأوروبية التي انقسمت حول الموقف حيالها، ففيما أعلنت بريطانيا وبلجيكا أنّهما مستعدَّتَين لاستقبال المقاتلين المنحدرين منهما رفقة زوجاتهم وأبنائهم، رفضت بلدان أخرى فتح أبوابها أمامهم، واصفة الموقف التركي الأحادي الجانب بالابتزاز، فيما تحفّظت فرنسا، وأرسلت تركيا في الدفعة الأولى للترحيل؛ إيرلنديَّين اثنين، وألمانيَّين، وأحد عشر فرنسياً، لكنّها أعلنت أنّها تحتفظ بمقاتلين آخرين سوف يجري ترحيلهم في الأيام المقبلة.
لقد ظلّت الحكومات الأوروبية، طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، بعد أن كان تنظيم داعش قد بدأ يتهاوى تحت ضربات التحالف الدولي، ترفض استقبال مقاتليها بدعوى عدم الرغبة فيهم، وتهدّد بسحب جنسياتهم، وذلك بسبب التخوف من أن يتحولوا إلى طابور خامس للتنظيم الإرهابي داخل المجتمعات الأوروبية، وينفذوا عمليات إرهابية جديدة، وزاد الأمر تعقيداً أنّ الحكومات الأوروبية لا تقرّ حكم الإعدام في قوانينها الجنائية، ما يعني أنّه، حتى مع محاكمة هؤلاء العائدين من ميادين القتال واعتقالهم، فسيتمّ الإفراج عنهم مهما طال الزمن، ما سيعيد فتح ملفهم من جديد، وربما بشكل أشدّ خطورة، علاوة على ذلك؛ هناك مخاوف قوية لدى الأوروبيين من أن يؤدي اعتقال هؤلاء إلى نشر التطرف داخل السجون بين النزلاء، في ظلّ الحديث المتكرر عن مخاطر انتشار التطرف الديني داخل السجون حالياً.

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟
ولا تتوقف المخاوف الأوروبية من العائدين عند هذا الحدّ؛ بل إنها تخشى الوقوع في الأخطاء نفسها التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية في التعامل مع معتقلي تنظيم القاعدة في معتقل غوانتنامو السرّي، حتى اضطر باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق، إلى طيّ هذا الملف، فالأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية لهؤلاء، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم في السجون العمومية مع باقي النزلاء.
بيد أنّ الحكومات الأوروبية تنظر إلى المبادرة التركية من الزاوية السياسية، في ظلّ العلاقة المتوترة بين الطرفين؛ فهي ترى أنّ أردوغان يريد الانتقام من الاتحاد الأوروبي على خلفية الاحتجاج ضدّ التدخّل التركي في شمال سوريا، الشهر الماضي؛ إذ إنّه بينما كان أردوغان يتوقّع ترحيباً واسعاً بذلك التدخّل، جاءت المواقف الأوروبية معاكسة، وهو ما دفعه إلى استعمال ورقة الدواعش لمزيد من الضغط على بلدان الاتحاد.

الأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية للعائدين، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم بالسجون العمومية مع باقي النزلاء

والواقع؛ أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها تركيا بترحيل مقاتلين من تنظيم داعش إلى بلدان أوروبية، فقد رحّلت عدداً منهم قبل خمسة أعوام، في أوج الصعود الدموي للتنظيم، وبينما كانت تركيا تتسامح مع دخول المقاتلين إلى أراضيها قبل التسلل إلى التراب السوري، لكنّها فعلت ذلك في السابق في سرّية تامة، دون ضجيج إعلامي، وأحياناً كثيرة دون التنسيق مع حكومات البلدان الأوروبية المعنية، ومن هنا؛ ترى الدول الأوروبية أنّ إعلان تركيا لتلك الخطوة عبر وسائل الإعلام، وفي تصريحات رسمية، الهدف منه إثارة الجدل داخل الرأي العام الأوروبي، وتوظيف ملف العائدين سياسياً لتوجيه رسالة إلى الأوروبيين، مفادها أنّ تركيا يمكنها أن تقوم بدور مهم في حفظ الأمن الأوروبي، كما يمكنها أن تشكل خطراً على هذا الأمن، في حال لم يتم التعامل معها بالشكل الذي تريد.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
غير أنّ الحسابات السياسية لأردوغان قد تصطدم بالجدار، فقد علت بعض الأصوات داخل البلدان الأوروبية، تطالب بإغلاق الباب نهائياً في وجه مقترح الانضمام التركي إلى نادي الاتحاد الأوروبي، طالما أنّ أنقرة، بالنسبة إلى هؤلاء، لا تكفّ عن ممارسة أسلوب الابتزاز والضغط، وتوظيف ورقة اللاجئين، وبعدها ورقة المقاتلين الأجانب.


الصفحة الرئيسية