أردوغان يتنمّر على اليونان ويذكّر بهزيمة أثينا قبل 100 عام

أردوغان يتنمّر على اليونان ويذكّر بهزيمة أثينا قبل 100 عام


22/06/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

قبل مئة صيف، تمكّنت "قوّات الحركة القوميّة التّركيّة"، بقيادة الكاريزمائيّ المعتدّ بنفسه مصطفى كمال، من قلب مسار الأحداث، وبدأت في دفع اليونانيّين الغزاة إلى الغرب، أكثر فأكثر، ولم يكن هناك مكان ليذهب إليه هؤلاء سوى البحر.

قبل عام واحد فقط من ذلك، شعر القادة العسكريّون اليونانيّون بثقة كبيرة في التّقدّم إلى قلب الأناضول لدرجة أنّهم، بحسب بعض المؤرّخين، دعوا حلفاءهم البريطانيّين إلى عشاء نصر في عاصمة كمال التّركيّة الجديدة، أنقرة. لكنّ الأتراك أوقفوا هذا التّقدّم في "معركة سركيا" الوحشيّة التي غيّرت قواعد اللّعبة، على بعد حوالي 50 كيلومتراً غرب أنقرة، وغيّروا مجرى المياه.

في آذار (مارس) 1922، اقترحت "قوّات الحلفاء"، بقيادة فرنسا والمملكة المتّحدة وإيطاليا والولايات المتّحدة، أن يلتقي الجانبان من أجل هدنة، لكن، ليس على عكس الرّئيس الأوكرانيّ، فولوديمير زيلينسكي، الذي تجاهل، في الأسابيع الأخيرة، نصيحة الغرب بتسليم أراض لروسيا، كمال كان يأمل في إخراج الغزاة بالكامل من أراضيه.

"الهجوم الكبير"

تحقيقاً لهذه الغاية، شنّت القوّات التّركيّة ما أصبح يعرف بـ "الهجوم الكبير"، في أواخر آب (أغسطس)، وسُرعان ما استولت على مدينتَي أفيون قره حصار ودوملوبينار، وفي الأوّل من أيلول (سبتمبر)، أعلن كمال قوله المشهور: "هدفكم الأوّل هو البحر الأبيض المتوسّط.. إلى الأمام!".

اشتبك الجنود اليونانيون مع القوات التركية عام 1921 وأدى العنف بين الاثنين إلى البؤس والموت للشعب التركي وهزيمة عسكرية لليونانيين

وصلوا إلى وجهتهم في غضون أيّام، في هزيمة مهولة لليونانيّين ونصر ساحق لكمال، الذي سيوقّع "معاهدة لوزان" في العام التّالي، ويؤسّس الجمهوريّة التّركيّة، ويُطلَق عليه فيما بعد لقب "أتاتورك" (أبو الأتراك).

سيكون خوض حرب مع اليونان كارثيّاً لتركيا واليونان والولايات المتّحدة و"حلف شمال الأطلسيّ"، ناهيك عن المجهود الحربيّ المدعوم من "حلف شمال الأطلسيّ" في أوكرانيا

هذه اللحظة التي شكّلت المنطقة خطرت على ذهني الأسبوع الماضي، عندما كتب الرّئيس التّركيّ، رجب طيب أردوغان، وسط تصاعد التّوترات اليونانيّة الّتركيّة، تغريدة نادرة باللغة اليونانيّة نصح فيها أثينا بمراعاة آدابها في بحر إيجه: "نحذّر اليونان، مرّة أخرى، ونطالبها بأن تكون حكيمة، وأن تبتعد عن الأحلام، والخطابات، والأفعال التي ستؤدّي إلى نتائج ستندم عليها، كما حدث قبل قرن من الزّمان".

صداقة نسبية

ثلاثة عقود من الصّداقة النّسبيّة أعقبت الحرب وتبادل السّكان، الذي حصل عام 1923، لكنّ الجارتين المتنافستين تتجادلان بغضب منذ ذلك الحين: المذابح التّركيّة في 1955، والغزو التّركيّ لقبرص في 1974، والانقسام الذي تلاه للجزيرة، وقرع طبول الحرب في 1987، و1996، و2020.

خلال العام الماضي، ألمحت سلسلة من المحادثات إلى ذوبان الجليد، حتّى زار رئيس الوزراء اليونانيّ، كيرياكوس ميتسوتاكيس، واشنطن في أواخر أيار (مايو) ووضع اللمسات الأخيرة على صفقة طائرات مقاتلة من طراز "إف 35"، وحثّ الكونغرس الأمريكيّ على عدم إرسال عتاد عسكريّ، يفترض أنّه طائرات من طراز "إف 16"، إلى تركيا. ردّاً على ذلك، قال أردوغان عن ميتسوتاكيس: "لم يعد موجوداً بالنّسبة إليّ.. لن أوافق على مقابلته أبداً".

ردّت اليونان بتعليق رافض، وكما هي الحال دائماً، سُرعان ما تصاعدت التّوتّرات لتشمل الخلافات الحدوديّة البحريّة في البحر الأبيض المتوسّط​، وعسكرة جزر بحر إيجة، وانتهاكات المجال الجويّ.

في الأسبوع الماضي، بعد أن ألمحت أنقرة إلى أنّ سيادة بعض الجزر اليونانيّة في بحر إيجة قد تكون موضع تساؤل، أرسلت أثينا رسائل إلى الأمم المتّحدة تحدّد شكاويها، وحثّت الولايات المتّحدة الدّولتين، وكلتاهما عضوان بـ "حلف شمال الأطلسيّ"، على حلّ نزاعاتهما من خلال الدّبلوماسيّة، إنّها لحظات مثيرة، ولكنّها، أيضاً، أسطوانة مشروخة قليلاً.

ما حدث قبل قرن

وسط أكبر الضّربات، تبرز إشارة الزّعيم التّركيّ القديمة إلى ما حدث قبل قرن من الزّمان. بغضّ النّظر عن النّقطة الواضحة، إخضاع اليونان، بأنّ النّصر التّركيّ ما يزال يمثّل حتّى اليوم هزيمة للإمبرياليّة الغربيّة.

استولت القوّات اليونانيّة على مساحة شاسعة من الأناضول تمتدّ من إزمير إلى بورصة وإسكيسهير، بينما سيطرت "قوّات الحلفاء" على الجوهرة المتوسّطيّة، أنطاليا، والجائزة الكبرى، إسطنبول، وكذلك كاناكالي، ممّا يضمن السّيطرة الكاملة على المضائق التّركيّة، ولم يشعر الأتراك بمثل هذا الضّعف الشّديد منذ أن دخل السّلطان محمّد الثّاني (محمّد الفاتح) القسطنطينية على حصانه الأبيض في أيار (مايو) 1453.

في تغريدة نادرة باللغة اليونانيّة كتب أردوغان: "نحذّر اليونان، مرّة أخرى، ونطالبها بأن تكون حكيمة، وأن تبتعد عن الأحلام، والخطابات، والأفعال التي ستؤدّي إلى نتائج ستندم عليها.. "

أشارت تغريدة أردوغان إلى أنّ الأتراك، اليوم، قد يشعرون بحصار مماثل من الحلفاء الغربيّين المفترضين: عندما تضع اليونان قوّات في جزر بحر إيجة (على الرّغم من وجود القليل من الأدلّة على ذلك)، وعندما يقيّد الاتّحاد الأوروبيّ الحدود البحريّة لتركيا أو الوصول إلى احتياطيّات الطّاقة القبرصيّة، وعندما تشترك الولايات المتّحدة مع أعداء تركيا في شمال سوريا وتعارض سياسة أنقرة تجاه سوريا.

تلقّى "حزب العدالة والتّنمية" الحاكم، في الأسابيع الأخيرة، أقلّ أرقام استطلاعات الرّأي على الإطلاق، بعد عام واحد فقط من اقتراع وطنيّ، وتُعدّ التّحذيرات التّركيّة من عدوان على اليونان تأكيداً على القوّة القوميّة التي تستهدف جمهوراً محلّيّاً إلى حدّ كبير.

رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس والرئيس التركي أردوغان خلال اجتماعهما في إسطنبول في آذار (مارس)

بالطّبع، ليس كلّ شيء محض استعراض. كتب رايان جينجراس، وهو مؤرّخ تركيّ بارز وأستاذ الأمن القوميّ في "كلّيّة الدراسات العليا البحريّة" في كاليفورنيا، الأسبوع الماضي، أنّه في ضوء الغزو الرّوسيّ لأوكرانيا، فإنّ حرباً يونانيّة تركيّة جديدة "ليست ممكنة فحسب، بل، ربما، عند نقطة ما، مرجّحة".

دبلوماسيّو القنوات الخلفية

ومع ذلك، يبدو أنّ هذه المواجهات، على الأقلّ حتّى الآن، محض مسرحيّة، بالنّظر إلى أنّ كلّ جانب، ومعارضة كلّ دولة، يستفيد سياسيّاً من هذه اللحظة، يمكن للمرء تقريباً أن يتخيّل دبلوماسيّي القنوات الخلفية يرسلون إشارات تشجيع هادئة لبعضهم حول هذا الخطاب المعزَّز.

كما هو الحال مع توغّل أنقرة الذي يلوح في الأفق في شمال سوريا لمحاربة المسلّحين الأكراد، فإنّ القليل من السّجال الكلاميّ مع اليونان يؤكّد ثقة الجيش التّركيّ، مع إلصاق الأمر بالغرب "الإمبرياليّ".

على الصّعيد المحلّيّ، الطّرفان رابحان.

من ناحية أخرى، سيكون خوض حرب مع اليونان كارثيّاً لتركيا واليونان والولايات المتّحدة و"حلف شمال الأطلسيّ"، ناهيك عن المجهود الحربيّ المدعوم من "حلف شمال الأطلسيّ" في أوكرانيا، لكن كما أظهر التّاريخ الحديث؛ فإنّ الأمر وإن كان تمريناً عبثيّاً فهذا لا يعني أنه لن يحدث.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

ديفيد ليبيسكا، ذي ناشونال، حزيران (يونيو) 2022

مواضيع ذات صلة:

الصراع التركي اليوناني يتجدد في بحر إيجه... ما احتمالات التصعيد العسكري؟

تركيا تنتهك المجال الجوي اليوناني مجدداً... ما علاقة ليبيا وشرق المتوسط؟

اليونان وفرنسا توقعان خارطة للتعاون العسكري... ما علاقة تركيا؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية