أتاتورك... كيف أصبح أباً للأتراك؟

تركيا

أتاتورك... كيف أصبح أباً للأتراك؟

مشاهدة

25/06/2019

ينظر إليه الإسلاميون خارج تركيا نظرة سوداوية حاقدة، باعتباره المسؤول الأول عن إلغاء "الخلافة"، ولكن وبالاقتراب من الساحة التركية الداخلية، نلمس إجماعاً عامّاً حول شخصيته، حتى بين الأوساط الإسلامية، فما أصل هذا الإجماع والقبول التركي لـ "أتاتورك"، ما الذي يجسده ويعنيه بالنسبة إلى الأمة التركيّة؟
بين العسكرية و"الاتحاد والترقي"
ولد مصطفى كمال، عام 1881، في "سالونيك"، الواقعة في اليونان اليوم. كان في طفولته يراقب تلاميذ المدرسة العسكرية وينظر بإعجاب لزيّهم العسكري، وعندما أصبح في الثانية عشرة من عمره، قرّر الالتحاق بالتعليم العسكري، رغم معارضة والدته، وأنهى تعليمه العسكري عام 1905، وعقب تخرّجه أُرسل للالتحاق بـ "الجيش الخامس" في دمشق من أجل التدريب.

استطاع مصطفى كمال في حرب الاستقلال كسب تأييد وبناء شعبية واسعة بين الأتراك

كانت البلاد في تلك المرحلة تشهد تحوّلات جذريّة، صاحبها صعود اتجاهات جديدة، كان من أبرزها الاتجاه القومي التركي، المعروف بـ "الطورانيّة"، والذي تبنّته جمعية الاتحاد والترقي، وكان يتلخص بالسعي لتوحيد الشعوب ذات الأصول التركية.
وفي شباط (فبراير) من عام 1908؛ اختار مصطفى كمال الانضمام لجمعية الاتحاد والترقي، وفي الثالث والعشرين من تموز (يوليو) من العام ذاته، تمكّنت الجمعية من الانقلاب على السلطان عبد الحميد، وإعادة الحكم بالدستور، وفي أعقاب ذلك أًرسل مصطفى كمال من قبل الجمعية إلى طرابلس بليبيا من أجل دراسة الأوضاع الأمنية هناك، وبثّ الفكر والمشروع الاتحاديّ بين الأهالي.

البكباشي مصطفى كمال (يسار) مع قوات بدوية في درنة شرق ليبيا

تفكّك وانهيار
كانت الدولة العثمانية قد دخلت آنذاك في طور من التفكك والانهيار؛ ففي عام 1908 استقلت بلغاريا عنها، في حين أعلنت الإمبراطورية الهنغارية-النمساوية ضمّها للبوسنة والهرسك، وعام 1911 احتلت إيطاليا ليبيا، بعد فشل المقاومة العثمانية والمحليّة في التصدي لها، وعقب خسارة ليبيا عاد مصطفى كمال إلى إسطنبول، نهاية عام 1911، وهناك تقلد منصباً في مركز قيادة الجيش، وفي العام التالي اندلعت حروب البلقان، واستمرت لمدة عامين، شارك مصطفى كمال في الحرب من منصبه الجديد، لكن الحرب كانت استمراراً لمسلسل الانهيار العثماني فخسرت الدولة إثرها معظم الأجزاء الأوروبية المتبقية منها.
اندلاع الحرب
تسارعت الأحداث على الصعيد الدولي واشتعلت الحرب العالمية الأولى، ولم تلبث أن انخرطت الدولة العثمانية في الحرب، واختارت الاصطفاف إلى جانب دول المحور (ألمانيا والإمبراطورية النمساوية-الهنغارية)، وكان مصطفى آنذاك قائداً في الفيلق السادس عشر في أدرنة غرب البلاد.
وعام 1915؛ عزمت قوات الحلفاء على اختراق المضائق المائيّة الواقعة تحت السيطرة العثمانية، للوصول إلى البحر الأسود، وإنقاذ الروس في مواجهتهم مع الألمان، فأنزل الحلفاء عشرات الآلاف من الجنود بالقرب من إسطنبول، ووقعت معركة "غاليبولي" الحاسمة، والتي انتهت بتراجع قوات الحلفاء وفشل الهجوم، وكان أتاتورك من بين القادة الأتراك المشاركين في المعركة، وقد أبلى فيها بلاءً حسناً، وبعد المعركة حاز على ترقية مكافأة لدوره.

اقرأ أيضاً: فشل المشروع التركي في مصر: على من يراهن السلطان العثماني؟

في الوقت ذاته؛ كانت القوات الروسية القادمة من الشرق تحقق تقدماً كاسحاً على حساب الجيش العثماني المتراجع، حتى وصلت القوات الروسية إلى بحيرة "وان"، واقتربت من مناطق وسط الأناضول، وبعد فراغه من معركة غاليبولي، عُيّن مصطفى كمال في منصب رئاسة أركان حرب الجيش الثالث، المتواجد على الجبهة الشرقية في مواجهة الروس، وتزامن ذلك مع اندلاع الثورة البلشفية، عام 1917، في روسيا، وصولاً إلى الإطاحة بحكم القيصر، ما أدى لوقوع الارتباك على الجبهات الروسيّة، فاستغل مصطفى كمال الأحداث وبدأ بتحقيق الانتصارات واستعادة المناطق المنتزعة من قبل الروس، وإثر ذلك تمّ ترفيعه إلى رتبة "أميرالاي".

تصوير لإنزال قوات الحلفاء في "غاليبولي" في نيسان 1915

الهزيمة... و"سايكس-بيكو" الأتراك
كانت نتيجة الحرب العالمية فادحة على الدولة العثمانية، أدّت إلى تفككها وفقدانها معظم أراضيها، فمن الجنوب وصلت القوات البريطانيّة والفرنسيّة إلى مناطق سوريا والعراق، ووصلت حتى عمق الأناضول، ودخلت القوات الإيطالية مناطق الساحل المتوسطي الجنوبي، أما القوات اليونانية فبسطت سيطرتها على غرب البلدان، محققة لوهلة حلم "اليونان الكبرى"، أما العاصمة، إسطنبول، فخضعت لسيطرة قوات إنجليزية وفرنسية وإيطالية. وتكرست هذه الوضعية مع توقيع اتفاقية هدنة "مودروس"، في الثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر) 1918، ثم جاءت معاهدة "سيفر" لتكرّس تجزئة الإمبراطورية، مع إقرار فرض سيطرة دولية على المضائق المائية، والنصّ على إقامة دولة أرمنيّة ومنطقة كردية ذات حكم ذاتي من الممكن أن تفضي إلى الاستقلال، وإعطاء مقاطعتَيْ تراقيا وإزمير لليونان.

اقرأ أيضاً: أردوغان المبشر بليل العثمانيين
كانت معاهدة "سيفر" للأتراك، كما كانت "سايكس-بيكو" بالنسبة للعرب؛ وقد أدت إلى تفجير الغضب الشعبي والرفض داخل المؤسسة العسكرية والبيروقراطية التركيّة، والذي اتجه جانب منه ضدّ حكومة السلطان في إسطنبول.

تقسيم تركيا وفقاً لما قررته معاهدة سيفر

حرب الاستقلال... الزعيم المفوّض
قاد مصطفى كمال حركة الرفض لمعاهدة سيفر ومقاومتها، وهي حركة المقاومة التي عرفت بـ "حرب الاستقلال"، فانتقل إلى أنقرة، عام 1919، واختارها مركزاً لحركة المقاومة؛ بسبب توسطها البلاد وبعدها عن مناطق قوات الحلفاء.
أطلق مصطفى كمال نداء التمرّد على حكومة إسطنبول، باعتبارها خاضعة للاحتلال، وطلب من مجلس الشعب التفويض بكامل الصلاحيات لخوض المواجهة، وتلقى غالبية حكام الأقاليم النداء بالقبول، وتبع ذلك عقد مؤتمريْ "أرضروم" و"سيواس"، أولى منابر المقاومة، والتي ترسّخت عبرها مكانة مصطفى كمال كزعيم جامع للأمة التركيّة، التي كانت تخوض أحد أكثر المراحل حرجاً ومصيريّة في تاريخها.

في 29 تشرين الأول 1923 أعلن استقلال الجمهورية التركية وأصبح مصطفى كمال أوّل رئيس لها

انطلقت المقاومة، وسرعان ما تحوّلت إلى حرب استقلال، في المرحلة الأولى بدأت ضدّ القوى الأرمنيّة التي كانت قد أعلنت قيام جمهوريّة في الشرق تمتد حتى القوقاز، بعد ذلك؛ جرى نقل القوات والتركيز على الجبهة الغربية؛ حيث كانت قد اندلعت مقاومة محليّة، عام 1921، بقيادة الوجهاء، ضدّ الفرنسيين والإيطاليين، حتى قررت القوات المحتلّة مغادرة الأناضول. وفي 19 تشرين الأول (أكتوبر) 1921؛ غادرت بقية قوات الحلفاء عن الدردنيل وإسطنبول دون قتال.
تمكّن بعدها مصطفى كمال من حشد معظم القوات التركيّة ضد الجيش اليوناني، وفي تلك الأثناء كان مؤتمر لندن (1921) قد انتهى إلى عزل اليونانيين على الصعيد الدبلوماسي، ودخلت بذلك الحرب اليونانية التركية (1919-1921) مرحلة جديدة حاسمة، وجاء المنعطف الحاسم مع الانتصار التركي في معركة "سقاريا"، والتي منح إثرها مصطفى كمال لقب "الغازي"، الذي كان لا يمنح إلا للسلطان. وفي آب (أغسطس) 1922، شنّ الأتراك الهجوم الأخير، وفي 9 أيلول (سبتمبر) تمكّنوا من بسط السيطرة على إزمير، الأمر الذي أدى إلى فرار الجيش اليوناني.

قوات يونانية على الجبهات في الحرب مع الأتراك

استطاع مصطفى كمال في هذه الحرب كسب تأييد وبناء شعبية واسعة بين الأتراك؛ فتمكّن من كسب العلماء؛ عبر شرعنة الحرب باعتبارها حرباً لتحرير الخليفة "أسير الكفرة"، كما انضم إليه الوجهاء الذين انتفعوا من مصادرة أملاك الأرمن وإعادة توزيعها عليهم، وانضم إليه وجهاء الأكراد؛ بسبب رسائله التي كانت تؤكد حمايته لهم من دولة أرمنيّة طور التشكّل.
لوزان... ولادة الجمهوريّة
كانت حكومة مصطفى كمال ترفض الاعتراف بمعاهدة سيفر، وإثر الثبات والمقاومة التركية في حرب الاستقلال اضطر الحلفاء لمعاودة التفاوض مع الجانب التركي، فعقدت لهذا الغرض، بداية من العام 1922، محادثات في لوزان بسويسرا، واستمرت حتى عام 1923.

صوّرت التماثيل التي نحتها هنريش كريبيل أتاتورك كرمز للقوة والحزم

وقعّت معاهدة لوزان النهائية، في تموز (يوليو) 1923، ونتج عنها الإقرار بقيام الجمهورية التركية الحديثة في الأناضول وتراقيا الشرقية، مع ضمّ الأقاليم السورية الشمالية (وضمّ الإسكندرون لاحقاً عام 1939)، لم تطرح المعاهدة مشروع قيام دولة أرمنية، وإنما حصل الأرمن واليونان واليهود على وضعية أقليات، كما لم يحصل الأكراد على حكم ذاتي كردي، وليترسخ بذلك انتصار مصطفى كمال في حرب الاستقلال، وفي 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1923، أعلن استقلال الجمهورية التركية وأصبح مصطفى كمال أوّل رئيس لها.
أثناء انعقاد المحادثات، حدثت هناك أزمة تمثيل للجانب التركيّ؛ بسبب وجود حكومتين؛ حكومة تحت الاحتلال، وحكومة التحرير، ما استدعى حدوث المواجهة مع مؤسسة الخلافة، ولحلّ أزمة ازدواج التمثيل واستئناف المفاوضات، قرّر مصطفى كمال خلع السلطان محمد السادس، آخر السلاطين، في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1922، ليكون بذلك قد قطع الخطوة الأهم في سبيل إلغاء منصب الخلافة نهائياً، وهو ما حصل بعد أقلّ من عامين.

المبعوثون الطليان والأتراك في لوزان 1923

بعد ثورة الشيخ سعيد الكردية، عام 1925، أقرّ البرلمان التركي قانوناً باسم "استعادة النظام"، الذي كان بمثابة إعلان الأحكام المعرفية، فأعيد تفعيل محاكم الاستقلال التي كانت قد أصدرت إبّان الحرب مئات الأحكام بالإعدام دون محاكمة، وترافق ذلك مع إجراءات تكميم الصحافة، وحظر الأحزاب وسجن المعارضين، وقدمت محاولة الانقلاب الفاشلة، عام 1926، لمصطفى كمال، فرصة لمزيد من تعزيز سلطته، فصدرت أحكام جديدة بالسجن والإعدام طالت حتى بعض الاتحاديين من معارضي "الكماليّة"، التي تبلورت كمنهج للحكم وإدارة الدولة.

ترسّخ "تصنيم" شخصية مصطفى كمال خلال عقد الثلاثينيات

وجاء دستور عام 1937 ليحدث الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام الحزب-الدولة، فأصبح النواب يعيّنون من قبل الحزب، وترافق ذلك مع ترسخّ "تصنيم شخصية"، مصطفى كمال، خلال عقد الثلاثينيات، باعتباره "الغازي"، القائد المنتصر، والزعيم الخالد، وتجلّى ذلك في التماثيل التي انتشرت له في الميادين والساحات العامة، والتي نحتها النحات "هنريش كريبيل"، والتي صوّرته كرمز لتجسيد القوة والحزم. وفي عام 1934 أقرّ بموجب قانون خاص، تسميته بـ "أتاتورك"؛ أبو الأتراك، لقد كان أتاتورك أبا الأتراك باعتباره المنقذ للدولة والأمة التركية من مصير مشابه، كما حدث لجيرانهم من الأمم الأخرى، التي خضعت لاتفاقيات ومعاهدات دولية أجهضت فرصتها في إنشاء الدولة-الأمة، وأجّلتها إلى أجل غير مسمّى.


الصفحة الرئيسية