
على طاولة معدنية باردة في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب مدينة غزة، كان جثمان الشاب جاسر حجازي (24 عامًا) ممددًا، وكانت يداه مربوطتين خلف ظهره بسلك بلاستيكي، وعلامات زرقاء حول عنقه، وحين رآه والده لم يتمالك نفسه، فجلس أرضًا يردد بصوت خافت: "ما قتلوه في الحرب، شنقوه بعد أسره."
وحجازي واحد من عشرات الجثامين التي أعادتها إسرائيل إلى قطاع غزة في الأسابيع الأخيرة، ضمن دفعات متقطعة تسلمتها وزارة الصحة الفلسطينية عبر معبر كرم أبو سالم.
من جانبها، قالت وزارة الصحة في غزة إنّ جثامين أسرى القطاع التي أعيدت مؤخرًا "تحمل آثار تعذيب وعدّة حروق واضحة".
وكشف مدير عام الوزارة منير البرش، في تدوينة عبر منصة (إكس)، أنّ "الأسرى الذين أفرجت إسرائيل عن جثامينهم أعيدوا إلينا وهم مقيدون كالحيوانات، وعليهم آثار تعذيب وحروق بشعة تكشف حجم الإجرام الذي ارتُكب في الخفاء."
وأضاف أنّ الجثامين "لم تكن مدفونة تحت التراب، بل كانت في ثلاجات الاحتلال لشهور طويلة"، مشيرًا إلى أنّ ما جرى يمثل "جريمة حرب مكتملة الأركان" تستوجب تحقيقًا دوليًا عاجلًا ومحاسبة الجناة.
ويأتي ذلك ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بوساطة مصرية وقطرية وتركية، وبإشراف أمريكي، ويتضمن تبادل الأسرى والجثامين بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).
ووفق "الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين"، فإنّ إسرائيل ما تزال تحتجز (735) جثمانًا لفلسطينيين، بينهم (67) طفلًا، إضافة إلى (256) جثمانًا في "مقابر الأرقام".
وبحسب تقرير نشرته صحيفة (هآرتس) في تموز (يوليو) الماضي، يحتجز الجيش الإسرائيلي نحو (1500) جثمان لفلسطينيين من قطاع غزة داخل معسكر "سدي تيمان".
قتل متعمَّد
يقول محمد حجازي (46 عامًا) من حي الشجاعية شرق مدينة غزة: "المرة الأخيرة التي رأيت فيها ابني جاسر كانت يوم 15 تشرين الثاني) نوفمبر) 2024، بعد أن خرج للمساعدة في نقل المصابين على إثر قصف إسرائيلي، بعدها اختفى، فبحثنا عنه في المستشفيات ولم نعثر عليه، واعتقدنا أنّه ربما يكون معتقلًا".
ويضيف: "قبل أيام استدعتني وزارة الصحة للتعرف على جثمان ابني بعد أن أعاد الاحتلال العشرات منها، وبعد البحث بين الجثامين أكثر من ساعتين عثرت عليه."
ويكمل حجازي بصوت حزين، وهو يمسح دموعه بيده: "عندما رأيته لم أتعرف عليه إلا من خلال الخاتم الذي كان يضعه في يده، كانت رقبته غامقة اللون، وكانت يداه مقيدتين".
ويوضح: "الأيدي كانت مقيدة خلف الظهر، إمّا بحبل أو بسلك بلاستيكي، وقد ترك الحبل أثرًا واضحًا على الرقبة، فهذه ليست إصابة حرب، بل هو خنق مباشر".
وتوقف للحظة، ثم تابع بصوت خافت: "أكثر ما يؤلمني أنني لا أدري كيف مات، الحرب تقتل، لكن هؤلاء لم يموتوا في الحرب، ماتوا بعد أن أسروا".
وينظر حجازي إلى صورة ابنه على هاتفه، ويقول: "ابني لم يحمل سلاحًا، ولم يكن ينتمي إلى المقاومة، كان إنسانيًّا، يذهب لمساعدة الناس، ما حصل له جريمة بكل معنى الكلمة."
رقم على كيس بلاستيك
في غرفة ضيقة بمستشفى ناصر تجلس الفلسطينية نجلاء أبو مغصيب من بلدة دير البلح وسط قطاع غزة وهي تضم صورة ابنها الشاب الذي فُقد قبل ثلاثة أشهر، وعلى الطاولة أمامها كيس أبيض يحمل رقمًا بخط أسود، وتقول: "لم أصدق ماذا حدث لابني، فقد كان نصف جسده محروقًا، ورقبته ملتوية، ويبدو كأنّه قتل شنقًا، كانت عيناه مفتوحتين، ولم أستطع إغلاقهما، وكانت يداه مربوطتين خلف ظهره بسلك بلاستيكي أبيض اللون."
وقد انقطع الاتصال بنجل أبو مغصيب عند الاجتياح الإسرائيلي لدير البلح في 21 تموز (يوليو) 2025، حيث بقي داخل المنزل ورفض مغادرته، ومنذ ذلك الوقت انقطع الاتصال به، ولم يُعرف مصيره".
وتضيف أبو مغصيب (39 عامًا) بصوت خافت وهي تمسح دموعها بطرف غطاء رأسها: "قتلوا ابني بعد ما اعتقلوه حيًّا، فالاحتلال لم يكتفِ بالحرب، بل يريد قتلنا بالحزن أيضًا."
وتتابع: "انتظرت ابني حيًّا، واستقبلته جثمانًا مقيدًا، كنت أتوقع أن يكون أسيرًا على قيد الحياة، لكنّه عاد رقمًا مكتوبًا على كيس بلاستيك، فلا يوجد وجع أكبر من ذلك."
وتوضح بصوت مبحوح: "كلّ أم في غزة انتابها الخوف عندما أعاد الاحتلال جثامين الأسرى، لأنّها لا تعلم في أيّ حالة سوف تعثر على ابنها. لم يقتلهم الاحتلال فقط، بل أرجعهم مقيدي اليدين وعلى أجسادهم آثار التعذيب، كأنّهم ما يزالون أسرى، فهذه ليست حربًا، هذه إهانة بعد الموت."
وتتساءل أبو مغصيب: "لماذا يربطون يديّ الميت بهذه الطريقة؟ هل هم خائفون منهم حتى بعد موتهم؟ نحن بشر، ولنا كرامة."
احتجاز وتعذيب
يقول الدكتور علاء الهندي، وهو طبيب في قسم الطب الشرعي: إنّ "الجثامين التي وصلت المجمع كانت تحمل علامات خنق واضحة، وكدمات متفرقة على الرأس والظهر، وبعضها بأيدٍ موثقة بأسلاك بلاستيكية، وهذه ليست إصابات حرب، بل توحي بعمليات احتجاز وتعذيب قبل الوفاة."
ويضيف الهندي: "بعض الجثامين كانت بحالة تحلل متقدمة، وهو ما يشير إلى أنّها بقيت محتجزة فترة طويلة، وفي عدة حالات لاحظنا بقايا أربطة حول العنق، كأنّ أصحابها ماتوا شنقًا."
ويوضح: "الضحايا من أعمار مختلفة، بعضهم شبان في العشرينات، وبعضهم رجال فوق الأربعين، والإصابات في بعض الحالات لا تشير إلى أيّ انفجار أو شظايا، بل إلى اختناق مباشر أو تعذيب قبل الوفاة."
ويكمل: "هذه علامات واضحة لا يمكن تفسيرها كإصابات حرب، وهي دليل على سوء المعاملة أثناء الاحتجاز، حيث كانت بعض الجثامين بملابس داخلية فقط، ممّا يرجح أنّها تعرضت للتجريد قبل الوفاة."
ويؤكّد الهندي أنّه "بسبب قلة الإمكانيات الطبية يكتفون بتصوير كل جثمان من ثلاث زوايا، ويحتفظون بالصور في ملفات سرّية، وأنّ غالبية الجثث كانت لأشخاص بملابس مدنية، ممّا يعني أنّهم لم يكونوا مقاتلين."
وتخوض غزة منذ عامين حربًا دامية شنتها إسرائيل في تشرين الأول (أكتوبر) 2023، خلفت أكثر من (68) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن مجاعة أودت بحياة الآلاف.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
