
هاني سالم مسهور
هذا ليس سؤالاً تهكميّاً بقدر ما هو استدعاء لما يجب النظر إليه بجدية في المجتمعات الغربية التي منحت، عبر برامج الهجرة والديمقراطية، هوامش واسعة لتتشكل فيها حواضن لجماعات الإسلام السياسي التي كان أسامة بن لادن، ومن قبله حسن البنا وسيد قطب وجهيمان العتيبي، يطلقون عليها “ديار الكفر”. ومع الصعود الهائل لشخصيات محسوبة على تيارات الإسلام السياسي، خاصة مع زلزال الانتخابات النصفية الأميركية عام 2026، فإن ذلك يعطي مؤشرات مهمة يجب استقراؤها بموضوعية كاملة، فتحالف هذه التيارات مع اليسار التقدمي يعني، بالتأكيد، تغييراً يحطم الرأسمالية التي قامت عليها الأسس الديمقراطية في الغرب.
يراهن تنظيم الإخوان المسلمين على قدوم موجة أخرى من “الربيع العربي”. هذا الرهان يرتكز ليس فقط على عودة الحزب الديمقراطي إلى رئاسة الولايات المتحدة، وإنما أيضاً على وصول يساري تقدمي إلى البيت الأبيض. هذا ما يراهن عليه الإخوان. وهذه واحدة من النقاط العمياء التي لا يراها المراقبون لموجة صعود التيارات ذات الميول اليسارية التقدمية في أنحاء العالم. لقد تمكنت هذه التيارات من توظيف هوامش الديمقراطية والهجرة لمصلحة تسللها إلى المجتمعات الغربية، ويكفي النظر إلى بعض تلك المجتمعات التي تحتضن الطقوس الدينية وكأنها في كربلاء أو الضاحية الجنوبية لبيروت.
بحسب تصورات تيارات الإسلام السياسي، فإن الموجة التي يمكن أن يصعدوا عليها من رياح “الربيع العربي” هي التي عملوا عليها في الأزمنة التي كان العالم يخوض فيها الحرب على داعش في سوريا والعراق. انتهزت هذه التيارات الفرصة وبدأت في تسهيل طرق الهجرة إلى أوروبا، ومع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن كانت الفرصة مواتية لإرسال أكبر قدر ممكن من المهاجرين من العالم العربي والإسلامي الغارق في حروب وصراعات كانت تيارات الإسلام السياسي، ومعها القوميون العرب، من المتسببين المباشرين فيها.
علينا النظر بتمعن كبير إلى ما تلا هجمات 7 أكتوبر 2023. هناك سردية طويلة وعريضة حول توصيف الحرب في غزة على اعتبارها حرب إبادة دينية، وهذا يخالف، في الواقع، التعريفات الموضوعية التي يتجنبها المتأسلمون ومعهم القوميون التقدميون العرب. هذه تيارات عملت، في ظل انعدام المراقبة على الإعلام العربي، على تقديم توصيف حرب الإبادة، وهو توصيف يتناقض كلياً مع أرقام المواليد وحتى الوفيات في الفترة من 2023 وحتى 2026. لا أحد يلتفت إلى الأرقام والتعداد السكاني بقدر ما يلتفت إلى المظلومية التي دفع ثمنها المواطن الفلسطيني، والإسرائيلي أيضاً.
وصول شخصيات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين إلى الكونغرس الأميركي، يعطينا تصورات واضحة لما يمكن أن يكون عليه وضع التشريعات الأميركية بعد عقد واحد فقط. هذا ليس استشرافاً تشاؤمياً، إنما هو واقعي للغاية. فلقد عاصرنا فترات رئاسية ديمقراطية، لكن الفترات الصعبة على العالم العربي كانت مع الرئاسات الديمقراطية ذات التوجهات التقدمية الاشتراكية، كتلك التي كان عليها بيل كلينتون، وكذلك باراك أوباما وجو بايدن.
الرأسمالية التي ارتكزت عليها مفاهيم الدولة الأميركية الليبرالية تبدو اليوم ليست في صورتها التقليدية، حتى وإن أخذنا في الاعتبار أن هناك تحولات لافتة يجب النظر إليها في العمليات الانتخابية حول العالم، وليس في الولايات المتحدة وحدها. ففي الانتخابات النصفية، بدا ما حدث أشبه بردة فعل شعبية على سياسات الرئيس دونالد ترامب، الذي كان قبل عامين فقط الفائز في الانتخابات الرئاسية. وكذلك حدث في الانتخابات الإسرائيلية التي عاقب فيها الناخبون سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو ما جاء على عكس ما كان متوقعاً وفقاً لما حدث للمجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر وجولات الحرب على إيران.
وهنا ينبغي أن نقرأ العقاب الانتخابي بقدر ما يحتمل. فالناخب الأميركي الذي ضاق بأسعار الوقود أو بكلفة الحرب قد يعاقب الجمهوريين من دون أن يتبنى كل ما يقوله اليسار التقدمي، والناخب الإسرائيلي الذي ضاق بسياسات نتنياهو قد يبحث عمن يدير أمنه بصورة أفضل، من دون أن يكون قد غيّر نظرته إلى التهديدات المحيطة به. ما يجمع الحالتين هو قدرة الناخب على معاقبة من يحكمه، وما يهمنا هو ما ستفعله القوى الصاعدة بهذه القدرة حين تصبح التشريعات والسلطة في يدها.
بالعودة إلى الجذور، فإن سيد قطب كان، في عام 1952، ينظر إلى الحضارة الأميركية باعتبارها “جاهلية القرن العشرين”. ولهذا نستعيد المفاهيم من جذورها لنتتبع كيف انتقلت الأفكار الإخوانية المتشبثة بمفاهيم الحاكمية إلى المجتمعات الغربية. فبحسب الإخوان والسلفيين وغيرهم من تيارات الإسلام السياسي، فإن ما يحدث هو تطويع تلك المجتمعات للمفاهيم الراديكالية التي ما زالوا متمسكين بها. وهنا يجب استدراك حالة مهمة في مسار تتبع الإخوان، وهي المراجعات التي طالما قُدمت للسلطات العربية لإخراجهم من السجون، كما حصل مع الجماعة الإسلامية في مصر بعد اغتيال الرئيس السادات. وكانت تلك “تقية” كاملة، ومنها انتقل عناصر الجماعة للانخراط في حرب أفغانستان، ثم تكونت التنظيمات الجهادية التي كان أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة، مستلهماً فيها أفكار جهيمان العتيبي الذي ارتكب جريمة اقتحام الحرم المكي عام 1979.
ماذا لو كان بن لادن حيّاً؟ ربما كان سيرى أن أفكاره لم تنتصر في كهوف تورا بورا، وإنما تسللت إلى صناديق الاقتراع في بروكلين ومينيابوليس. لكنه كان سيدرك أيضاً أن هذا “الانتصار” جاء على حساب الشعوب التي زعم الدفاع عنها، وأن الغرب الذي فتح أبوابه للهجرة والتعددية يدفع اليوم ثمن تصدعاته الداخلية. السؤال الحقيقي ليس: “ماذا لو كان حيّاً؟” وإنما: متى تتوقف التيارات التي تتاجر بقضايا العرب والمسلمين، في الشرق والغرب، عن استخدام مظلوميتهم ورقة انتخابية، بينما يبقون هم خارج المعادلة، لا يختارون حكامهم ولا يحددون أولوياتهم؟
هذه لحظة كبيرة في استدراك الوعي. وكما حذر مبكراً وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة من خطر ما ترتكبه الأنظمة الغربية بمنح جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من التيارات حواضن سياسية واجتماعية، في وقت لا تكون لدى الأنظمة العربية قدرة حقيقية على تجفيف منابع الإرهاب فكرياً، فإنه بعد ربع قرن من هجمات 11 سبتمبر 2001 على أبراج مانهاتن، ما زال الإرهاب حاضراً فكرياً. والذباب الإلكتروني على منصات التواصل الاجتماعي ليس ظاهرة عابرة، بل هو منتج من منتجات الإرهاب والأفكار الراديكالية الإسلامية الرجعية.
العرب اللندنية

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%861_3.jpg.webp?itok=vZbYSOPs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%841_1.png.webp?itok=qt5F6OTQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7_164.jpg.webp?itok=VZvYYr3p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_9.jpg.webp?itok=7AwW3F0G)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_3.jpg.webp?itok=rfCMiddx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_13.jpg.webp?itok=sMjJZXHe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_54.jpg.webp?itok=RknBcusr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_6.jpg.webp?itok=cLMCOwo_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9_1.jpg.webp?itok=tALyXpvo)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A700_0.png.webp?itok=wydvPSgk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%AF.jpg.webp?itok=XnWBh_S7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0000000000.png.webp?itok=DzXDSLlL)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_10.jpg.webp?itok=rh6QLO-u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_6.jpg.webp?itok=11pAsKF_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_1.png.webp?itok=cL9qRILG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81_24.jpg.webp?itok=0tK2KDv7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=HcrUiimq)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1%20%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3_1.jpg.webp?itok=c9g40geO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_17.jpg.webp?itok=xYu1_I5l)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A.jpeg.webp?itok=hFotDXCm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_7.jpeg.webp?itok=K8Lv-QOz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A8_3.jpg.webp?itok=t9lBWJnB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D9%831_1.png.webp?itok=95lw6ge3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%84%D9%81_2_4_1_1.jpg.webp?itok=V8hLmgWo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)