جيل "زد" يشبّك ويتوسع

جيل "زد" يشبّك ويتوسع

جيل "زد" يشبّك ويتوسع


29/10/2026

سوسن الأبطح

في البرازيل، فاجأت التعبئة الكثيفة لجيل «زد» حتى قادة حزب العمال الذي يتزعمه لويس إغناسيو لولا دا سيلفا، وفاز في الانتخابات بفضل مشاركة غير مسبوقة للشباب، مقترنة بحملة ضخمة على وسائل التواصل. هذا ما نقلته مؤرخة الشؤون البرازيلية أنابيس فليشيه، في مقابلة لها مع صحيفة «لوموند» الفرنسية. وتحدث معلقون بشكل خاص عن تأثير سحري لمجموعة «واتساب» مفتوحة للجميع، أنشأها عضو الكونغرس أندريه جانيوس، تمكنت من جذب أكثر من عشرة ملايين شخص، وكان لها دور في تغيير الموازين.

كل هذا يبدو سوريالياً، حتى إن ثمة من شكّك في نتيجة الانتخابات البرازيلية. لكن بقليل من التأمل، تلحظ أن جيل الألفية، يتحرك ليس فقط في البرازيل، بل في أنحاء العالم، ويسهم في إعادة تشكيل المشهد السياسي، من نيبال إلى بيرو ومن إندونيسيا إلى ألبانيا.

هي ليست حركات منظمة بالمعنى الحزبي المتعارف عليه تقليدياً. هم شباب، بينهم المنفردون المتحمسون، والمنتمون لأحزاب أو حركات عابرة للحدود، وربما نقابات. ولا يقلل المراقبون من دور شبكات التواصل الرقمية وما تتيحه لجيل الألفية، من اطلاع على أحوال أقرانهم، والتأثر، وأحياناً التنسيق.

هو أول جيل يولد وفي يده موبيل، مربوط إلى شبكة عنكبوتية، تتيح له التواصل مع العالم أجمع. جيل يستطيع أن يتجمّع ويحتجّ ويعطل الحياة، لكنه مشتت سياسياً. لهذا، فهي تحركات محفوفة بالمخاطر، قد تؤدي إلى تغيرات منظمة كما حدث في صربيا، وربما ساقت إلى فوضى، وتلك أمثلتها شتى.

المظاهرات الشبابية في أوروبا الأسبوعين الفائتين، تصاعدت بشكل لافت. اختلفت السيناريوهات والهتافات تبعاً للبلد، إنما النتيجة واحدة؛ الشباب غاضبون، والاحتجاجات تعمّ المدن. في إسبانيا والبرتغال الأزمة الرئيسية هي السكن، وفي ألبانيا الاحتجاجات منذ أشهر عدة هي على الفساد. وفي فرنسا وإيطاليا التعليم كان الشرارة. وفي بلجيكا حدث ما يشبه التضامن أولاً مع زملائهم الفرنسيين، ثم انخرطوا في تحركات أوسع.

شباب يقال لهم، من دون كلل، إنهم سيكونون بلا وظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، ويرون بأم العين أن الاختصاصات تمحى وتحل مكانها آلات صماء. هم في مدارسهم بلا أساتذة، وأزمة مناخ تهدد بنقصٍ حتى في الأوكسجين؛ مليارات تذهب لإحراقها في حرب أوكرانيا، وحكومات تدعو إلى الاستنفار من أجل مواجهة العدو الروسي بمزيد من الإنفاق الدفاعي، وتهددهم بأنهم سيخضعون لتجنيد إجباري إذا اقتضت الحاجة. بعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا دعت مواطنيها إلى الاحتفاظ بكميات كافية من الماء والغذاء لمواجهة أي حالة طارئة. حكومات في أوروبا، لا تملك حتى وعداً لمواطنيها، بالاستقرار، بل تنذرهم بالأسوأ.

الاحتجاجات الفرنسية التي تدوم من أسابيع، كانت الأكثر إلهاماً لجيل الألفية. ووسط الحراك الكبير، سافر وفد من الطلاب الاشتراكيين من 11 دولة، إلى باريس وعقدوا اجتماعاً يومي 17 و18 أكتوبر (تشرين الأول) الفائت، من أجل التنسيق شاركت فيه 27 منظمة. كان هذا اجتماعهم الثاني بعد لقاء في كولونيا الألمانية في يونيو (حزيران) الماضي، تم الاتفاق خلاله على إعلان إضراب شبابي شامل في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) تحت شعار «لنناضل من أجل مستقبلنا، لا من أجل حروبهم». وبذلك تختلط مطالب زيادة عدد الأساتذة وإصلاح النظام التعليمي، في فرنسا، بمطالب جمعيات إيقاف الحرب في بريطانيا، مع المحتجين على ارتفاع إيجارات السكن في إسبانيا، ويدخل الجميع في بوتقة واحدة.

لكن الشباب لا يرون تعارضاً، ويعتبرون أن النضال ضد الحرب، يرتبط بالنضال الأوسع ضد أصحاب رؤوس الأموال ونظامهم الذي يُعطي الأولوية للربح، ويسلب الشباب مستقبلهم، من خلال إشعال الحروب، أو التسبب بتغير المناخ، أو المساس بمستوى التعليم والمعيشة. هذا ما كتبته صحيفة «الغارديان»، وهي تكشف عن تنسيق ربما لا يزال في أوله لكنه يكتسب شعبية. «نحن فخورون بالانضمام إلى هذه الحركة الرائعة التي تنمو وتتزايد في جميع أنحاء العالم في دول مثل فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وألبانيا وآيرلندا والهند وتشيلي وغيرها»، يقول المنظمون.

ونشر هؤلاء تعليمات لزملائهم لإنجاح تحركهم الشامل، تقول: «ابحث عن شخصين أو ثلاثة يرغبون في الخروج معك. حدّد الزمان والمكان: متى ستخرج، وإلى أين ستذهب. انشر الخبر واحصل على الدعم. نجتمع للتخطيط معاً. استعدوا لهذا اليوم: وزّعوا المهام وجَهزوا العدة».

هذه استعدادات فئة واحدة من فئات ألفية كثيرة، قد تكون مطامحها متضاربة، أو مصالحها متشابكة، إنما جلّ ما هو واضح، أن وسائل التواصل، وجيلها الأول، سيكون لتحركاته ما بعدها. قد يتفق شاب إيطالي وفتاة فرنسية على مكافحة أزمة السكن والتعليم، لكنهما قد لا يحملان الرأي نفسه، حول الهجرة، ودور الدولة، والقيمة الضرائبية. الاعتراض سهل أما البدائل والدخول في تفاصيل البناء فتلك هي المحنة.

الشرق الأوسط




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية