
مسارات الحرب السودانية، من تنامي نفوذ الشبكات الإسلامية داخل المعسكر المؤيد للجيش، إلى اقتصاد الذهب وتدفقات السلاح والدعم الإيراني، وصولًا إلى ملف الأسلحة الكيميائية، تكشف أنّ الصراع لم يعد محصورًا في موازين القوة على خطوط القتال، بل بات مرتبطًا ببنية أوسع من المصالح وشبكات النفوذ وآليات التمويل والارتباطات الإقليمية.
وعليه، تكتسب الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية أهمية تتجاوز طبيعة السلاح نفسه والحدود الميدانية والعسكرية، لأنّها تضع قيادة الجيش أمام اختبار يتعلق بالشفافية والقدرة على إخضاع القرارات العسكرية وآليات الحرب للتحقق المستقل. كما أنّ استمرار الجدل حول الأدلة، في ظل نفي الحكومة السودانية من جهة وتراكم التحقيقات والتحديدات الأمريكية من جهة أخرى، يجعل الانتقال إلى آليات فنية وقانونية مستقلة أكثر إلحاحًا لحسم الوقائع وتحديد المسؤوليات.
ضغوط أمريكية
بالتبعية، تؤشر مواقف واشنطن والعقوبات المفروضة والضغط داخل المؤسسات الدولية إلى أنّ التعامل مع قيادة الجيش لم يعد قائمًا فقط على التواصل السياسي، وإنّما بات مرتبطًا بدرجة أكبر بمسائل التنفيذ والامتثال والتحقق. وفي المقابل، ما تزال قنوات التواصل قائمة، بما يعكس أنّ الولايات المتحدة تتعامل مع القيادة العسكرية باعتبارها طرفًا حاضرًا في معادلة الحرب، من دون أن يعني ذلك منحها قبولًا سياسيًا غير مشروط.
وفي هذا السياق يقول الحقوقي السوداني "طلب الختيم"، في تصريحات خصّ بها "حفريات": إنّ دعوة قائد الجيش السوداني الفريق أوّل عبد الفتاح البرهان الولايات المتحدة إلى التحقيق في الاتهامات المتعلقة باستخدام القوات المسلحة أسلحة كيميائية لا تمثل، في تقديره، المسار القانوني الأنسب لحسم قضية بهذا الحجم والخطورة.
ويقول الختيم: إنّ الولايات المتحدة، باعتبارها الطرف الذي قدم سلسلة من المعلومات والأدلة التي استندت إليها الاتهامات، ليست الجهة الدولية المختصة قانونيًا بالفصل في مدى صحة استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، موضحًا أنّ مطالبتها بإجراء التحقيق قد تحوّل القضية، بدلًا من إخضاعها للآلية الدولية المعنية، إلى سجال سياسي بين الخرطوم وواشنطن.
ويضيف أنّ جوهر المسألة لا يتعلق بمن يقف مع الجيش السوداني أو ضده، ولا بمن يؤيد الرواية الأمريكية أو يرفضها، وإنّما بكيفية التعامل قانونيًا مع اتهام بالغ الخطورة. ويؤكد أنّ مثل هذه الاتهامات لا يمكن حسمها بالنفي السياسي، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية لمجرد صدورها عن دولة كبرى.
ويرى الختيم أنّ السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يحكم الموقف السوداني هو: ما الآلية التي يفترض اللجوء إليها للتحقق من ادعاء يتعلق باستخدام أسلحة كيميائية؟
ويشير إلى أنّ السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ انضمامه إليها في 24 أيار/مايو 1999، وبالتالي فهو ملتزم بالمنظومة الدولية التي أنشأتها الاتفاقية، بما في ذلك آليات التحقق والاستجابة التي تضطلع بها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وبناءً على ذلك، فإنّ المسار الأكثر سلامة من الناحية القانونية لا يتمثل في مطالبة الدولة التي وجهت الاتهام بالتحقيق فيه، وإنّما في فتح المجال أمام الآلية الدولية المختصة لإجراء تحقيق مستقل ومهني في الوقائع والأدلة، مع التزام السودان بالتعاون الكامل معها.
ويشدد على أنّ التعامل مع القضية من منظور قانوني يقتضي الابتعاد عن منطق الاصطفاف السياسي، قائلًا: "إنّ المطلوب ليس أن يكون الموقف مع الجيش أو ضده، ولا مع الولايات المتحدة أو ضدها، وإنّما مع الحقيقة القانونية وحدها".
ويؤكد الختيم أنّ فتح تحقيق دولي لا يمثل اعترافًا مسبقًا بصحة الاتهامات، كما أنّ رفض التحقيق أو الالتفاف عليه لا يمكن اعتباره دليلًا على البراءة. ويقول إنّ احتمال عدم صحة الاتهامات قائم، وفي هذه الحالة ينبغي أن يكشف التحقيق الدولي ذلك بصورة واضحة، وأن يضع حدًا للشبهة التي تحيط بالسودان والقوات المسلحة. وفي المقابل، إذا أثبت التحقيق وقوع استخدام للأسلحة الكيميائية، فإنّ إنكار الواقعة أو تجنب آليات التحقق لن يحمي السودان من تبعاتها، بل قد يزيد من كلفتها القانونية والسياسية، فضلًا عن احتمال ترتب مسؤوليات على الأشخاص والجهات المتورطة وفقًا للقانون.
ويضيف أنّ أهمية التحقيق المستقل تكمن تحديدًا في قدرته على الانتقال بالقضية من مستوى الروايات السياسية المتعارضة إلى مستوى الأدلة العلمية والقانونية القابلة للفحص، معتبرًا أنّ الحقيقة، أيًا كانت نتيجتها، ينبغي أن تكون هي الهدف الأول.
ويقول: "إذا لم يحدث استخدام للأسلحة الكيميائية، فليظهر ذلك من خلال تحقيق مستقل، ولتسقط الشبهة بالدليل. وإذا ثبت الاستخدام، فلتُكشف الوقائع وتُحدد المسؤوليات وفقًا للقانون".
حتمية التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
يرى الختيم أنّ التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لا يمثل انتقاصًا من السيادة الوطنية، ولا ينبغي تقديمه باعتباره اعترافًا مسبقًا بالاتهام أو إدانة للجيش السوداني.
ويقول إنّ السودان، بانضمامه إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ارتضى أصلًا الالتزام بالقواعد والآليات الدولية التي تنظم التعامل مع الأسلحة الكيميائية، وبالتالي فإنّ تفعيل تلك الآليات لا يمثل خروجًا على السيادة، بل ممارسة لالتزام قانوني دولي.
ويشدد على ضرورة أن تبادر السلطات السودانية إلى طلب تحقيق مستقل من المنظمة، وأن تتيح للجهات المختصة الوصول إلى المعلومات والوثائق والمواقع والأدلة ذات الصلة، بما يسمح بفحص الاتهامات بطريقة مهنية ومستقلة.
ويضيف أنّ المبادرة إلى فتح التحقيق قد تكون، في تقديره، أقوى وسيلة متاحة للسودان في مواجهة اتهام بهذه الخطورة، لأنّها تنقل القضية من دائرة الاتهام السياسي إلى ميدان الدليل، وتمنح الدولة فرصة حقيقية لإثبات موقفها أمام جهة دولية متخصصة.
ويؤكد الختيم أنّ المصلحة الوطنية لا تتحقق، من وجهة نظره، بمحاولة إسكات الاتهامات أو تحويلها إلى مواجهة سياسية مع الولايات المتحدة، وإنّما بوضع الوقائع أمام المؤسسات التي تمتلك الخبرة الفنية والقانونية اللازمة للتحقق منها.
ويقول إنّ السودان لا يحتاج إلى حماية الحقيقة بالإنكار، ولا إلى مواجهة الاتهامات بالدعاية السياسية، وإنّما يحتاج إلى اختبارها أمام آليات تحقق مستقلة. فإذا ثبت عدم صحة الادعاءات، يكون التحقيق قد أسقطها بالدليل، وإذا ثبتت صحتها، فإنّ كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات يصبحان جزءًا من حماية الدولة والمجتمع، وليس تهديدًا لهما.
ويخلص الحقوقي السوداني إلى أنّ الموقف الوطني المسؤول، في قضية بهذا الحجم، ينبغي ألّا يكتفي بالنفي أو بالدخول في سجال مع الجهة التي أثارت الاتهام، بل يجب أن ينتقل إلى مواجهة المسألة من بابها القانوني الصحيح.
ويؤكد أنّ الطريق الأنسب، في تقديره، هو التعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وسائر الآليات الدولية ذات الصلة، وتمكينها من أداء مهمتها دون عوائق، باعتبار أنّ التحقيق المستقل هو الوسيلة التي يمكن من خلالها حماية حقوق الضحايا، وتحديد المسؤوليات، وتبرئة من تثبت براءته، ومساءلة من تثبت مسؤوليته.
ويختم حديثه قائلاً: إنّ "مصلحة السودان ليست في حماية الاتهام أو حماية نفيه، وإنّما في حماية الحقيقة نفسها"، معتبرًا أنّ الاحتكام إلى القانون والتحقيق المهني المستقل هو السبيل الأكثر ضمانًا لحماية الشعب السوداني وصون مستقبل الدولة ومؤسساتها.
وبينما تسعى القوى الإسلامية إلى تحويل حضورها العسكري خلال الحرب إلى نفوذ سياسي في مرحلة ما بعد القتال، وتواصل الأطراف الإقليمية والدولية حماية مصالحها داخل المشهد السوداني بتعقيداته أو بالأحرى تبايناته ومواقعه المتفاوتة، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضًا لكلفة استمرار الصراع. لذلك فإنّ اختبار المرحلة المقبلة لن يكون فقط في قدرة أيّ طرف على تحقيق مكاسب عسكرية، وإنّما في مدى إمكانية تفكيك اقتصاد الحرب، وضبط شبكات السلاح والتمويل، وإخضاع الانتهاكات المزعومة للتحقيق المستقل، وفتح مسار سياسي لا يعيد إنتاج بنية السلطة التي أسهمت في إطالة أمد النزاع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B11_2.png.webp?itok=ad1NcYSs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%88%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=FeYSSO0T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)