سجون داعش في سوريا.. بيئة احتجاز تهدد بإعادة إنتاج التطرف

سجون داعش في سوريا.. بيئة احتجاز تهدد بإعادة إنتاج التطرف

سجون داعش في سوريا.. بيئة احتجاز تهدد بإعادة إنتاج التطرف


16/09/2026

لم تعد سجون ومراكز احتجاز عناصر تنظيم «داعش» في سوريا مجرد أماكن لعزل آلاف الجهاديين عن ساحات القتال، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في مواجهة التنظيم، مع تزايد المخاوف من أن تتحول بيئات الاحتجاز نفسها إلى مساحة لإعادة بناء العلاقات التنظيمية ونقل الأفكار المتطرفة واستقطاب عناصر جديدة، خصوصًا في ظل ضعف برامج التأهيل وتعقيدات الملف الأمني والقضائي.

وتناولت صحيفة «النهار» هذا الملف في تقرير نشرته، مشيرة إلى أن تجربة معسكر بوكا في العراق، الذي احتُجز فيه أبو بكر البغدادي وعدد من الشخصيات التي برزت لاحقًا داخل التنظيمات الجهادية، لا تزال حاضرة باعتبارها نموذجًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها بيئة الاحتجاز إلى مساحة للتعارف وبناء الشبكات المتطرفة. ورغم وجود خلاف حول بعض تفاصيل اللقاءات التي جرت داخل المعسكر، فإن التجربة رسخت مخاوف من أن يؤدي جمع المتطرفين في أماكن احتجاز واحدة إلى نتائج تتجاوز مجرد عزلهم عن المجتمع.

وتزداد حساسية الملف في سوريا بسبب حجم منظومة السجون والمخيمات التي تشكلت بعد هزيمة «داعش» ميدانيًا وسقوط آخر معاقله عام 2019، إذ بقي آلاف المقاتلين قيد الاحتجاز إلى جانب أعداد كبيرة من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. ومع التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، انتقلت مسؤولية هذا الملف إلى واقع جديد يفرض على السلطات السورية التعامل مع إرث أمني وإنساني وقضائي بالغ التعقيد.

ويرى الخبير في الجماعات والحركات الراديكالية حسن أبو هنية أن المرحلة الانتقالية زادت من حساسية وضع السجون والمخيمات، بعدما كانت «قسد» تدير جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة بدعم أميركي. 

ويشير إلى أن مراكز الاعتقال كانت تعاني أصلًا نقصًا في البنية الصحية والتعليمية وبرامج التأهيل، بينما أدى التغيير الأمني والعسكري إلى ارتفاع المخاوف من عمليات فرار أو عودة المعتقلين إلى شبكات التنظيم.

في هذا السياق، نقلت الولايات المتحدة خلال الفترة الممتدة بين 21 كانون الثاني / يناير و12 شباط / فبراير 2026 نحو 5704 مقاتلين بالغين من «داعش» من سوريا إلى العراق، في خطوة هدفت إلى منع فرار جماعي للمعتقلين وتقليص احتمال عودة التنظيم إلى استثمارهم في إعادة بناء صفوفه. 

وتكشف عملية النقل حجم المعضلة التي باتت تواجهها الدول المعنية، في ظل صعوبة إبقاء آلاف المقاتلين داخل سجون تفتقر إلى الإمكانات اللازمة للحراسة والإدارة والتأهيل.

ولا تقتصر المشكلة على المقاتلين، فمخيمات مثل الهول وروج تضم أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال، ولا يمكن وضع جميع الموجودين فيها في خانة واحدة أو اعتبارهم أعضاء في التنظيم. لكن طول سنوات الاحتجاز، وضعف الخدمات التعليمية والاجتماعية، ووجود عناصر متشددة داخل المخيمات، كلها عوامل أبقت خطر انتقال الأفكار المتطرفة قائمًا، وفتحت المجال أمام استمرار عمليات التأثير والتلقين والتجنيد.

ويحذر الباحث في شؤون الإسلام السياسي حسام الحداد من أن «داعش» تعامل تاريخيًا مع السجون باعتبارها مخزونًا بشريًا يمكن استعادته عندما تتغير الظروف الأمنية، مستشهدًا بحملة «كسر الجدران» التي نفذها التنظيم في العراق وسوريا بهدف تحرير عناصره المحتجزين. 

وتكشف هذه التجربة أن السجن قد يتحول، في حال غياب الفصل بين المعتقلين والبرامج التأهيلية، من وسيلة لاحتواء الخطر إلى حلقة داخل البنية التي تساعد التنظيم على إعادة إنتاج نفسه.

وتزداد المخاطر مع استمرار أزمة المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، إذ لم تتوصل الدول إلى مقاربة موحدة بشأن إعادتهم ومحاكمتهم أو إدخالهم في برامج لإعادة التأهيل، الأمر الذي أبقى عبئًا كبيرًا على الدول التي تحتجزهم. وبينما ترفض دول عدة استعادة مواطنيها أو تتردد في اتخاذ خطوات قضائية بشأنهم، يستمر الملف في التحول إلى مشكلة أمنية وإنسانية عابرة للحدود.

وتشير المعطيات التي أوردها التقرير إلى أن «داعش» لم يتخل عن هدف تحرير عناصره المحتجزين وإعادة توظيفهم، في وقت تفرض فيه التحولات السورية إعادة ترتيب كاملة لمنظومة السجون والمخيمات. ومع انتقال المسؤولية الأمنية إلى مؤسسات الدولة السورية، تصبح السلطات أمام ملف يحتاج إلى إمكانات مالية وقضائية وأمنية متخصصة، في وقت لا تزال فيه عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها مستمرة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية