خدعة مذكرات هتلر... السبق الصحفي الذي تحول إلى فضيحة

خدعة مذكرات هتلر... السبق الصحفي الذي تحول إلى فضيحة

خدعة مذكرات هتلر... السبق الصحفي الذي تحول إلى فضيحة


14/09/2026

ترجمة عبود الجابري

في نيسان/أبريل 1983 اهتزَّ عالمُ الصحافةِ والتاريخِ باكتشافٍ بدا في البدايةِ أشبهَ بزلزالٍ معرفيٍّ، حيثُ أعلنتْ مجلةُ "شتيرن" الألمانيةُ أنّها حصلتْ على مذكّراتٍ شخصيةٍ سريةٍ لأدولف هتلر، لم تكن معروفةً من قبلُ، وأنّها تمتدُّ من عامِ 1932 إلى عامِ 1945، أي أنّها تغطي سنواتِ صعودِ هتلر إلى السلطةِ، وحكمِه لألمانيا، والحربِ العالميةِ الثانيةِ، وانهيارِ الرايخِ الثالثِ. لكن ما بدا كشفًا تاريخيًّا غيرَ مسبوقٍ سرعانَ ما أصبحَ واحدةً من أشهرِ الخدعِ الصحفيةِ في القرنِ العشرين.

وفي 25 نيسان/أبريل 1983 رتبتْ "شتيرن" مؤتمرًا صحفيًّا في هامبورغ للإعلانِ عن اكتشافِها/ وكانت المجلةُ قد بدأتْ بالفعلِ في الترويجِ للقصةِ قبلَ المؤتمرِ، وقبلَ الإعلانِ بثلاثةِ أيامٍ صرّحَ بيتر ويكمان، محررُ "شتيرن" في لندن، لهيئةِ الإذاعةِ البريطانيةِ بأنّ المجلةَ "مقتنعةٌ تمامًا" بأنّ المذكراتِ أصليةٌ، قائلاً إنّ المجلةَ لم تتعاملْ معها باستخفافٍ، وقد استعانتْ بخبيرٍ في تحليلِ الخطوطِ، وآخرَ في فحصِ أنواعِ الورقِ، وعرضتها على مؤرخينَ، بينهم المؤرخُ البريطانيُّ الشهيرُ هيو تريفور- روبر.

كانت المذكراتُ تتألفُ من نحوِ ستينَ دفترًا مكتوبًا بخطِّ اليدِ، وتشبهُ في شكلِها دفاترَ التمارينِ المدرسيةَ ذاتَ الأغلفةِ المقوّاةِ، وكانت تحملُ على أغلفتِها أختامًا وشعاراتٍ نازيةً، بينما بدتْ الصفحاتُ الداخليةُ مكتوبةً بخطٍّ ألمانيٍّ قوطِيٍّ متشابكٍ، يشبهُ خطَّ هتلر المعروفَ.

ولم يكن المحتوى أقلَّ إثارةً من شكلِ المذكراتِ، فقد صوّرتْ هتلر بطريقةٍ مختلفةٍ عن الصورةِ السياسيةِ المعتادةِ له؛ فتحدثتْ عن مشكلاتِه الصحيةِ البسيطةِ، ومنها انتفاخُ البطنِ ورائحةُ الفمِ، وعن علاقتهِ بإيفا براون، التي كانت تضغطُ عليه للحصولِ على تذاكرَ لحضورِ الألعابِ الأولمبيةِ. ووردتْ فيها إشارةٌ إلى إرسالِ برقيةِ تهنئةٍ إلى جوزيف ستالين بمناسبةِ عيدِ ميلادِه، ووصفِه بـ "الثعلبِ العجوزِ"، والأخطرُ من ذلك أنّ بعضَ صفحاتِها قدّمتْ هتلر كما لو أنّه لم يكن على علمٍ بالمحرقةِ التي كانت أجهزةُ نظامِه ترتكبُها ضدَّ اليهودِ وغيرِهم.

كان الصحفيُّ غيرد هايدمان هو الشخصيةَ المحوريةَ في قصةِ اكتشافِ المذكراتِ، فقد كان معروفًا في "شتيرن" بولعِه الشديدِ بتذكاراتِ الحقبةِ النازيةِ، وفي عام 1973 أرسلته المجلةُ لإعدادِ تحقيقٍ عن يختٍ كان مملوكًا لهيرمان غورينغ، الرجلِ الثاني في نظامِ هتلر، غير أنَّ هايدمان لم يكتفِ بإعدادِ القصةِ؛ فقد أنفقَ مبالغَ كبيرةً على شراءِ اليختِ وترميمِه، ودخلَ في علاقةٍ مع إيدا، ابنةِ غورينغ، التي ساعدته في التعرفِ إلى عددٍ من النازيينَ السابقينَ. ومن خلالِ هذه الشبكةِ من العلاقاتِ، ادّعى هايدمان أنّه وصلَ إلى مذكراتِ هتلر، وكانت روايتُه تقولُ إنّ المذكراتِ كانت على متنِ طائرةٍ تحطمتْ في نهايةِ الحربِ، وإنّها انتُشلتْ من الحطامِ وتمَّ إيداعها في مكانٍ متواضعٍ بينَ التبنِ، قبلَ أن تنتقلَ إلى جامعِ تحفٍ من ألمانيا الشرقيةِ، بينما تولّى "هايدمان" التفاوضَ على شرائها لحسابِ "شتيرن".

كان إغراءُ السبقِ الصحفيِّ هائلًا، فامتلاكُ مذكراتِ هتلر الأصليةِ يعني الحصولَ على مادةٍ يمكن أن تغيّرَ صورةَ واحدةٍ من أكثرِ الشخصياتِ إثارةً للجدلِ في التاريخِ الحديثِ، ممّا جعل "شتيرن" تدفع نحو 9.3 مليونَ مارك ألمانيّ، أي ما يعادلُ نحوَ 2.3 مليونَ جنيهٍ إسترلينيٍّ في ذلك الوقتِ، مقابلَ المجلداتِ، ثم وضعتها في خزنةٍ بسويسرا، في محاولةٍ للحفاظِ على سريةِ الاكتشافِ.

كان هيو تريفور-روبر، المعروفُ بلورد داكر، أوّلَ مؤرخٍ بارزٍ يفحصُ المذكراتِ، وكان قد اكتسبَ شهرةً كبيرةً بفضلِ كتابِه "الأيامُ الأخيرةُ لهتلر"، الصادرِ عامَ 1947، وأصبحَ من أبرزِ المؤرخينَ المتخصصينَ في هتلر، وكان أيضًا مديرًا مستقلًا لصحيفةِ "التايمز"، التي كان روبرت مردوخ قد استحوذَ عليها وعلى "صنداي تايمز" قبلَ عامينِ.

وصلَ تريفور-روبر إلى سويسرا وهو متشككٌ، لكنّ روايةَ اكتشافِ المذكراتِ، إضافة إلى الموادّ الضخمةِ المصاحبةٍ لها، أثرتْ فيه، بينما قيلَ له إنّ اختباراتٍ كيميائيةً أثبتتْ أنّ الورقَ يعودُ إلى ما قبلَ الحربِ. ورأى كميةً هائلةً من الوثائقِ والرسوماتِ والصورِ، قيلَ إنّ عددَها بلغَ نحوَ ثلاثمئةِ قطعةٍ، إضافةً إلى المذكراتِ نفسها، وبطاقاتٍ ووثائقَ شخصيةٍ ورسوماتٍ تعودُ إلى شبابِ هتلر، وبدتْ له ضخامةُ هذا الأرشيفِ دليلًا على أنّ عمليةَ تزويرِه ستكونُ شبهَ مستحيلةٍ.

اقتنعَ تريفور-روبر بالأصالةِ إلى درجةِ أنّه كتبَ في "التايمز" مقالًا يؤكدُ فيه صحةَ المذكراتِ، وذهبَ إلى أنّ بعضَ جوانبِ التاريخِ قد تحتاجُ إلى إعادةِ النظرِ إذا ثبتَ ما وردَ فيها، وبذلك تحوّلَ رأيُ المؤرخِ المرموقِ إلى شهادةٍ ذاتِ وزنٍ كبيرٍ في المعركةِ على حقوقِ النشرِ.

وهنا دخلتْ "صنداي تايمز" على الخطِّ، حيثُ كان روبرت مردوخ حريصًا على الحصولِ على حقوقِ نشرِ المذكراتِ، فسافرَ بنفسِه إلى زيورخ للتفاوضِ، لكنّ بعضَ الصحفيينَ في الصحيفةِ كانوا أكثرَ حذرًا،  فقد سبقَ للصحيفةِ أن وقعتْ في فخِّ مذكراتٍ مزعومةٍ لموسوليني عامَ 1968، قبلَ أن يتضحَ أنّها مزيفةٌ، وأنّ امرأتينِ مسنتينِ في إيطاليا كانتا وراء كتابة هذه المذكرات. ورغمَ تحفظاتِ رئيسِ التحريرِ فرانك جايلز، قررَ مردوخ المضيَّ قُدمًا،  فيما سارعتِ "صنداي تايمز" إلى نشرِ المذكراتِ على حلقاتٍ تحتَ عنوانِ "حصريٌّ عالميٌّ"، وذلك قبلَ مؤتمرِ "شتيرن" الصحفيِّ بيومٍ واحدٍ.

لكنّ المفاجأةَ وقعتْ عندما اتصلَ جايلز بتريفور-روبر للحصولِ على تطمينٍ نهائيٍّ، فقد اكتشفَ أنَّ المؤرخَ الذي كان قد شهدَ بأصالةِ المذكراتِ لم يعدْ واثقًا منها،  وقد بدأَ يشكُّ في القصةِ نفسِها، ولم يعدْ قادرًا على إثباتِ الصلةِ بينَ المذكراتِ والطائرةِ التي قيلَ إنّها حملتها، وقال لاحقًا إنّه تسرّعَ في حكمِه، بسبب التضحية بأساليب التحققِ التاريخيِّ المعتادةَ ، إلى حدٍّ ما، من أجلِ تحقيقِ سبقٍ صحفيٍّ.

كان بإمكانِ "صنداي تايمز" إيقافُ الطباعةِ وتغييرُ الصفحةِ الأولى، لكنّ مردوخ رفضَ التراجعَ، ووفقًا لروايةِ الصحفيِّ فيليب نايتلي، قال مردوخ ما معناهُ إنّ تردُّدَ داكر لا يهمُّ، وإنّ الصحيفةَ ستنشرُ القصةَ على أيِّ حالٍ.

وفي مؤتمرِ "شتيرن" الصحفيِّ، ازدادَ المشهدُ إحراجًا، فبينما كان رئيسُ التحريرِ بيتر كوخ يؤكدُ أنّه "مقتنعٌ تمامًا" بأنّ هتلر كتبَ كلَّ كلمةٍ، كان تريفور-روبر نفسه يتراجعُ عن موقفِه، وأمامَ الأسئلةِ المتلاحقةِ اعترفَ بأنّه بدأَ يشكُّ في المذكراتِ، وأنّه لم يحققِ بالأمر بشكلٍ كافٍ، قبلَ أن يشهدَ بأصالتِها. ثم ظهرَ رجلٌ كان أكثرَ حسمًا من المؤرخينَ والصحفيينَ جميعًا: تاجرُ التوقيعاتِ الأمريكيُّ "تشارلز هاميلتون" الذي قال إنّه "شمَّ رائحةَ التزويرِ" فورًا عندما رأى صفحاتِ المذكراتِ،  وأكَّدَ أنَّ توقيعَ هتلر لا يبدو أصليًّا، ولم يحتجِ الأمرُ إلى وقتٍ طويلٍ لإثباتِ شكوكِه.

خلالَ أسبوعينِ تقريبًا، كشفت الفحوصُ الجنائيةُ الحقيقةَ، فقد أثبتَ التحليلُ الكيميائيُّ أنّ الورقَ والغراءَ والحبرَ المستخدمَ في المذكراتِ لم تُصنعْ إلا بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وثبتَ أنّ توقيعَ هتلر مزيفٌ، وأنّ النصوصَ نفسها مليئةٌ بالأخطاءِ التاريخيةِ والعباراتِ الحديثةِ والمعلوماتِ التي لم يكن هتلر قادرًا على معرفتِها في زمنِ الأحداثِ.

وبدأتِ الخيوطُ تقودُ إلى "كونراد كوجاو"، وهو فنانٌ ومزوّرٌ بارعٌ لتذكاراتِ النازيينَ، واتضحَ أنّه مؤلفُ المذكراتِ الحقيقيُّ، ولم يكن كوجاو قد اعتمدَ على خيالِه وحده؛ فقد نسخَ أجزاءً كبيرةً من كتابِ "ماكس دوماروس" عن خطبِ هتلر وتصريحاتِه، ونقلَ حتى بعضَ الأخطاءِ التاريخيةِ الموجودة في الكتابِ

ولكي يجعلَ المذكراتِ أكثرَ واقعيةً، أضافَ كوجاو تفاصيلَ يوميةً متخيلةً عن حياةِ هتلر، مثل شكوى إيفا من رائحةِ فمِه، وانشغالِه بالعملِ، وذهابِه إلى مكتبِ البريدِ لإرسالِ البرقياتِ، وحاولَ إضفاءَ مظهرٍ قديمٍ على الدفاترِ بسكبِ الشايِ عليها وضربِها على مكتبِه. وحتى أغلفةُ المذكراتِ كشفتْ عن أخطاءٍ؛ فقد كتبَ الأحرفَ الأولى «FH» بدلَ «AH» في بعضِها. أمّا المفارقةُ الكبرى فكانت أنّ بعضَ الوثائقِ التي قدّمها هايدمان للخبراءِ باعتبارِها نماذجَ أصليةً لخطِّ هتلر كانت هي الأخرى من صنعِ كوجاو، وهكذا استخدمَ المزورُ تزويرَه السابقَ لإثباتِ صحةِ تزويرِه الجديدِ.

أُلقي القبضُ على كوجاو، واعترفَ بدورِه، بل كتبَ اعترافَه بخطِّ هتلر لإثباتِ قدرتهِ على تقليدِه، وفي عامِ 1985 أُدينَ بالاحتيالِ والتزويرِ وحُكمَ عليه بالسجنِ أربعَ سنواتٍ ونصفًا.

لكنّ الفضيحةَ لم تنتهِ عند كوجاو، فقد اكتشفَ المحققونَ أنّ هايدمان بالغَ في الأسعارِ التي زعمَ أنّ المصدرَ طلبها، وأنّه اختلسَ أموالًا من المبالغِ التي دفعتها "شتيرن" لتمويلِ أسلوبِ حياتِه الباذخِ وولعِه بشراءِ التذكاراتِ النازيةِ. وفي عامِ 1985 أُدينَ هو الآخرُ وحُكمَ عليه بالسجنِ 4 سنواتٍ و8 أشهرٍ. وظلَّ هايدمان يؤكدُ أنّه خُدعَ مثلَ الآخرينِ، بينما أصرَّ كوجاو على أنّ الصحفيَّ كان يعلمُ أنّ المذكراتِ مزيفةٌ.

ومع ذلك، حققت الفضيحةُ نتيجةً مفارقةً؛ فقد ارتفعَ توزيعُ "صنداي تايمز" بسبب القصةِ، بينما لم يتحمل مردوخ الخسارةَ الماليةَ كاملةً، لأنّه كان قد اشترطَ أن تعيدَ "شتيرن" الأموالَ التي دفعتها الصحيفةُ إذا ثبتَ أنّ المذكراتِ مزيفة. وهكذا أصبحتْ "مذكراتُ هتلر" مثالًا تاريخيًّا صارخًا على خطورةِ أن يتحولَ السبقُ الصحفيُّ إلى هدفٍ يتقدّمُ على الحقيقةِ. 

المصدر: BBC CULTURE

مايلز بيرك / Myles Burke / خبير في الإعلام المرئي المسموع يعمل في BBC، حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة غلاسكو.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية