
في قلب مشروع جماعة الإخوان المسلمين في المجتمعات الغربية تقف كلمة واحدة تتكرر في أدبياتهم ووثائقهم الداخلية وتصريحات مُنظّريهم: التمكين. ليست هذه الكلمة شعاراً دعوياً عابراً، ولا مصطلحاً فقهياً يُستدعى في سياقات الوعظ فقط، بل هي مفهوم مركزي أعيد بناؤه عبر أجيال، حتى صار الإطار النظري الذي ينظم علاقتهم بالمجتمعات غير المسلمة.
فهم التمكين يعني فهم المنطق الذي يحكم كثيراً من نشاط الجماعة في الغرب، من بناء المؤسسات إلى الخطاب الحقوقي، ومن التحالفات السياسية إلى إدارة السرديات.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 صدرت دراسة أمريكية مطولة بعنوان "التسلل الاستراتيجي لجماعة الإخوان المسلمين إلى المجتمع الغربي: تحليل منهجي".
وخلصت إلى أنّ مفهوم التمكين ليس مجرد مصطلح دعوي، بل الإطار النظري والاستراتيجي الناظم لكل نشاط الجماعة في المجتمعات الغربية.
الجذور القرآنية وإعادة البناء الاستراتيجي
تعود كلمة التمكين إلى الجذر العربي "مكّن"، الذي يعني ثبّت أو منح سلطة. وفي القرآن ترد في سياقات تتحدث عن منح الله المؤمنين استقراراً في الأرض بعد الابتلاء، كما في سورة الحج. غير أنّ الدراسة الأمريكية تُظهر كيف أعادت جماعة الإخوان منذ تأسيسها عام 1928 توظيف هذا المعنى الغيبي ليصبح مشروعاً سياسياً مرحلياً. لم يعد التمكين انتظاراً لتدخل إلهي، بل عملية منظمة تبدأ من الفرد وتنتهي بإعادة ترتيب المجتمع وفق تصور شامل للإسلام كدين ودولة وحضارة.
هذا التحول، بحسب تحليل ISGAP، هو ما يميز استخدام الإخوان للمفهوم عن الاستخدام التقليدي. فالجماعة حولت التمكين إلى عقيدة تدمج بين الإحياء الروحي والسيطرة المؤسسية التدريجية، وجعلت منه التزاماً دينياً يبرر الصبر الطويل والعمل عبر الأجيال.
حسن البنا: التمكين كتدرج منظم
حسن البنا هو من وضع اللبنة الأولى. في رسائله، خاصة "رسالة التعاليم"، قدّم تصوراً يبدأ بتربية الفرد تربية إيمانية، ثم بناء الأسرة، فالجماعة المنظمة، ثم التأثير في المجتمع، وصولاً إلى الحكم. الدراسة الأمريكية تؤكد أنّ هذا التدرج لم يكن مجرد حكمة عملية، بل رؤية ترى في الإسلام نظاماً شاملاً لا يكتمل إلا إذا امتد إلى كل مجالات الحياة. التمكين عند البنا يعني بناء قاعدة بشرية وتنظيمية قادرة على حمل المشروع عبر الزمن، بعيداً عن منطق الانقلاب السريع.
الأهم، كما توضح الدراسة، أنّ البنا منح هذا المسار طابعاً صبوراً. كان يدرك أنّ الوصول إلى الحكم دون تهيئة اجتماعية وتنظيمية يؤدي إلى الفشل. لذلك ركز على التعليم والمؤسسات الموازية والخدمات الاجتماعية، معتبراً أنّ بناء الرجال يسبق بناء الدولة. هذه الفكرة ظلت حاضرة في أدبيات الجماعة حتى اليوم.
سيد قطب: التمكين في مواجهة الجاهلية
مع سيد قطب اكتسب المفهوم بُعداً أكثر حدة. في "معالم في الطريق" أعاد تعريف الواقع المعاصر بوصفه جاهلية جديدة، معتبراً أنّ المجتمعات الحديثة ـ بما فيها المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة ـ قد خرجت عن حاكمية الله. التمكين هنا يصبح استعادة لسيادة غائبة عبر قطيعة جذرية مع النظام القائم. الدراسة تشير إلى أنّ أفكار قطب أضفت على التمكين طابعاً وجودياً، وجعلت الهدف يتجاوز الإصلاح الجزئي إلى إعادة تأسيس المجتمع بالكامل.
ورغم أنّ الجماعة الرسمية حافظت في كثير من مراحلها على خطاب أكثر مرونة، إلا أنّ إرث قطب ظل يغذي الشعور بأنّ الغاية النهائية لا تتوقف عند الاندماج أو المشاركة الشكلية.
القرضاوي: تكييف التمكين مع واقع الأقليات
يوسف القرضاوي هو من أعاد صياغة المفهوم ليلائم واقع المسلمين في الغرب. من خلال فقه الأقليات وفقه الأولويات والوسطية، قدّم إطاراً يسمح بالمشاركة في الأنظمة الديمقراطية والاستفادة من الحريات القانونية دون التخلي عن الهدف البعيد. الدراسة الأمريكية ترى في هذا التكييف ذروة المرونة الاستراتيجية. التمكين لم يعد يعني السيطرة الفورية، بل بناء مؤسسات موازية، والحفاظ على هوية متميزة، وتوسيع المساحات المتاحة تدريجياً داخل المجتمع المضيف.
القرضاوي، بحسب التحليل، جعل من الخطاب الحقوقي والديمقراطي أداة لا غاية. المشاركة في الانتخابات والدفاع عن الحريات الدينية وبناء المدارس والمراكز كلها خطوات في مسار طويل يهدف إلى تمكين التصور الإسلامي داخل المجتمع الغربي.
علي الصلابي: التمكين بين المواجهة والمؤسسة
في المرحلة الأحدث، يمثل علي الصلابي (مواليد 1963) نقلة نوعية في صياغة التمكين. وُلد في ليبيا وتلقى تعليمه في السعودية والسودان، وشكّلت تجربته خلال الحرب الأهلية الليبية وروابطه الوثيقة بقطر نهجه الأكثر مواجهة. الدراسة الأمريكية تخصص مساحة واسعة لتحليل فكره، معتبرة إيّاه محاولة لتركيب ما سبقه: تدرج البنا، وثورية قطب، وبراغماتية القرضاوي، مع إضافة بُعد أكثر صراحة للجهاد.
يختلف الصلابي عن أسلافه في ثلاث نقاط أساسية؛ أوّلاً، يدمج صراحة أشكال الجهاد المختلفة في نموذج التمكين. فهو يتحدث عن "الجهاد بجميع أشكاله: جهاد اللسان، وجهاد العمل، وجهاد قتال أعداء الله، وجهاد الحراسة، وجهاد الإعداد". هذا التوسع يجعل الجهاد مكوّناً أصيلاً من عملية التمكين، لا مجرد خيار في سياقات محددة كما كان الحال عند القرضاوي.
ثانياً، يعكس الأولوية التقليدية للإخوان. فبينما ركز البنا على بناء القاعدة الاجتماعية قبل السعي إلى السلطة، يرى الصلابي أنّ إقامة الدولة الإسلامية يجب أن تسبق الدعوة الشاملة. الدولة عنده هي "الحصن الواقي" و"الحاضنة" للدعوة والتعليم وتطبيق الشريعة. هذا الانعكاس في التسلسل يعكس ما تسميه الدراسة "الأسلمة المتمحورة حول الدولة".
ثالثاً، يطور الصلابي نموذجاً من أربع مراحل للتمكين: تجنيد انتقائي للأفراد الملتزمين، ثم إعدادهم وتدريبهم (بما قد يشمل مهارات قتالية)، ثم مرحلة "الغلبة" أي الاستيلاء على السلطة السياسية، وأخيراً توطيد الحكم الإسلامي وتوسيعه. الجهاد هنا هو الأداة الرئيسية لمرحلة الغلبة.
وترى دراسة ISGAP أنّ تأثير الصلابي يظهر بوضوح في موقف الجماعة من حركات المقاومة، خاصة حماس، وفي تبنّي مفهوم "الجهاد الشامل" الذي يحوّل الأنشطة الإعلامية والمالية والسياسية إلى أشكال من الجهاد. ويسهم أيضاً في طمس الحدود بين المشاركة المؤسسية والمواجهة، من خلال تأطير المشاركة السياسية نفسها كشكل من أشكال الجهاد.
بهذا المعنى، يمثل الصلابي محاولة لتجاوز التوتر التاريخي بين النهج الثوري والنهج المؤسسي، عبر تركيب يجعل المواجهة جزءاً أصيلاً من مسار التمكين، حتى داخل السياقات الغربية.
لماذا يبدو التمكين خطيراً في السياق الغربي؟
خطورة المفهوم، كما تؤكد دراسة ISGAP، تكمن في طبيعته المزدوجة. فهو يجمع بين الشرعية الدينية التي تحول النشاط السياسي إلى واجب، وبين الصبر الاستراتيجي الذي يمتد على أجيال، وبين المرونة التكتيكية "المرحلية" التي تسمح بالتكيف مع الظروف دون التنازل عن الغاية. بهذا المعنى لا يحتاج التمكين إلى عنف مباشر في المجتمعات الغربية. يكفي بناء شبكة من المساجد والمدارس والجمعيات الطلابية والمنظمات الحقوقية، ثم استخدام الخطاب الديمقراطي لحماية هذه الشبكة وتوسيع نفوذها.
النتيجة ما تسميه الدراسة "التطرف غير العنيف": مشروع يرفض الأسس الفلسفية للديمقراطية الليبرالية بينما يستفيد من آلياتها. التمكين لا يعلن رفضه للنظام القائم بشكل صريح في كل مرحلة، لكنّه يعمل بهدوء على خلق واقع موازٍ يعيد ترتيب الأولويات والقيم داخل المجتمع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/d75ab779-6302-4a96-acb3-a0d3a609f929.png.webp?itok=FdohTLGV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_0.jpg.webp?itok=yjIsT6Ut)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_1.jpg.webp?itok=WKn20MSM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_1.jpeg.webp?itok=uAvCka4Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OKTCKgZtwcCcv31Zk2bmcniJ3kORlwy5goE0U5rMthIKXjRhuYJEp6_t0Ad4EA1xVCRcTrywnKWe0GFojxYJj5HkBy6w0kd7wmfBtg1mDevbO9Kz6kgr1sZkM-FwBdAzC_fZohbyyGGs2WjtzcB9ngCV8fQa1aYSlbLYG-MS9sLySn7cMJkF5dQ2tTIu7xu4.jpg.webp?itok=of_lbOvB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4.jpg.webp?itok=AC-l0jqy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86_6_4_0_0.jpg.webp?itok=BPcCJC9B)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA_25_0.jpg.webp?itok=vNsDaLCz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_134_0.jpg.webp?itok=FGvBNOih)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83_25.jpg.webp?itok=ILOKs7sV)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/gTGVJYA8Soq88WhZ87SZT86l-NhktgxZXrXBWLD5U4-gW74rQPSDc5KkiAElerlGJDpkVinqV_IVub3fiLsTcaIFgS4YFRi540cvVyjFl6q6YwV5GPba4BZAwc66ROVfLjG_fhvGomuAwALIwgPZrpkkNDn3WZZb6Eq0wPFCKW1xDN7N9GpASNMGhz3hniMt%20%281%29.jpg.webp?itok=8wWXHyWI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/GDwvCo_zMvwWviO1UBjZOIncr8lBppACdNT5J2TgfLKiQt_Gch5Mbarh28Jo_9qBwcr2yCAGeE6sde8thVaLC2axkS3EdFlt0lVf9sRMY3oGNK4DR-i8hDLKVbVwbGpBttMNqPlZ0db_UOo4RUv8BtbOP3ye6_zuKhmtGTMdUL1NuxY8S1_j8dcMOIUPl9Ht%20%281%29.jpg.webp?itok=nS9xUUct)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%81%D9%88%20%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A_0_0.jpg.webp?itok=EJjTBX-M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ViYLxN7VkltvpvRG-BjwxijOzunHI9I_yZcM-e_K1TvKFCw4ds6oGRnGjeoTuODbDJZmxErM8WUpMaoSmGVs1o2jjcTozGzw4UwThDP3UDzeljr5wkQNDW3VWrMykNYUsRHwLAOMXx7_q52ErSNBggk2RD-IprWZcNisyCgWBHQYHnnJWha4GC1CQRvIuX5h%20%281%29.jpg.webp?itok=iKGLY69d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nRjzF_-ZA1AGIM2f-2zucMkw8_uIZR_E3-ENSrjra5vQcBsnwMfivF2GQ_eU1iAARfCiKY-mPo68OUGdBa4NiOCs0ZowbQgPdYj4NMtbglKJFfGXQ8Tg8MJIUZzzWF-zvkjBAREwNYK1-yzjSywb8CkssaXdXJBjSNFv2Wd1Rmat3n5L2J34VDHQwywuOo2_%20%281%29.jpg.webp?itok=AIGjtSpY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84_0.png.webp?itok=JrmJPh7m)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HSaTjAtPISGoYoJMGPujwOC4TOU0xJpCxDmpRSIBvc94v0l_De8T-XgPsVK83y89ScYt6-eZNtkkH79PtvjpCPcPTj7rf-KLgRq0T-XLWZmYpv2ZBFKC7VkZUaOqa-DgPz2JB57ZYQ8qfZZWf2ouSpGZooyHwCrLOuSfjGM47wAu0fXuAiBcRoKuGuk__yv3%20%281%29.jpg.webp?itok=GGyp2cTN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/HHRtQyysZbF0IsEiyGiEZKf1ErV2yrq1-DIV9JDL9Ea-U42ySG26AhLkGx4aRrvXrGW3a-dsfoYN135TImYBxnP0hT98P-6BkwWNswOStJnPRoU-VCiP1Bf1IEcOSKkhvJJHgKmaZ6DeJI58qCX6GOpjD1tmn7QClHujb4AwIBO4ScyqzMqfIetVxvwha7iT%20%281%29.jpg.webp?itok=WCx_0Fzx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7_82_1_2_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=--QJOt8O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
