التصعيد الحوثي هل يصبح اختباراً لاتفاقية مكة؟

التصعيد الحوثي هل يصبح اختباراً لاتفاقية مكة؟

التصعيد الحوثي هل يصبح اختباراً لاتفاقية مكة؟


11/08/2026

معتز أبو سمرة

المشهد السياسي والأمني في شبه الجزيرة العربية واليمن يواجه انعطافة حساسة إثر التصعيد الحوثي المستمر ضد الحكومة اليمنية الشرعية المدعومة من الرياض. يأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الدقة، عقب توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، مما يضع بنود هذه الاتفاقية ومصداقية التحالف الثلاثي الجديد أمام اختبار استراتيجي مبكر، خاصة إذا ما قررت ميليشيا الحوثي، بدعم إيراني، توسيع نطاق عملياتها لتمس مواقع أمنية أو نفطية في العمق السعودي.

وتفرض استراتيجية الحوثيين القائمة على استخدام المسيرات المفخخة زهيدة الثمن تحدياً هيكلياً وغير تقليدي لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، لا سيما في ظل كون الاتفاقية حديثة التوقيع ولا تزال تفتقر للآليات التنفيذية والهياكل العملياتية على الأرض.

وتعتمد هذه الاستراتيجية على معادلة استنزاف مالية وعسكرية حادة للطرف الآخر؛ فالمسيرة المفخخة الواحدة قد لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، بينما تتطلب منظومات الدفاع الجوي التقليدية صواريخ اعتراضية تتجاوز قيمتها ملايين الدولارات. هذا الفارق يجعل تفعيل بنود الدفاع المشترك عبر استدعاء قدرات تقليدية أمراً غير ذي جدوى اقتصادية أو عسكرية، ما لم تكن هناك حلول تكنولوجية مضادة للمسيرات تشترك الأطراف في تطويرها وتجهيزها.

ما رشح عن اتفاقية مكة أنها قائمة على نموذج الردع التقليدي للحروب بين الدول، كافتراض هجوم عسكري كلاسيكي.

بينما تندرج هجمات المسيرات الحوثية ضمن أنماط الصراع في المنطقة الرمادية، حيث تستخدم جهات من غير الدول وسائل عسكرية منخفضة الكلفة لتحقيق أهداف استراتيجية دون الانخراط في حرب تقليدية مباشرة. هذا الغموض يجعل مسألة اعتبار هجوم بمسيرة مفخخة بمثابة عدوان يستوجب الرد الجماعي التلقائي أمراً مشكوكاً فيه سياسياً وقانونياً بين الدول الثلاث، مما يهدد بشلل قرار التفعيل.

والجانب الأكثر تعقيداً في الاتفاقية يظهر الفجوة الواضحة بين النصوص النظرية للدفاع المشترك وبين الجاهزية الميدانية والعملياتية على أرض الواقع.

فتفعيل أي بند للدفاع المشترك يتطلب وجود قيادة عسكرية مشتركة، وبروتوكولات موحدة للقيادة والسيطرة، وغرف عمليات لتداول المعلومات الاستخباراتية بشكل لحظي. حتى اللحظة، لا توجد شبكات ربط راداري أو استخباري مسبقة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد مخصصة لترصد واعتراض المليشيات غير النظامية، مما يجعل التنسيق الفوري عند اندلاع أي هجوم أمراً في غاية الصعوبة.

فضلاً عن تحديات بيئة مسرح العمليات والجغرافيا، فتغطية المساحات الشاسعة للمملكة العربية السعودية وحماية المنشآت النفطية والحيوية تتطلب دراية دقيقة بطبيعة التضاريس وأنماط التسلل الحوثي عبر الحدود. إن استدعاء أو إشراك عناصر أو خبرات خارجية يواجه عقبة تكييف تلك القوات مع بيئة المسرح الجنوبي، والقدرة على التمييز بين الأهداف السريعة في ظل غياب التغطية الاستخباراتية الميدانية المباشرة لهذه القوات داخل اليمن.

وغياب التجارب الميدانية المشتركة السابقة بين الدول الثلاث يجعل استجابة الاتفاق في مراحله الأولى محصورة في الدعم الدبلوماسي أو التبادل الاستخباري المحدود، بدلاً من التدخل المباشر أو الردع الفوري، نظراً لأن كل طرف يمتلك أولويات عقائدية وعسكرية مختلفة في الإقليم.

وإذا ما واصلت الميليشيا الحوثية استخدام هذه المسيرات لتوجيه ضربات نوعية لعمق المنشآت الحيوية في الأراضي السعودية، ستجد الدول الموقعة نفسها أمام معضلة سياسية؛ فإما التدخل والرد العسكري وما يحمله ذلك من مخاطر الانخراط في حرب استنزاف مفتوحة بالوكالة، أو الاكتفاء بالإدانة والبيانات السياسية، وهو ما سيفرغ بند الدفاع المشترك من مضمونه الردعي في أيامه الأولى ويظهر الاتفاق كترتيب ورقي يفتقر للفاعلية.

وتختلف نظرة كل طرف لتهديد المسيرات؛ فالرياض تراه تهديداً سيادياً واقتصادياً مباشراً يمس أمن الطاقة، بينما قد تنظر أنقرة وإسلام آباد للهجمات الحوثية كصراع إقليمي محلي يتطلب معالجات سياسية واستخباراتية بدلاً من الانزلاق لنشر قوات أو الدخول في مواجهة مباشرة مع الأطراف الداعمة للميليشيا.

إذا كانت اتفاقية مكة تعد تحولاً مفصلياً في هندسة الأمن الإقليمي، حيث تجمع بين الثقل الاقتصادي والاستراتيجي السعودي، والخبرة العسكرية الباكستانية، والقدرات التكنولوجية والصناعية العسكرية لتركيا، فإن الاستراتيجية التي يتبناها الحوثيون قد تفرض تحديات وإحراجاً لهذا الاتفاق في بدايته، وربما يستوجب معه التعجيل بنقل الاتفاقية من إطارها السياسي إلى المسار الفني والتكنولوجي، عبر التأسيس لمنظومات رصد وطائرات مسيرة مضادة وبناء غرف عمليات مشتركة للحروب غير المتماثلة بدلاً من الاعتماد على مفاهيم الردع العسكري التقليدية.

ويُقرأ التصعيد الحوثي كرسالة ميدانية ذات بعد إقليمي، تُختبر من خلالها قدرة التكتل الثلاثي الجديد على التحرك الجماعي. وتسعى طهران عبر حلفائها الإقليميين إلى استكشاف مدى جدية بند الدفاع المشترك، وما إذا كان سيتجسد في خطوات عسكرية وعملياتية ملموسة، وهو احتمال يبدو مستبعداً في المرحلة الراهنة، أم سيبقى في إطاره السياسي، مقتصراً على بيانات الشجب والإدانة.

بالفعل نحن أمام اختبار قد يضع اتفاق مكة أو أي اتفاقيات أخرى مشابهة على المحك؛ وربما يكشف القدرات أو يحرج الأطراف الموقعة بأكثر مما تحتمل أو بأسرع مما كانت تتصور.

فارتفاع وتيرة التهديدات غير المتماثلة لا يمنح هذه التفاهمات الدفاعية أطراً زمنية كافية للنضج أو التدرج في بناء شبكات السيطرة والربط اللوجستي. هذا الفارق الزمني بين البناء والاستجابة كفيل بكشف الثغرات العسكرية ومدى قدرة تلك التفاهمات في التعامل مع التحديات الأمنية المتلاحقة.

وهذه هي المعضلة الحقيقية في هندسة التحالفات الأمنية الحديثة؛ فالتحدي الأكبر لا يكمن في التوقيع والبيانات التأسيسية، بل في السرعة التي تتلاحق بها الأزمات الميدانية لتفرض اختبارات واقعية ومبكرة قبل اكتمال بناء الهياكل العملياتية للاتفاق، وهذه ربما تكون الحقيقة المرة.

ميدل إيست أونلاين




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية