
شهدت الساحة الأكاديمية والفكرية العالمية في الخامس عشر من تمّوز (يوليو) 2026 رحيل أحد أبرز أعمدتها، المفكر الأمريكي الكبير البروفيسور جون. إسبوسيتو، تاركاً وراءه مجال دراسات الدين المقارن والعلاقات الدولية في حاجة إلى تفعيل وتقويم. لم يكن إسبوسيتو مجرد أستاذ جامعي يبحث في بطون الكتب، بل كان رائداً فكرياً شجاعاً سخّر عمره ومسيرته العلمية في بناء جسور التفاهم والتعايش بين الشرق والغرب، وتفكيك أوهام "الصِدام الحتمي" التي روجت لها خطابات الكراهية والتيارات الإقصائية في البيئات الغربية والبيئة الإسلامية.
لقد تميز مسار الراحل بالنزاهة العلمية والجرأة في قول الحقيقة وتفنيد الأحكام المسبقة ضد الإسلام والمسلمين. وفي عالم عصفت به الأزمات السياسية وصعود ظاهرة "الإسلاموفوبيا" تمكّن إسبوسيتو من تقديم مقاربات عقلانية تعتمد على الحقائق والبحث الميداني لا على الأساطير السياسية أو التحيزات الإيديولوجية. وقد تجسد هذا المنهج الإنساني الرفيع في إرث علمي زاخر وغزير سيظل حاضراً لعقود من الزمن يلهم الباحثين ويصوب مسار السياسات الدولية، من خلال منظومة مؤلفات استثنائية تحولت إلى مراجع أساسية لا غنى عنها في كبريات الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية.
البحث عن الحقيقة
تأتي في طليعة هذه المؤلفات دراسته العميقة في كتاب "الإسلام: الطريق المستقيم"، وهو الكتاب الذي قدّم فيه قراءة وافية وشاملة لعقيدة الإسلام وتاريخه وتطوره، محاولاً تقريبه للقارئ الغربي برؤية موضوعية خالية من تشويهات الاستشراق التقليدي. ولم يقف عند حدود الشرح التاريخي، بل واجه الأوهام السياسية المعاصرة مباشرة في كتابه الشهير "التهديد الإسلامي: حقيقة أم خرافة؟"؛ حيث فكك فيه ببراعة المخاوف المبالغ فيها والسيناريوهات المفزعة التي صاغتها الدوائر الغربية حول البعث الديني، مؤكداً أنّ الإسلام ليس مهدداً للحضارة الإنسانية بل هو جزء إيجابي متكامل منها.
ومع تسارع الأحداث السياسية وظهور جماعات العنف الديني، لم يتردد إسبوسيتو في تشريح المشهد بحيادية تامة في كتابه "الحرب غير المقدسة: الإرهاب باسم الإسلام"، وهو المؤلف الذي وضع فيه النقاط على الحروف، مبيناً كيف يتم اختطاف النصوص الدينية لخدمة أجندات سياسية ضيقة، ومفرداً مساحات واسعة لتبرئة الأغلبية الساحقة من المسلمين من وزر التطرف. ولعل من أهم مؤلفاته كتابه الاستشرافي "مستقبل الإسلام"، الذي صاغ فيه خريطة طريق واضحة لمعالم العلاقات الإسلامية-الغربية في القرن الحادي والعشرين، مرسخاً فكرة حتمية الحوار المبني على الاحترام المتبادل والاعتراف بالخصوصيات الثقافية.
مستقبل الإسلام
ويسعى كتابه"مستقبل الإسلام" إلى فهم الصراع من أجل الإصلاح الإسلامي، أحياناً من أجل إعادة اكتشاف روح الإسلام والتعددية السياسية والدينية والثقافية للمسلمين، في مواجهة التحديات في الدول الإسلامية والغرب من أجل توضيح الجدل القائم حول الإصلاح الإسلامي لمواجهة التطرف الديني والإرهاب، والنظر في مستقبل العلاقات الإسلامية الغربية".
يهدف الكتاب إلى تفكيك ظاهرة "الإسلاموفوبيا" ومواجهة الجهل الغربي الذي انتشر بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، سعياً إلى بناء جسر متين للتفاهم الإنساني. وينطلق إسبوسيتو في أطروحته من دحض الأفكار النمطية، مؤكداً أنّ الإسلام لا يدعو إلى العنف أو نشر العقيدة بالسيف، بل يقوم على جوهر أخلاقي وسماحة أصيلة. ويثبت أنّ قيم العدالة والشورى متجذرة لدى المسلمين، وأنّ أزمة غياب الديمقراطية والحداثة ناتجة عن إشكالات سياسية، لا عن أصل الدين ومبادئه. وفيما يخص قضايا الإرهاب، يوضح المؤلف بالأرقام أنّ التيارات المتشددة ليست سوى أقلية هامشية لا تمثل أغلبية المجتمعات المسلمة، مفرقاً بدقة بين "النص" الثابت و"السياق" الواقعي المتغير، ويعيد تقديم الشريعة الإسلامية كمرشد أخلاقي وقانوني شامل لتحقيق العدالة، نافياً الصورة المشوهة عنها كأداة للكبت. وفي ختام تحليله يناقش الكتاب أزمة هوية الأقليات المسلمة في الغرب وتحديات تعايشها في ظل صعود اليمين المتطرف وسياساته، خالصاً إلى أنّ السياسات التدخلية الغربية في الشرق الأوسط هي المغذي الأول للاحتقان، وأنّ مستقبل العلاقات بين الطرفين يظل مرهوناً بالفهم المتبادل واحترام خصوصية الشعوب واختياراتها.
ويؤكد جون إسبوسيتو أنّ "مستقبل الإسلام مستقبلنا جميعًا. فالإسلام والمسلمون هما جزء لا يتجزأ من التاريخ العالمي، بل من المجتمعات الأمريكية والأوروبية. وفي عالم، حيث نخضع دائمًا لفكرة "نحن" و"هم"، يجب ألَّا ننكر اختلافاتنا، بل نسمو فوقها ونؤكد على إنسانيتنا المشتركة لنكتشف "أننا" سواء، شئنا أم أبينا، نتواصل ونتداخل بعضنا مع بعض في بناء مجتمعاتنا وعالمنا ككل".
إنّ رحيل جون إسبوسيتو في هذا التوقيت يمثل خسارة فادحة للفكر الإنساني والجهود الدولية الهادفة لتقريب الرؤى بين الأديان والثقافات. ومع ذلك، فإنّ الإرث العلمي والمعرفي المضيء الذي تركه وراءه سيبقى بمثابة المنارة الهادية والركيزة الفكرية المتينة التي ستواصل تغذية العقلانية والإنصاف، وتضمن بقاء جسر التفاهم قائماً وراسخاً مهما اشتدت عواصف الأزمات.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_13_0_0.jpg.webp?itok=zM_2p5AG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D8%B1%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%8A_5.jpg.webp?itok=V_LtmeJb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1_0.jpeg.webp?itok=y3SeYLL3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/vnXftEgrfkO1CGM4zGgpuo55bYYqqWhVbB03QWvXHraNNsEDZ2aVBAkUs5c2tU8YcfGycikZJ3jMOhlWlLJq0O-lOyXc0dnbNuOSEjJet2NJ0V3SFV4xt-hJbQFQIeCDow379WL_U-cB-oSyAfJ_qgitFMqtv5XFbMJ-YOK5wHYavNyGtfEhkusfmBbCSYbf.jpg.webp?itok=F8oCHltZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_11_0_1_0.jpg.webp?itok=IWdVqLIR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88.png.webp?itok=eu5RJzX1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_0_0_0.jpeg.webp?itok=CuBtOjGE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0101_1_11_0.jpg.webp?itok=iFMtJzCq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_64_0_0_0.jpg.webp?itok=J6-HjAus)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_2_1.jpg.webp?itok=PcOhi24A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1_0.jpg.webp?itok=gmXBdafb)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_1.jpg.webp?itok=Ph3gYkX2)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_170_0_0.jpg.webp?itok=uBanyx7g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-07-22%20121756.png.webp?itok=Tg08poTc)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

