دراسة: الإخوان يعيدون إحياء خطاب "المظلومية" عبر حملات رقمية مكثفة

دراسة: الإخوان يعيدون إحياء خطاب "المظلومية" عبر حملات رقمية مكثفة

دراسة: الإخوان يعيدون إحياء خطاب "المظلومية" عبر حملات رقمية مكثفة


21/07/2026

شهد الخطاب الإعلامي والرقمي لجماعة الإخوان المسلمين، في الأسابيع الأخيرة، تصاعداً لافتاً ومكثفاً تمحور بشكل أساسي حول ملف عناصرها المحكوم عليهم في قضايا مختلفة. هذا التحول الممنهج رصدته وحللته دراسة حديثة صادرة عن "مركز رع للدراسات الاستراتيجية" بالقاهرة، أعدتها الباحثة الدكتورة أسماء دياب، المديرة التنفيذية للمركز ورئيسة برنامج دراسات التطرف والإرهاب.

وتحت عنوان: "هندسة المظلومية... كيف توظف جماعة الإخوان المحكوم عليهم من عناصرها؟"، فككت الدراسة أبعاد هذه الحملة وخلفياتها الإيديولوجية وأهدافها التنظيمية في هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها التنظيم.

تصعيد رقمي موحد وتسييس الملف القانوني

ترصد الدراسة وجود قفزة نوعية في وتيرة النشاط الإعلامي لمنصات الإخوان؛ إذ تجاوز معدل النشر اليومي على الصفحة الواحدة 10 منشورات تركز حصراً على ملف السجناء. ولم يقتصر هذا النشاط على الحسابات التقليدية المعروفة للجماعة، بل ترافق مع إنشاء صفحات رقمية جديدة خصصت محتواها بالكامل لهذا الملف، مع توحيد واضح وصارم في المفردات والشعارات والعناوين المستخدمة بين مختلف المنصات.

ويعكس هذا التزامن والتوحيد، بحسب الباحثة، انتقال القضية من مجرد ملف فرعي في الخطاب الإخواني إلى أولوية استراتيجية يجري الدفع بها بصورة مكثفة.

وتوضح الدراسة أنّ أبعاد هذه الحملة تجاوزت مجرد المطالبة التقليدية بالإفراج عن السجناء أو تحسين أوضاعهم؛ إذ اتسعت لتربط بين هذا الملف وقضايا متباعدة كلياً في طبيعتها. فقد سعت المنصات إلى ربط ملف المحكوم عليهم بمطالب عودة نظام الإخوان، وإحياء سرديات المظلومية الكبرى المرتبطة بأحداث عام 2013، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر توظيف قضايا مجتمعية ورياضية لا صلة لها بالسياسة.

وتضرب الدراسة مثالاً جلياً على ذلك بالهجوم الإخواني الممنهج على احتفاء المصريين بمنتخبهم الوطني لكرة القدم، حيث حاولت المنصات تقديم السجناء المحكوم عليهم باعتبارهم "الأبطال الحقيقيين"، في محاولة واضحة لمصادرة مفهوم البطولة وحصره في قيادات الجماعة، وتحويل المجال العام إلى ساحة للمقارنة الرمزية بين رموز الدولة والمجتمع من جهة، ورموز التنظيم من جهة أخرى.

التأصيل الفكري للمظلومية في أدبيات حسن البنا

تتبعت الدراسة الجذور الفكرية لهذه الحملة، مؤكدة أنّه لا يمكن فهم آلياتها الحالية بمعزل عن الموقع المركزي الذي تحتله "المظلومية" في تاريخ وإيديولوجيا الجماعة.

فمنذ نشأة التنظيم لم يتعامل الإخوان مع فترات السجن والمحاكمات باعتبارها نتائج قانونية طبيعية لممارستهم العنف أو خروجهم على القانون، بل وظفوها كعنصر تأسيسي لبناء هويتهم الجماعية وصناعة كاريزما الابتلاء. لقد دأبت الجماعة على تحويل ملاحقاتها وإعدامات قياداتها إلى أدوات لإنتاج صورة ذاتية تقدم العضو الإخواني بوصفه صاحب رسالة مقدسة يتعرض للاضطهاد والظلم بسبب تمسكه بالحق.

وتكشف الدراسة أنّ الحملة الراهنة ليست اجتهاداً إعلامياً وليد اللحظة، بل هي تطبيق حرفي لمرتكزات فكرية أرساها المؤسس حسن البنا، فقد جعل البنا "التضحية" الركن الخامس من أركان البيعة العشرة، محدداً إيّاها ببذل النفس والمال والوقت والحياة في سبيل الغاية.

وترى الدراسة أنّ هذه الصياغة الفكرية تهدف إلى "هندسة" عقل العضو الإخواني وتدريبه على أنّ الصدام مع الدولة ومؤسساتها هو مسار طبيعي وحتمي. ونتيجة لهذه الهندسة النفسية تعيد الجماعة تفسير كل حكم قضائي أو حالة توقيف باعتبارها دليلاً راسخاً على صحة منهجها واستمرار "الابتلاء الإلهي" الموعود، وليست عقوبة جنائية على أعمال تخريبية أو عنيفة.

التعبئة الوجدانية والالتفاف على الحقيقة القانونية

من أهم ملامح هذه الاستراتيجية الإعلامية، كما تفككها الدراسة، أسلوب "التعبئة الوجدانية"، حيث يكشف الرصد الدقيق للمحتوى المنشور عن تغافل متعمد ومخطط له لمناقشة الجوانب القانونية للقضايا، والتركيز، بدلاً من ذلك، على الأبعاد الإنسانية والعاطفية.

فالمنصات الإخوانية تتجنب تماماً ذكر تفاصيل الأحكام القضائية، أو الأدلة الجنائية، أو طبيعة التهم الموجهة لعناصرها، وتركز حصراً على إبراز عمر الشخص، وسنوات احتجازه، ومعاناة أسرته، وعرض صوره الشخصية المشرقة قبل دخوله السجن.

ويهدف هذا النمط الدعائي إلى إحداث عملية إزاحة عقلية لدى المتلقي، بنقله من مساحة النقاش العقلاني حول المسؤولية الجنائية والقانونية إلى مساحة التعاطف الوجداني المجرد مع المعاناة الإنسانية.

وفي هذا الإطار الاستراتيجي يجري استبدال المصطلحات القانونية مثل "المحكوم عليهم" أو "المتهمين" بمصطلح "المعتقلين". ويؤدي هذا الإجراء اللغوي وظيفة سياسية ونفسية بالغة الأهمية؛ فهو ينفي، ضمناً وبشكل مبطن، شرعية الدولة والقضاء والأحكام الصادرة، ويقدم القضايا الجنائية والوقائع القضائية المثبتة باعتبارها مجرد نتاج لمواقف سياسية وانتقامية.  

وتحلل الدراسة ظاهرة تقنية تسميها "صناعة الانتشار"، وهي تزامن الكثافة الدعائية مع ظهور جيل جديد من الصفحات والحسابات الرقمية التي تتبنّى الخطاب ذاته والمفردات نفسها.

وترى الباحثة أنّ هذا التكتيك يُعبّر عن رغبة الجماعة في الهروب من المأزق الذي تواجهه منصاتها التقليدية المعروفة، التي باتت مكشوفة تماماً للرأي العام وتواجه جموداً وثباتاً في قاعدة متابعيها، فضلاً عن تصنيفها المباشر كأدوات تحريضية تابعة للتنظيم.

وتتيح الصفحات والمجموعات الجديدة، التي تظهر بأسماء تبدو حقوقية أو إنسانية مجردة، الوصول إلى شرائح مجتمعية وجغرافية جديدة لم تكن تتابع المنصات القديمة.

ومن الناحية الإعلامية، تهدف هذه التعددية الرقمية الخادعة إلى خلق انطباع زائف بأنّ قضية السجناء تحظى بحضور واسع وزخم مجتمعي عفوي، وليست مجرد حملة مركزية تدار من الغرف الإعلامية للتنظيم.

كذلك تسعى الجماعة، من خلال هذه التعددية، إلى تحويل الماضي وتفاصيله القضائية إلى قصة درامية مثيرة تقوم على ثنائية "الضحية والجلاد"، مستعينة بوقفات احتجاجية محدودة في الخارج لإعطاء إيحاء كاذب بأنّ الملف ما يزال حاضراً بقوة على الطاولة الدولية.

دلالات إحياء السردية وعلاج التصدع التنظيمي

تخلص الباحثة في دراستها إلى جملة من الدلالات التي تفسر توقيت وأهداف هذه الحملة الإعلامية المركزة، حيث تدرجها ضمن محاولات الحفاظ على البقاء الرمزي للجماعة في ظل تراجع قدرتها على الفعل السياسي الواقعي.

وتنقسم هذه الدلالات إلى محورين رئيسيين:

ـ البحث عن مساحة إجماع داخلي: تعيش جماعة الإخوان، منذ أعوام، حالة غير مسبوقة من الانقسام الداخلي الحاد والتشظي الهيكلي بين جبهات متنافسة، كجبهتي لندن وإسطنبول. وفي ظل هذا التصدع، يمثل ملف السجناء والمحكوم عليهم إحدى القضايا النادرة التي تحظى بإجماع وتوافق القواعد المتفرقة. إنّه ملف عاطفي يسمح بتأجيل الصراعات الداخلية العميقة حول القيادة والتمويل والرؤية المستقبلية، لصالح معركة رمزية مشتركة تمنح القواعد شعوراً بالوحدة والتماسك.

ـ التعويض الرمزي عن العجز الميداني: تكشف الكثافة الدعائية الرقمية عن إدراك الجماعة لعجزها الكامل عن التأثير في الشارع العربي أو تحريك المؤسسات الدولية الفاعلة؛ الأمر الذي دفعها إلى نقل ثقل نشاطها إلى الفضاء الرقمي، بوصفه المجال الأكثر قدرة على المحافظة على حضورها الرمزي وإعادة إنتاج خطابها التعبوي. وفي هذا السياق تتحول الحملات الإعلامية إلى بديل عن الفعل السياسي المباشر، إذ تُستخدم لإبقاء القضية حاضرة في الوعي العام، وتعزيز التماسك الداخلي، واستقطاب المتعاطفين، وإيصال رسائل التنظيم إلى جمهوره، بما يسمح له بالحفاظ على حضوره في المجال العام رغم تراجع قدرته على التأثير الميداني.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية