
خالد زغريت
للحظات التاريخية منطقها وشروطها وظروفها، وفكرة إحيائها وهمٌ مخالف لقوانين الحياة البشرية. وأخطر ما يُستغل فيه التاريخ أن يُعاد إنتاجه في مفرخة الإيديولوجيا، فالإيديولوجيا غرفة إنعاش فاسدة للتاريخ.
تستغل الإيديولوجيا كثيرًا أقوال العظماء والمفكرين في توصيف التاريخ، ولا سيما أن تلك المقولات متطورة ومتعددة ومتجددة بتجدّد الزمان والمكان. فهو سفر مفتوح لا تكاد تُطوى صفحاته؛ ففي كل زمان ومكان ينظّر الساسة والمفكرون لأثر التاريخ في حركة تطور الحضارات والأمم. فمنهم من يراه كيمياء يصنّع معادلاته بما يدعم إيديولوجيته، ومنهم من يراه أصلًا وفروعه تجدد جذعه، ومنهم من يراه ديناميكية إعادة العظمة للأمم وهي سمة خاصة ببعضها لا تلبث أن تعيد مجدها. والوصف الذي يكاد يكون الأقرب إلى الحقيقة أن التاريخ مدفن الماضي المقدس عند الشعوب كافة، غير أن الإيديولوجيين يعملون على إحيائه لاستنطاق شهادته حول مسارات أدلجتهم. وأكثر من يحيي التاريخ هم عجزة صنّاع الحاضر، أو الذين لفظتهم الحضارات الجديدة، فتنحوا إلى هامش الحاضر، ولجؤوا إلى التاريخ بوصفه دار عجزة لفكرهم السياسي الذي لا يدخلهم باب حضارة زمنهم.
قيل الكثير في التاريخ انطلاقًا من رؤى إيديولوجية، على الرغم من أن الحداثة نادت بالانقطاع عن التاريخ ونقله إلى متحف اعتباري، والعلمانية كذلك رأته سجنًا يحبسها عن الانطلاق في الحياة المعاصرة، أما دعاة الأصولية المتطرفة فوجدوا فيه وقفًا للزمن عند مرحلة أنشأت أصوليتهم.
وثمة فئة واسعة تجتزئ مقولة ماركس في التاريخ: “التاريخ يعيد نفسه”، وتبني عليها مقولاتها، متجاهلة الحكمة الكامنة في تتمة القول: “إن التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ المرة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة”. وهذا يعني أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا مسخًا مشوّهًا لحقيقته. أما مارك توين فرأى أن “التاريخ قد لا يعيد نفسه، ولكنه يتشابه كثيرًا”. وتلك مقولة تستجيب لفكرة تشابه أحداث الوجود، لا لتكرار تجاربه إلا عند الفاشلين الذين يكررون التاريخ في زمن لا يشبه زمنه، وفكر لا يشبه فكره، وأدوات متخلفة عن زمنها.
وفي سياق الأقوال في التاريخ، اتخذ المفكر البريطاني شيموس ميلن إحياء التاريخ بوصفه حارسًا أمينًا للحضارات التي لا تلبث أن تستيقظ من غفوتها لتنتقم لحضاراتها التي اندثرت وبادت. ينطلق ميلن في أفكاره عن انتقام التاريخ من وهم إيديولوجي يسكنه ويتحكم في أفكاره وخياله السياسيين، فهو معروف كأحد أساطين الفكر اليساري والاشتراكي، ورأس حربة تنظير التوجهات اليسارية الحادة، وأبرز صقور نقد السياسة الخارجية الغربية، وخاصة السياسات الأمريكية والبريطانية.
لا نغالي إن وصفنا رؤية ميلن لحركية التاريخ تطرفًا فكريًا أنتجه الوهم الإيديولوجي، فهو يجعل كتابه “انتقام التاريخ” معركة القرن الحادي والعشرين، سردية جدلية في صبغة تحليل نقدي للأحداث العالمية بين 2001 و2012، وأهمها هجمات الحادي عشر من سبتمبر على مانهاتن وما تبعها من غزو أميركا لأفغانستان والعراق. وفي سياق تلك الأحداث يتعقب ميلن آثار نظام “السوق الحر” الذي يراه فشلًا مثلما فشلت التدخلات العسكرية الغربية.
وبمقابل هذه السردية التهديمية لقوى الغرب وأميركا، يبالغ في تعظيم صعود الاقتصاد الصيني، وتمجيد التحولات الاجتماعية التي غزت أمريكا اللاتينية، وأخيرًا يرى أن حركة الربيع العربي إنما هي مسمار في نعش الهيمنة الغربية.
يتخذ ميلن هذه الأحداث دليلًا على بداية تلاشي الهيمنة الأمريكية والغربية (الإمبريالية)، وإرهاصات ردة عالمية إلى الصراعات الطبقية والبحث عن العدالة الاجتماعية، ويجعل التاريخ يستيقظ من سباته ليكرر تجاربه، ولا سيما الاشتراكية. ومن غير شك، هذه الرؤية تؤكد أن آفة تفكير ميلن هي الأدلجة؛ فمن حق كل مفكر أن يكون مؤدلجًا في انتمائه الشخصي، أما الفكر فيجب ألا يكون مؤدلجًا، لأن الأدلجة تعمي الفكر وتحوله إلى فكر دعائي مقيّد، لا فكرًا استراتيجيًا منفتحًا.
ولا أدل على إخفاق رؤى ميلن من الحقائق التي يعيشها العالم الراهن والتي تنقض أفكاره وتدحضها، ولا سيما أن الواقع يثبت عمليًا تعملق النفوذ الأمريكي وجبروت قطبيته في الأحداث الأخيرة. أما الصعود الصيني فهو فكر رغبوي إيديولوجي، لأن الصين وإن تكن تتعملق بذاتها فإنها تتعملق لذاتها، ولا تنتقل إلى التأثير في توجه العالم الذي يستسلم لتعملق أمريكا في قيادة العالم ورسم خريطته وفق نفوذها.
أما الربيع العربي فتآكل ذاتيًا، وتحول إلى إخفاق تاريخي في سفر الثورات العالمية؛ فمنها ما ارتد إلى حاكمية استبدادية، ومنها ما أعاد نمط السلطات التي ثار عليها. أما روسيا فانتهت عظمتها إلى حرب استنزافية أخرجتها من فاعليتها العالمية. كل ذلك يعزز قيادة أمريكا للعالم وهيمنتها عليه، ويدحض رأي ميلن في انتقام التاريخ، ويزيد غرق فكره في وهم الإيديولوجيا وسرابها التاريخي.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7_10_1.jpg.webp?itok=JgZXoDkS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_79_0_0.jpg.webp?itok=JoN3q9Y3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_24_3_0.jpg.webp?itok=BbiqTZf_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_3.jpg.webp?itok=Q4simpCI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B9%D8%AF%20%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D9%83%D8%A7%D8%AA%20%D9%88%D8%AE%D9%8A%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%AA%20%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_0.jpg.webp?itok=8feaKdWJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B2%D9%88%D9%91%D8%B1%D8%A9_1.jpg.webp?itok=y0NNhzS_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_12_2_0_0.jpg.webp?itok=AhqSa9zA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%AA_1_0_1.png.webp?itok=q8lYu9u_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1_0_3_2_0_1.png.webp?itok=KZ4aIl-t)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_4.jpg.webp?itok=GKYTnOWe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_127_0_0.jpg.webp?itok=ugQTH-Up)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_5_1_0_3_0.jpg.webp?itok=4fNjnbd7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/998f23e6-96f8-411e-9bf2-790b602921ca.png.webp?itok=8qzm2hkp)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1DSf20GdSOuqTcb5oTVxHNrKFIBmIU31yHMRZdN9Hox6vtEIeX4Lb61Rw87zVA6_UMPtu8vNtKDK_R5jVmtCbIDJC0lX-m0GJDCrICSxKG-2CJeNxUYtlVgw3GO24AnqN5v33z7-3agYfLRVjTtRY_0DHLjSsfvJKplpLbaxIXJSXvUUfe9HDlSUNJbDQL2W%20%281%29.jpg.webp?itok=kjRp-3UQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/_Is5Qs9Tj7-DO6QqN9tlNHJ0ciGQdhk1Xy4HopQGlwSstLiBt85IOj50xbDwrcUfKcRbkFFtBvHorhC_ryEhMU5FJ8OoFR47cIHTtuXs6fPvuv3ExkMCZUCV_NPSzGqz4QKiAJAJ2lLBd4Ln6T24JY6XU2rbaZBg5GVg1fI8ZmUtt8hufAdOTaNjVXHKOxH4%20%281%29.jpg.webp?itok=THeqc_6L)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/news-240423-sudan.harb__0_0_0_0_1_0.jpg.webp?itok=IaVQN1E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B3%D9%8A%D9%84_0_1.jpg.webp?itok=Avz3S74g)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/5H2mK5LTDe2wX4369ozLuSHhgt7Uhz1SJarKfStYKg91fjJPStY_kRRncOem9zEL8YcqKuG9d95SMGnn1wTFXmbQcYjPVTmQlhQjk9gyNyBj-yHr9rfZPYyW6k9hlqJZ-FzgwoN9VHyhxYs8NrIsoxCfRgN9441gbOxhHVqEOC_JHLzveJHhpu15-n4PQt4O%20%281%29.jpg.webp?itok=GbkwgDN0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/yrUPkob4ak7vpMn1SRcEv5tLTUYc68C9ITcEMUQsnW4CSvmC3CTwwPnvorMsFp5-THys6D79GxT423FXIRcsE7x1g0q_AwTNmmAHKLQH0Pt47mRP0RA9ty8-tcXFd2mXVGXMCxKD9vD6FgJFrqmIQBIae0768OkQg3VDuw6WJuWusdenrvILUum1CXHtHQGo%20%281%29.jpg.webp?itok=DbY2je40)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

