مأساة الأُبيض: عندما يتحول المدنيون إلى وقود للحرب وأداة للدعاية الإخوانية

مأساة الأُبيض: عندما يتحول المدنيون إلى وقود للحرب وأداة للدعاية الإخوانية

مأساة الأُبيض: عندما يتحول المدنيون إلى وقود للحرب وأداة للدعاية الإخوانية


06/07/2026

تشهد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، فصلاً جديداً وقاسياً من فصول الصراع السوداني الممتد، حيث لم تعد المدينة مجرد هدف عسكري تقليدي في حسابات السيطرة والنفوذ، بل تحولت إلى نموذج صارخ لظاهرة توظيف الملف الإنساني كأداة لإدارة المعركة العسكرية والإعلامية. إن قراءة المشهد الميداني والسياسي الراهن في الأبيض تتجاوز رصد التحركات العسكرية السطحية، لتكشف عن بنية استراتيجية معقدة تنتهجها المجموعات المسلحة ومليشيات الحركة الإسلامية المتحالفة مع الجيش السوداني، وهي استراتيجية تقوم على تفخيخ الواقع الإنساني لخدمة غايات ميدانية أوسع نطاقاً.

لعل الفهم الحقيقي لأزمة الأبيض يتطلب تفكيك عناصرها الميدانية والإعلامية، وتحليل الأبعاد الكامنة وراء هذا التصعيد والدعاية المكثفة التي تصاحبه.

تكتسب الأبيض أهمية استراتيجية فائقة؛ فهي العصب الجغرافي والاقتصادي والرابط اللوجستي الأساسي بين العاصمة الخرطوم ووسط البلاد من جهة، وإقليمي كردفان ودارفور من جهة أخرى.

ويشير سلوك المليشيات الإسلامية داخل المدينة إلى تحول في التكتيك العسكري عقب إحكام سيطرتهم عليها، بدلاً من إعداد المدينة وتأهيلها، حيث ركّزت هذه المليشيات جهودها على إغلاق كافة الطرق والمنافذ المؤدية إلى خارج الأبيض، مانعةً المدنيين والنازحين من المغادرة.

هذا الإجراء يحمل دلالتين عسكريتين:

خلق حزام حماية بشري: عن طريق استخدام الكثافة السكانية العالية كدروع بشرية، وهو ما يعيق ديناميكية أي هجوم عسكري خارجي، ويفرض كلفة أخلاقية وعسكرية باهظة على الطرف المهاجم.

الاستغلال الإعلامي- الدعائي: ذلك أنّ إبقاء المدنيين داخل منطقة النزاع يضمن توفير "مادة بشرية" للاستثمار الإعلامي والسياسي فور حدوث أي مواجهة، مما يتيح للجيش والمليشيات فرصة تسويق الضحايا كدليل على وحشية الخصم، ومحاكاة السيناريوهات التي استُخدمت سابقاً في الفاشر ومخيم زمزم.

بالتوازي مع الحصار الميداني، تدير الآلة الدعائية للإخوان المسلمين حملة تضليل إعلامي واسعة النطاق تعتمد على فكرة "الرواية الاستباقية". ويقوم هذا النمط من الدعاية على ضخ كميات ضخمة من المواد المفبركة والمعدلة، والترويج لاتهامات وسيناريوهات مسبقة الصنع حول انتهاكات وشيكة شديدة الفظاعة، يُزعم أنّ قوات "تأسيس" تعتزم ارتكابها في الأبيض.

من الناحية التحليلية، تحقق هذه الحرب الإعلامية عدة أهداف تكتيكية، أبرزها صناعة غطاء سياسي دولي عبر استدعاء مواقف وإدانات مسبقة من المجتمع الدولي وبعض الدول بناءً على افتراضات لم تحدث بعد، مما يمنح الجيش شرعية سياسية ودولية لعملياته العسكرية الحالية تحت لافتة "حماية المدنيين". وكذا إسكات الأصوات الداخلية المعارضة، حيث ترافق هذه الحملة تصفية معنوية وترهيب لكل الأصوات المستقلة والناشطين داخل الأبيض الذين يطالبون بالتحقق المستقل أو يوثقون الانتهاكات الداخلية، حيث يتم تصنيف أي رأي مغاير كـ "طابور خامس".

مناورة الستار الدخاني وتوجيه الأنظار عن شمال كردفان

التحليل الأعمق للمشهد يكشف أن الضجيج الإعلامي المستمر والمركز حول الأبيض ليس إلا "ستاراً دخانياً" (Smokescreen) مصمماً بدقة؛ لتعمية العيون وصرف أنظار المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية عن التحضيرات العسكرية الضخمة والانتهاكات الجسيمة، التي ترتكبها المليشيات الإسلامية في جبهات أخرى داخل الولاية. فبينما يتجه الاهتمام الإعلامي العالمي نحو الأبيض، تتحرك عناصر المليشيات الإسلامية في محاور أخرى معتمدة على العنف المفرط والقصف العشوائي أثناء تقدمها، مما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، وممارسة عمليات سلب ونهب واسعة لممتلكات المواطنين.  ويمكن القول إنّه كلما زادت الانتهاكات والحشد العسكري في شمال كردفان، ارتفعت حدة النبرة الدعائية والتحذيرات الاستباقية حول الأبيض لشغل الرأي العام.

ولا يقتصر الحصار على الجانب العسكري، بل يمتد إلى فرض سياسة التجويع والإنهاك الاقتصادي الممنهج. فمنع حركة النقل والخدمات والتحكم في انسياب السلع قد أدى إلى قفزات جنونية في أسعار المواد الأساسية وخلق حالة من الهلع المستمر بين السكان.

وعليه، تهدف المليشيات الإخوانية من وراء هذه الخطوة إلى تحويل المجتمع المحلي إلى كتلة هشّة تفتقر لأبسط مقومات الصمود، مما يسهل قيادتها وتطويعها، ويمنع نشوء أي حراك مدني مناهض لسيطرتها داخل المدينة، فضلاً عن توجيه أصابع الاتهام في هذا التدهور المعيشي إلى الحصار الخارجي المفروض من قوات الدعم السريع، مبرئين أنفسهم من مسؤولية الأزمة.

إن ما يحدث في الأبيض يمثل تجسيداً مأساوياً لتحول دماء الأبرياء ومعاناتهم اليومية إلى مجرد أوراق ضغط في صراع عسكري وسياسي لا يرحم. فالمدنيون هناك محاصرون بين شقي الرحى: حصار مادي يمنعهم من النجاة بأنفسهم لاستخدامهم كدروع بشرية، وكذب إعلامي يزيف واقعهم ويستغل مخاوفهم لتبرير معارك عسكرية في جبهات أخرى.

ومن ثمّ، يصبح من الواجب الأخلاقي والمهني على المنظمات الدولية ووسائل الإعلام المستقلة التوقف عن التعاطي السطحي مع الروايات الجاهزة التي تصدرها الآلة الدعائية للإخوان المسلمين، والبدء في الضغط الحقيقي لفتح ممرات آمنة فوراً لإنقاذ السكان، مع توجيه الأنظار نحو جبهات شمال كردفان المنسية لتفكيك خيوط هذه اللعبة العسكرية الدموية قبل فوات الأوان.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية