
يمثل توم براك أحد أبرز الوجوه في استراتيجية واشنطن لإعادة صياغة الشرق الأوسط، حيث يتجاوز دوره حدود الدبلوماسية التقليدية المعروفة، حيث يوصف بانه "مهندس إقليمي" يسعى إلى إعادة تركيب التوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة،ويتبنى مشروعا يستند لمقاربات جديدة وغير معهودة في المنطقة، جوهرها دمج الملفات المتشابكة والمعقدة في مسرح واحد، وتحويل الأزمات إلى مختبرات سياسية لإنتاج ترتيبات جديدة، مع التركيز على الطاقة كأداة مركزية لإعادة توزيع النفوذ، وقد جعلت منه هذه الرؤية شخصية محورية بارزة في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
ووفقا لرؤيته، لا يتعامل براك مع سوريا والعراق كملفين منفصلين، بل كقوس جيوسياسي مترابط هدفه الأساسي مواجهة النفوذ الإيراني وضبط الممرات البرية وشبكات التهريب والفصائل المسلحة، فسوريا التي كانت تُعرف بأنها دولة مأزومة، تتحول حسب خطته إلى مساحة لإعادة الاصطفاف بين القوى الكبرى والإقليمية، بينما يُوظف العراق لضبط الحدود والممرات الحيوية،هذا الدمج يعكس انتقال واشنطن من إدارة أزمات منفصلة إلى إدارة منظومة مترابطة، حيث تصبح السيطرة على الطرق والمعابر شرطاً لإنتاج السلطة.
وتشكل مشاريع الطاقة الركيزة الأساسية في خطط براك، من خلال بناء خطط لإحياء خطوط استراتيجية مثل خط كركوك–بانياس، خط الغاز العربي، ومشروع خط غاز قطر–تركيا، فهذه المشاريع ليست مجرد بنية تحتية، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ بعيداً عن مضيق هرمز الذي يمثل نقطة قوة لإيران، و لإدراكه أهمية الاقتصاد في صياغة النفوذ السياسي والأمني يركز على الطاقة كمدخل لإعادة هندسة المنطقة، بحيث تصبح شبكات الغاز والنفط شرايين تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر سوريا والعراق، ما يعزز قدرة واشنطن على التحكم في مسارات النفوذ.
من أبرز ملامح رؤيته إعادة تعريف مفهوم السيادة. فالدولة، وفق هذا النموذج، تبقى قائمة بالاسم والعلم، لكن وظائفها تتوزع بين شركاء محليين ودوليين. هذا النموذج يتيح لواشنطن إدارة المنطقة دون الدخول في احتلال مباشر أو تحمل كلفة سياسية عالية، ويجعل من الممكن بناء منظومة أمنية–اقتصادية مترابطة تربط الخليج بتركيا وأوروبا. في هذا السياق، يسعى براك إلى تقليص نفوذ إيران عبر تعزيز دور تركيا والأردن كممرات بديلة للطاقة، وإيجاد بدائل اقتصادية تقلل من اعتماد المنطقة على الممرات التي تسيطر عليها طهران.
رغم وضوح رؤية براك،الا ان التحديات التي تواجه رؤيته ما زالت كبيرة، وفي مقدمتها النفوذ الإيراني في العراق وسوريا الذي يمثل العقبة الأكبر، حيث تمتلك طهران شبكة واسعة من الفصائل المسلحة والممرات البرية التي يصعب ضبطها، بالاضافة الى الانقسامات الداخلية في العراق وسوريا،حيث تجعل من إعادة بناء البنية التحتية للطاقة مهمة شاقة، علاوة على ان تثبيت التحالفات مع أنقرة والرياض وأبوظبي ليس أمراً مضموناً، إذ تتغير مواقف هذه العواصم وفقاً لحساباتها الداخلية والإقليمية، ما يفرض على واشنطن مرونة دبلوماسية عالية لمواكبة التحولات، يضاف الى ذلك وهو الاهم العراقيل والتحفظات الاسرائيلية على مقاربات براك الاستراتيجية، وهو ما يظهر فيما يبدو انه تناقضات بين واشنطن وتل أبيب.
وفيما يتعلق بمالات جهود براك، فيرجح ان هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية الأول: النجاح التدريجي، حيث يتم ربط مشاريع الطاقة بالأسواق الأوروبية وتثبيت التحالفات مع تركيا والخليج، بما يتيح تقليص النفوذ الإيراني تدريجياً، والثاني هو التعثر الجزئي، حيث تستمر سوريا والعراق كمختبرات سياسية دون قدرة على التوسع لانتاج منظومة إقليمية أوسع، لتبقى المشاريع مجرد مخططات على الورق، أما الثالث فهو الفشل الاستراتيجي، وهو السيناريو الذي قد يحدث إذا تمكنت إيران من عرقلة المشاريع عبر نفوذها العسكري والسياسي، أو إذا فشلت واشنطن في تثبيت تحالفاتها، مما يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة دون قدرة على إنتاج ترتيبات جديدة.
ومن المرجح ان تحقق سيناريو نجاح براك يتطلب تعزيز المرونة الدبلوماسية لمتابعة التحولات في مواقف الحلفاء، والاستثمار في البنية التحتية للطاقة كأداة استراتيجية لتقليص النفوذ الإيراني، وتطوير آليات مشتركة لمراقبة المعابر والحدود بما يقلل من قدرة الفصائل المسلحة على تعطيل المشاريع، كما أن توظيف سوريا والعراق كمختبرات سياسية قد يتيح إنتاج نماذج حكم جديدة قابلة للتعميم على المنطقة، مع ضرورة ضمان أن ترتيبات الطاقة لا تنفصل عن ترتيبات الأمن، بحيث يشكلان منظومة واحدة متكاملة.
وفي الخلاصة،فان توم براك يجسد دور "المهندس الإقليمي" الذي يحاول إعادة صياغة الشرق الأوسط عبر ثلاث أدوات رئيسية: دمج الملفات الأمنية والسياسية في مسرح واحد، تحويل الأزمات إلى مختبرات سياسية، وبناء شبكات طاقة بديلة تعيد رسم خريطة النفوذ، وسيحدد نجاحه أو فشله شكل النظام الإقليمي الجديد، حيث تتداخل الجغرافيا مع الاقتصاد والأمن في معادلة واحدة، ويصبح مستقبل المنطقة مرتبطاً بقدرة هذه الجهود على تجاوز التحديات وتحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
ومع ذلك فان الملامح و المؤشرات الاولية لنتائج مشروع براك تشير الى نجاحات يمكن الاشارة اليها في سوريا والعراق، لا سيما على صعيد التحولات الداخلية، بما فيها إنجاز الاتفاق الإسرائيلي اللبناني، وبالتزامن فتح ملفات الفساد في العراق من قبل حكومة الزيدي، ويشار هنا إلى ان عدم تركيز براك على ملفات الديمقراطية وحقوق الانسان، قد تساعد في إنجاز مشروعه وخططه، فتلك الملفات لطالما شكلت عائقا أمام إنجاز تحولات حقيقية وملموسة بالمنطقة، إذ تحولت لساحات جدال بين الحكومات في المنطقة وواشنطن.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%86%D8%B4%D9%82_3_0_1_0_0_0_3.jpg.webp?itok=9GN-vDYs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/E2uZwA1X0AI7hoK.jpg.webp?itok=yAYiaTZB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4%D8%A7%D8%AA_0_0.jpg.webp?itok=cwho5vGR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KAsHQSagKE5vVmyTgq2vEaGekqdVgGxRM7zwgBiLozHLat-eXm7s_Rz5adPiXjMvuovK-PJPan5xWutc2_5YDjBXQAjhDfwrTmc8vtYSV_DOLjWUpzgZhCzj1llc9Ofkc5B8SS1ae530fIWL5Siu_KtwjOjndYjH0oaVDmYc6z91y-DFRcUw2hH9oqu_5-mv.jpg.webp?itok=dFw_BOW1)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Mostafa_Elfeki_0.png.webp?itok=4x7KWF2O)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%89_4.jpg.webp?itok=nhTH27kZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/08dcVfVjDKDCg_OiqKsNeY9LuHnuBRg959oSPfTY9zclhCU0i1G9ddNcCaoflxmRKtwzWZZ8O8b7Nfc1rlLigrMqe6fWOI8HB5XeAEsmcXsLVu58OfHbxlu88ejuDQxqrhtLAz55q68qC5A_ZPf_y2vOHb0mUkEkwYe_iGjbNxDcfYioapjhP7awQg3TOpuE.jpg.webp?itok=_MlULBr0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/d35b4222-7b2b-4f86-bbd3-cb45f76333f9.png.webp?itok=2NSfnwgy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/it3k-iNnoU0d7E6EQAn-bIpz6asYt6Df3AcOAKkODI6Iu6oU8JVtWSnrt8LDAEZuUZCEeF_0dkHn6s3VqcHYV25EXTR6SB7UYUDD80z9aX9-befoUCOLRto4ch2M4PZpyTRBhm3KOBj3Ry-BaRd3-FvLc5JWLDOzx8xLs0TNa8iDEp2c69cDoKWIvbov0RmY.jpg.webp?itok=f6pE12JY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_1.jpg.webp?itok=5fl84KZ4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA1_0.jpeg.webp?itok=H3sT3_hF)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/KqdE2Cu7q-gTzPLWuTdg_VDs36f4kfLPDzy_rm7DTN8DuUti2_0LH5iN68QV7IjITi6BW_neRwUzlVLyuPYAFRS9-nEMMq_o-22BiOfMBvsrtjqUHTiMsg-UsYNJW3fQqnE_etO9FVoGgNJpbfnEIlj6hsd9LzCYhkobGJX9sjh6wQS8QwmMoFZc8O2OJdR8.jpg.webp?itok=bT6cxsdx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85%20%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A_1_0_0_0_0_0_1.jpg.webp?itok=RKsaxLQo)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/df7b21c6-2c34-41f6-818c-b305e51aae4b.png.webp?itok=z8QoLTX3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_17.png.webp?itok=d_X72sea)





![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_130.jpg.webp?itok=yI3FnUfI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_3_5.jpg.webp?itok=Ci8Js3Fa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)