"الإخوان" والبرلمان لا يلتقيان

"الإخوان" والبرلمان لا يلتقيان

"الإخوان" والبرلمان لا يلتقيان


30/06/2026

محمد التوحيدي

لنتوقف عن المجاملات الدبلوماسية. جماعة «الإخوان» ليست حزباً سياسياً، ولا حركة مدنية، ولا صوتاً يمثّل المسلمين في أي مكان على وجه الأرض. هي آلة أيديولوجية عمرها قرن من الزمن، بُنيت لغرض واحد لا غير: الاستيلاء على السُّلطة بالعنف والتخريب وتدمير كل مجتمع كان ساذجاً بما يكفي ليسمح لها بالعمل بحرية. مكانها خلف القضبان، لا خلف المنابر. أسّسها حسن البنّا في مصر عام 1928، وأمضت ما يقارب المئة عام تتقن فن التمويه السياسي. تلبس البذلات حين يلزمها، وترفع ورقة الاقتراع حين تحتاج، وتتحدث عن الخير والمجتمع أمام الكاميرات. لكن ما إنْ تكشف الغطاء حتى تجد منظمةً يَقْطُر حمضها الأيديولوجي دماً. البنا لم يبنِ نادياً اجتماعياً، بل بنى طليعة ثورية. وجاء بعده سيد قطب، ليذهب أبعد من ذلك، مُعلناً أن المجتمع الحديث كله في حالة جاهلية، وداعياً إلى ثورة عنيفة لإسقاطه. تلك الأيديولوجيا لم تَمُتْ بإعدام قطب عام 1966. انتشرت. تمدّدت. وأنجبت كل حركة إرهابية إسلاموية كبرى خلال نصف القرن الأخير.

لنسمّي الأشياء بأسمائها. أسامة بن لادن، الرجل الذي أوقع آلاف القتلى في صباح سبتمبر ذاك، تشكَّل فكره على تعاليم «الإخوان» وتحرّك في دوائرهم. أيمن الظواهري، المهندس الأيديولوجي لتنظيم «القاعدة»، خرج مباشرة من رحم بيئة «الإخوان» في مصر. وحركة «حماس» التي تحتفل بالذبح الجماعي باعتباره واجباً دينياً، هي إحدى ميليشيات جماعة «الإخوان». العلاقة بالإرهاب ليست علاقة هامشية عابرة، بل هي العلاقة الأم.

على مدى أكثر من تسعين عاماً، ارتبط اسم هذه الجماعة باغتيالات وأعمال شغب وتفجيرات وزعزعة استقرار الحكومات من القاهرة إلى دمشق إلى عمّان. اغتالت رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عام 1948. وأمضت عقوداً تتآمر ضد ناصر والسادات، الذي اغتيل لاحقاً على يد رجال تشرّبوا أيديولوجيتها، وضد كل حكومة عربية رفضت تسليمها السلطة. هذا ليس سلسلة حوادث متفرقة. هذا نمط. نمط متعمّد ومتواصل وممتد عبر الأجيال، يُلبس العنف السياسي ثوب الفريضة الدينية.

وهنا يجب أن نواجه الحكومات الغربية بفشلها الذريع. في لندن وبروكسل وواشنطن وأوتاوا، رُحّب بالمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان» في مشاورات الحكومات، وموّلت من أموال دافعي الضرائب، ومُنحت منابر في الجامعات، وقُدّمت باعتبارها الصوت الحقيقي للمجتمعات المسلمة. وهي ليست كذلك بأي حال. هم مشغّلون سياسيون يستغّلون الهوية الإسلامية للترويج لأجندة شمولية لا يريد لها الغالبية العظمى من المسلمين العاديين أي وجود. «الإخوان» لا يمثّلون المسلمين، بل يفترسونهم.

هذا التمييز بالغ الأهمية. الإسلام السياسي بصيغته «الإخوانية»، أيديولوجيا قطب والبنّا التي تُقسم البشرية كلها إلى مؤمنين وأعداء، ليس إسلاماً. هو مشروع سياسي يرتدي الدين زياً عسكرياً. مئات الملايين من المسلمين المتدينين حول العالم يعيشون بسلام، يحبّون أوطانهم، يرفضون الثيوقراطية، ويمقتون ما فعله «الإخوان» بسمعة دينهم. هؤلاء هم مَن يعانون أكثر من سواهم حين يتمركز «الإخوان» في حيّ أو مسجد أو مدرسة. هم المجتمع الذي يحتاج إلى الحماية من هذه الجماعة، لا إلى محاضرات من الليبراليين الغربيين عن شرعيتها المزعومة.

يُجيد أنصار «الإخوان» في الغرب صراخ «إسلاموفوبيا» في كل مرة يتجرأ أحد على فحص أيديولوجيتهم. هذا تكتيك، ليس حجة. انتقاد جماعة «الإخوان» ليس أكثر عداءً للمسلمين من انتقاد الجيش «الجمهوري» الإيرلندي للإيرلنديين. هذه منظمات سياسية تخضع للرقابة السياسية، والاختباء خلف الهوية الدينية لصرف المساءلة، خدعةٌ نجحت طويلاً أكثر مما ينبغي.

دول عدة أدركت هذه الحقيقة. روسيا ومصر ودولة الإمارات والسعودية وغيرها صنّفت «الإخوان» منظمة إرهابية. المملكة المتحدة تتراقص حول التصنيف الكامل منذ سنوات، وهو موقف يعكس جُبناً سياسياً لا تفسير له. أما الولايات المتحدة فقد تقدّمت ولايتا تكساس وفلوريدا على الحكومة الفيدرالية بتصنيف الجماعة وشبكاتها المرتبطة بها على المستوى المحلي. خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تطرح فوراً سؤالاً ملحّاً رفضت أوتاوا الإجابة عنه حتى الآن: ماذا يحدث للمنظمات المرتبطة بـ«الإخوان»، التي تعمل بحرية عبر الحدود الكندية؟ الجواب واضح لمن يريد أن يرى. كندا ستتحول إلى الثغرة، إلى الفناء الخلفي الذي تُمرر منه شبكات «الإخوان» عملياتها وتمويلها وحملات نفوذها هرباً من الحظر الأميركي. فروع «الإخوان» في كندا يجب أن تُصنَّف وتُفكَّك، وإلا فإن الإجراءات الأميركية لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.

التردد على ضفتي الأطلسي ليس مبدئياً، بل هو جبن مكشوف. المجتمعات المسلمة في كندا تستحق الحماية ذاتها التي تحظى بها في فلوريدا وتكساس. السماح لـ«الإخوان» باستخدام الأراضي الكندية ملاذاً آمناً ليس تسامحاً، بل تخلٍّ عن مسؤولية الدولة في حماية أمنها ومواطنيها.

مئة عام للإخوان. مئة عام من العنف والتخريب والتطرف والمعاناة. مئة عام من الديمقراطيات المحطمة والمصلحين المغتالين والمجتمعات المحتجزة رهينةً لأيديولوجيا تكره الحرية وتكره التعددية وتكره كل من يخالفها.

صنّفوها. احظروها. لاحقوا شبكاتها. وتوقّفوا عن التظاهر بأن منظمة بهذا التاريخ وهذه الأيديولوجيا وهذه الطموحات تستحق مقعداً على أي طاولة ديمقراطية. 

الاتحاد



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية