
تشير المواقف والتصريحات الصادرة عن الجماعة الإسلامية، "الذراع السياسية للإخوان المسلمين في باكستان"، خلال حزيران (يونيو) الجاري إلى تصاعد اعتمادها على خطاب احتجاجي شعبوي يقوم على استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتحويلها إلى منصة للتعبئة السياسية والتنظيمية. فبدلاً من تقديم معالجات واقعية ومفصلة للمشكلات البنيوية التي تواجه الدولة الباكستانية، تتجه الجماعة إلى تبسيط الأزمات المعقدة واختزالها في سردية تقوم على تحميل "الحكام" المسؤولية الكاملة عن جميع الإخفاقات، مع تقديم نفسها باعتبارها البديل الوحيد القادر على إنقاذ البلاد. ويكشف تتبع تصريحات قياداتها أنّ الخطاب لم يعد يقتصر على انتقاد السياسات الحكومية، بل تطور إلى دعوات متكررة للإضرابات العامة وتغيير النظام وتحشيد الشباب ضد مؤسسات الدولة، في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع القاعدة الشعبية للجماعة واستقطاب فئات جديدة إلى صفوفها.
تحويل الأزمات المعيشية إلى وقود للتحريض السياسي
اعتمدت الجماعة الإسلامية خلال حملاتها الأخيرة على توظيف الأزمات الاقتصادية، مثل التضخم وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز، باعتبارها أدوات لحشد الرأي العام ضد الحكومة. وفي هذا السياق كررت قيادة الجماعة خطاباً يقوم على تصوير جميع الأزمات باعتبارها نتاجاً مباشراً لـ "ظلم الحكام" و"فساد النخب"، متجاهلة التعقيدات الاقتصادية التي تواجه باكستان، بما في ذلك الديون الخارجية، والالتزامات المالية، وتقلبات الأسواق العالمية، ومتطلبات برامج الإصلاح الاقتصادي.
ويلاحظ أنّ الجماعة تلجأ إلى لغة تعبئة عاطفية مكثفة تتضمن أوصافاً من قبيل "النظام القمعي" و"الحكام الظالمون" و"استنزاف دماء الشعب"، وهي تعبيرات تهدف إلى إثارة الغضب الشعبي أكثر ممّا تقدم تفسيرات موضوعية للأزمات القائمة. كما أنّ المطالبة المتكررة بخفض أسعار الوقود والكهرباء والغاز فوراً، دون طرح بدائل مالية واضحة لتعويض الخسائر أو معالجة العجز المالي، تعكس توجهاً شعبوياً يركز على كسب التأييد الجماهيري الآني أكثر من التركيز على الحلول القابلة للتطبيق.
وفي الوقت ذاته، تستخدم الجماعة مزاعم الفساد والإنفاق الحكومي المبالغ فيه بوصفها مادة دعائية دائمة، دون تقديم أدلة تفصيلية أو آليات عملية لمعالجة هذه الملفات، الأمر الذي يحوّل الاتهامات إلى أدوات سياسية تستهدف تأجيج الاستياء الشعبي وتوسيع دائرة المعارضة.
ليست هذه الخطوة جديدة على الجماعة الإسلامية؛ ففي شباط/فبراير الماضي استغلت الجماعة حادثة سقوط أم وابنتها في أنبوب صرف صحي بمدينة لاهور لتصعيد خطابها ضد مؤسسات الدولة، ولا سيّما جهاز الشرطة. ونظمت خلال الشهر نفسه مسيرات حاشدة في إقليم البنجاب احتجاجًا على الحكومة الباكستانية، في إطار مساعٍ تهدف إلى تقويض النظام القائم.
من المعارضة السياسية إلى الدعوة لتغيير النظام
لم تكتف الجماعة الإسلامية بانتقاد السياسات الحكومية، بل انتقلت إلى تبنّي خطاب أكثر تصعيداً يقوم على فكرة "تغيير النظام" باعتبارها الحل الشامل لجميع أزمات البلاد. وتُظهر الحملات التي أطلقتها في لاهور وكراتشي وغيرها من المدن أنّ الجماعة تسعى إلى إقناع المواطنين بأنّ المشكلة لا تكمن في السياسات أو الحكومات المتعاقبة، بل في النظام السياسي برمته.
وتبرز في هذا السياق مفارقة لافتة؛ إذ تقدم الجماعة نفسها باعتبارها "القيادة النزيهة الوحيدة"، بينما تصف بقية القوى السياسية ضمنياً بأنّها جزء من نظام فاسد أو عاجز. ويعكس هذا النمط من الخطاب نزعة احتكارية في تمثيل المصالح الشعبية، حيث تُصوَّر الجماعة باعتبارها الممثل الحقيقي للمواطنين، في حين يجري نزع الشرعية السياسية والأخلاقية عن الخصوم.
كما أنّ الدعوات المتكررة إلى الإضرابات العامة والحركات الاحتجاجية الواسعة تتجاوز حدود المعارضة التقليدية لتقترب من خطاب التعبئة المستمرة ضد مؤسسات الدولة. ويظهر ذلك بوضوح في الحديث عن "الثورة على النظام" وضرورة أن يصبح الشباب "جداراً" في مواجهة الحكام، وهي تعبيرات تحمل أبعاداً تحريضية تسعى إلى خلق حالة استقطاب حاد بين المجتمع والسلطة.
اعتمدت الجماعة الإسلامية خلال حملاتها الأخيرة على توظيف الأزمات الاقتصادية، مثل التضخم وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز، باعتبارها أدوات لحشد الرأي العام ضد الحكومة. وفي هذا السياق كررت قيادة الجماعة خطاباً يقوم على تصوير جميع الأزمات باعتبارها نتاجاً مباشراً لـ "ظلم الحكام" و"فساد النخب"، متجاهلة التعقيدات الاقتصادية التي تواجه باكستان، بما في ذلك الديون الخارجية، والالتزامات المالية، وتقلبات الأسواق العالمية، ومتطلبات برامج الإصلاح الاقتصاد.في بلد يتعدى عدد سكانه الـ ( (200مليون نسمة.
توظيف الشباب والخدمات الاجتماعية في مشروع التوسع التنظيمي
إلى جانب الخطاب الاحتجاجي، كثفت الجماعة الإسلامية جهودها لاستقطاب الشباب عبر برامج التدريب التقني والمبادرات التعليمية، مثل برنامجي "بنو قابل" و"زد كونكت". ورغم أنّ هذه المبادرات تقدم خدمات فعلية لبعض المستفيدين، فإنّ الجماعة توظفها سياسياً باعتبارها بوابة لتوسيع نفوذها التنظيمي وتعزيز حضورها داخل الفئات الشابة.
وتكشف تصريحات حافظ نعيم الرحمن عن هذا التوجه بوضوح عندما ربط بين برامج التدريب التقني وبين ضرورة انخراط الشباب في "معركة كبيرة" ضد النظام القائم، داعياً إيّاهم إلى التنظيم والحشد والمشاركة في الحراك السياسي الذي تقوده الجماعة. وبذلك تتحول المبادرات التنموية من أدوات للتأهيل المهني إلى وسائل للتعبئة السياسية وربط المستفيدين بالمشروع التنظيمي للجماعة.
وتلجأ الجماعة إلى توظيف الرموز الدينية والتاريخية لإضفاء شرعية معنوية على مشروعها السياسي، من خلال الربط بين نشاطها الحزبي المعاصر وبين تجارب تاريخية ودينية كبرى. ويهدف هذا الربط إلى منح الصراع السياسي الراهن بعداً أخلاقياً وعقائدياً يتجاوز كونه خلافاً حول السياسات العامة، بما يسهم في تعزيز الولاء التنظيمي وإقناع الأتباع بأنّ دعم الجماعة يمثل واجباً يتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية.
وفي هذا السياق قال أمير الجماعة الإسلامية: إنّ الشباب يُشكّلون ركيزةً أساسيةً في أيّ حركةٍ للتغيير حول العالم. فعندما قاد النبي الكريم الثورة، كان معه جيلٌ كبيرٌ من الشباب الذين أدّوا دورًا بارزًا في العلم والدعوة والتعليم والفقه وفي شتى المجالات. وانتشرت هذه الحركة من مكة إلى المدينة، ثمّ إلى الجزيرة العربية بأسرها، وقدّم رواده تضحياتٍ جمّةً، لكنّهم لم يتراجعوا عن هدفهم.
وقال نعيم الرحمن إنّ السيد أبو الأعلى المودودي أسّس الجماعة الإسلامية في وقت كانت فيه القوى الإمبريالية مهيمنة، وكانت الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية حاضرة بقوة في العالم. وأوضح أنّ الإسلام ليس مجرد مجموعة من العبادات، بل هو نظام حياة متكامل يحمل رسالة العدل ورفاهية الإنسانية؛ فالجماعة تلجأ إلى توظيف الرموز الدينية والتاريخية لإضفاء شرعية معنوية على مشروعها السياسي، من خلال الربط بين نشاطها الحزبي المعاصر وبين تجارب تاريخية ودينية كبرى. ويهدف هذا الربط إلى منح الصراع السياسي الراهن بُعداً أخلاقياً وعقائدياً يتجاوز كونه خلافاً حول السياسات العامة، بما يسهم في تعزيز الولاء التنظيمي وإقناع الأتباع بأن دعم الجماعة يمثل واجباً يتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية.
وفي المجمل، تكشف هذه المواقف عن استراتيجية تقوم على استثمار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتوظيف خطاب شعبوي قائم على التبسيط والاستقطاب، مع توجيه حالة الغضب الشعبي نحو مشروع سياسي وتنظيمي تسعى الجماعة من خلاله إلى توسيع نفوذها وإعادة تقديم نفسها كبديل شامل للنظام القائم، رغم غياب رؤى تفصيلية واقعية لمعالجة التحديات البنيوية التي تواجه الدولة الباكستانية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)