دار الإفتاء والإسلام السياسي في ليبيا: أدوات الإخوان بين تعطيل التسويات وإعادة تدوير النفوذ السياسي

دار الإفتاء والإسلام السياسي في ليبيا: أدوات الإخوان بين تعطيل التسويات وإعادة تدوير النفوذ السياسي

دار الإفتاء والإسلام السياسي في ليبيا: أدوات الإخوان بين تعطيل التسويات وإعادة تدوير النفوذ السياسي


16/06/2026

في تصريحات جديدة لم تكن مفاجئة بالنظر إلى مواقف تيار الإسلام السياسي وتيار دار الإفتاء في العاصمة الليبية طرابلس، اللذين يُنظر إليهما باعتبارهما من أبرز معارضي مسارات التسوية السياسية في ليبيا، شنّ "المفتي" الصادق الغرياني هجومًا عبر قناة "التناصح" على عدد من الأطراف الفاعلة في المشهد الليبي، منتقدًا بشدة جهود البعثة الأممية ومخرجات الحوار المهيكل.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الدعوات المحلية والدولية لدفع العملية السياسية إلى الأمام وكسر حالة الجمود، بيد أنّ استمرار خطاب تيار دار الإفتاء  الرافض لأيّ تسويات يحدّ من فرص التوافق ويؤخر الوصول إلى استقرار سياسي دائم.

وفي هذا السياق أشار "المفتي" الصادق الغرياني إلى أنّ "الحوار المهيكل" والمجموعة التي اختارتها البعثة الأممية، والتي قال إنّ عددها لا يقلّ عن 120 شخصًا، يمثلان "عدوانًا على الشعب الليبي"، معتبرًا أنّ تعيينهم للحديث نيابة عن ملايين الليبيين جاء بدلًا من السماح لهم بالاحتكام إلى الانتخابات. وجاء ذلك خلال برنامج "الإسلام والحياة" الذي يُبث على قناة "التناصح" التابعة له.

انتقاد لمخرجات الحوار والبعثة الأممية

ووصف الغرياني، في لقائه التلفزيوني، مخرجات الحوار بأنّها "ممجوجة ومنسوخة" من حوارات سابقة، مستحضرًا تجربة اتفاق الصخيرات وتعيين فائز السراج رئيسًا للحكومة. واعتبر أنّ البعثة الأممية لم تأتِ لحل الأزمات، بل لـ "تثقيل الأمور" وزيادة تعقيد المشهد، وفق تعبيره. واتهمها بالسعي إلى تمرير حكومة انتقالية جديدة ومجلس رئاسي بصلاحيات واسعة، مؤكدًا أنّ هذه المخرجات لا تختلف جوهريًا عن مسارات سابقة.

ولفت الغرياني إلى أنّ الجديد في مخرجات الحوار المهيكل هو، بحسب قوله، إدماج ما وصفه بـ "صفقة" المبعوث الأمريكي مسعد بولس ضمن هذه المخرجات، وإخراجها كأنّها من صنع الليبيين. واعتبر أنّ الحديث عن المسارات الاقتصادية والأمنية والعسكرية ليس سوى "رتوش" لتمرير مشروع حكومة انتقالية ومجلس رئاسي جديد.

واعتبر الغرياني أنّ خطوات الإصلاح تبدأ بإنهاء تدخل البعثة الأممية، وتوقف النخب عن الاستجابة لها، ثم مواجهة المؤسسات التي وصفها بأنّها مشهورة بالفساد، وعلى رأسها "مؤسسة النفط"، بحسب قوله.

دار الإفتاء وتيارات الإسلام السياسي: خطاب متصاعد ودعوات احتجاج 

ودعا الغرياني الليبيين إلى الخروج في اعتصامات سلمية وإقامة مخيمات احتجاجية أمام مؤسسة النفط للضغط من أجل تغيير إدارتها، متهمًا إيّاها بالفساد وعدم الكفاءة، ومحمّلًا أطرافًا خارجية مسؤولية ما وصفه بالبلاء الذي أصاب ليبيا.

في هذا السياق قال الباحث السياسي عمر أبو سعيدة: إنّ تصريحات الغرياني ليست مجرد رأي ديني، بل تمثل ـ بحسب وصفه ـ محاولة منهجية لنسف شرعية مسار سياسي كامل قبل أن يرى النور. فحين يصف الحوار المهيكل بأنّه "عدوان على الليبيين"، ويعتبر أنّ البعثة اختارت مشاركين لتمثيل سبعة أو ثمانية ملايين ليبي من دون تفويض مباشر، فإنّه لا يوجّه نقدًا لآلية تفاوضية فحسب، بل يضع نفسه عمليًا فوق المؤسسات السياسية كافة، باعتباره الحكم الوحيد على من يملك حق تمثيل الليبيين ومن لا يملكه. ومن هنا يرى أبو سعيدة في سياق تصريحاته لـ (حفريات)  أنّ هذا الخطاب يندرج في إطار الوصاية الدينية على السياسة أكثر ممّا يندرج ضمن النقد السياسي التقليدي.

ويلفت أبو سعيدة إلى أنّ التزامن بين خطاب الصادق الغرياني الديني وخطاب حزب العدالة والبناء والمجلس الأعلى للدولة السياسي لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة. فالأول، وفقًا لرأيه، يتحرك من زاوية "الشرعية والفتوى"، بينما تتحرك الأذرع السياسية من زاوية "الدستور والإجراءات"، لكنّ النتيجة النهائية تبقى واحدة: عرقلة أيّ ترتيبات سياسية لا تضمن لهذا المحور موقعًا أو نفوذًا مؤثرًا. ويؤكد أنّ هذا النمط ليس جديدًا، بل يمثل نموذجًا متكررًا في الأداء السياسي لهذا التيار منذ سنوات؛ حيث يجري توزيع الأدوار بين من يُحرّم ومن يطعن قانونيًا، بينما يبقى الهدف السياسي واحدًا.

ويشدد الباحث الليبي على أنّ توقيت هذه التصريحات يكشف الكثير من دلالاتها السياسية. فقد جاءت بعد أيام قليلة فقط من إعلان المخرجات النهائية للحوار المهيكل، التي تضمنت مقترحات لفترة انتقالية إضافة إلى مجلس رئاسي يتمتع بصلاحيات تنفيذية واسعة. وبرأيه فإنّ الرسالة الموجهة إلى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تبدو واضحة: "إنّ شرعيتك لا تُستمد فقط من المؤسسات أو الترتيبات القائمة، وعليك أن تحذر من أيّ مسار سياسي قد يهمّش هذا المحور، لأنّه سيواجه بالرفض والتشكيك". ويعتبر أنّ الأمر لا يتعلق بموقف مبدئي من "العدوان على الليبيين" كما يُطرح في الخطاب المعلن، بل يندرج ضمن أدوات الضغط السياسي ومحاولة التأثير في موازين التفاوض.

ويشير أبو سعيدة إلى أنّ جانبًا من هذه المواقف قد يرتبط بالسعي إلى حجز موقع أو دور في أيّ تشكيلة سياسية جديدة قد تنتج عن المسار الجاري. ويضيف أنّ سجل تصريحات الغرياني خلال السنوات الماضية يعكس نمطًا متكررًا؛ إذ اعتاد تصدر المشهد بخطاب حاد، كما وُجهت إليه مرارًا اتهامات بتوظيف الفتوى في خدمة مواقف سياسية محددة.

ويخلص أبو سعيدة في ختام تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ رفض المخرجات بشكل كامل، من دون تقديم بديل عملي أو المشاركة في صياغة حلول واقعية، لا يمكن اعتباره موقفًا وطنيًا بنّاءً، بل يُنظر إليه بوصفه أسلوبًا متكررًا للضغط السياسي. فجوهر الرسالة، بحسب تقديره، يبدو أقرب إلى فكرة: "إذا لم أكن طرفًا في الترتيب السياسي، فإنّ هذا الترتيب يفتقد الشرعية". ومن هذا المنطلق يرى أنّ ما يجري هو محاولة لفرض حضور على طاولة التفاوض عبر ممارسة الضغوط السياسية والتشكيك المسبق في نتائج مسار لم تكتمل مراحله بعد.

الإسلام السياسي بين خطاب المعارضة وإعادة إنتاج النفوذ

في سياق سياسي مُركّب ومتداخل، قال مصدر ليبي: إنّ تصريحات الصادق الغرياني الأخيرة لا يمكن فصلها عن طبيعة الاصطفافات القائمة داخل المشهد الليبي، التي تتقاطع فيها اعتبارات سياسية ودينية وأمنية في آنٍ واحدٍ.

وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه أنّ هذه المواقف يمكن قراءتها في إطار مزدوج؛ إمّا ضمن تفاعلات غير مباشرة مع أطراف داخل السلطة القائمة، وإمّا باعتبارها رسائل ضغط سياسية تهدف إلى إعادة رسم حدود المشاركة في أيّ تسوية مرتقبة، وتوسيع دائرة الأطراف المنخرطة في الترتيبات السياسية، خصوصًا فيما يتعلق بتشكيل المجلس الرئاسي والحكومة.

وأشار في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ بعض القراءات ترى أنّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يسعى، عبر توازنات داخلية وتحالفات سياسية، إلى توجيه رسائل للفاعلين المحليين والدوليين مفادها أنّ المشهد السياسي ما يزال يضم قوى غير راضية عن الصيغة النهائية لأيّ تسوية، وهو ما يستدعي ـ وفق هذا الطرح ـ توسيع قاعدة المشاركة بدل فرض حلول مغلقة.

ولفت المصدر إلى أنّ الخلافات الراهنة لا تُفهم فقط باعتبارها رفضًا للتسويات، بل كجزء من عملية تفاوضية طويلة تتداخل فيها الرسائل السياسية مع إعادة التموضع داخل مراكز النفوذ، بما في ذلك الأقاليم والمناطق التي تشهد تنافسًا على النفوذ السياسي والعسكري.

واستحضر المصدر ذاته في هذا السياق تجارب سابقة، مثل اتفاق الصخيرات وما تلاه من ترتيبات سياسية، باعتبارها نماذج على تباين المواقف داخل التيارات السياسية والدينية، وكيف كانت هذه التيارات جزءًا من مسارات دعم أو اعتراض على ترتيبات السلطة في مراحل مختلفة، قبل أن تعيد تموضعها لاحقًا وفق المتغيرات السياسية.

إلى ذلك، قال المصدر الليبي: إنّ قراءة مواقف الغرياني أو غيره من الفاعلين لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة المعقدة بين التيارات الدينية والسلطات التنفيذية في ليبيا، حيث تتداخل الاعتبارات الشخصية والسياسية والمؤسسية في تشكيل المواقف، وغالبًا ما تتحرك هذه الأطراف ضمن مساحات تفاوضية أكثر من كونها مواقف ثابتة.

وخلص في ختام تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ المشهد الليبي يقوم في مجمله على شبكة من التفاهمات غير المستقرة، حيث تتبدل التحالفات وفق متطلبات المرحلة، الأمر الذي يجعل من الصعب حسم طبيعة العلاقة بين الأطراف المختلفة باعتبارها تحالفًا ثابتًا أو قطيعة نهائية، بل أقرب إلى توازنات متغيرة مرتبطة بسياق كل مرحلة سياسية.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية