
يواجه المشهد الإعلامي السوداني المنقسم بفعل الحرب منعطفاً جديداً في يونيو 2026
، بعد صدور قرار وزارة الثقافة والإعلام الاتحادية القاضي بإلزام كافة المواقع والمنصات والصحف الإلكترونية بالتسجيل وتوفيق أوضاعها الرسمي.
هذا الإجراء، الذي بررته السلطات بـ "التنظيم والضبط"، واجه جبهة رفض قوية وموحدة من نقابة الصحفيين السودانيين والأجسام المهنية. واعتبرت هذه الجهات الخطوة محاولة مقنعة لإحكام القبضة الأمنية، وفرض الرقابة المسبقة، وانتهاك الخصوصية الرقمية في توقيت حرج تمر به البلاد.
تكمن العقدة الأساسية للأزمة في تفاصيل استمارة التسجيل التي طرحتها الوزارة بالتعاون مع المجلس القومي للصحافة والمطبوعات. ولم تقتصر المطالب على الإجراءات الإدارية المعتادة، بل امتدت لتشمل تفاصيل فنية ومالية شديدة الحساسية.
وطالبت الاستمارة ببيانات البريد الإلكتروني المرتبط بالنطاق (الدومين) ومواقع خوادم الاستضافة (السيرفرات). كما ألزمت المنصات بتحديد مصادر التمويل بدقة وفك شفرة المعاملات المالية.
وحذرت نقابة الصحفيين من أن هذه البيانات تمنح الأجهزة الأمنية قدرة على اختراق الحسابات، وتتبّع الصحفيين ومصادرهم، واستهداف المنصات المستقلة رقمياً وجسدياً.
يُنظر إلى القرار كأداة لفرز وسائل الإعلام؛ حيث سيُمنح التراخيص فقط للمنصات الموالية أو المهادنة، بينما تُحجب المواقع المستقلة التي تنقل انتهاكات أطراف الصراع، مما يعيد إنتاج آليات التكميم والرقابة التي كانت سائدة في عهد النظام السابق.
وأعادت الإجراءات الوزارية الأخيرة في السودان إلى الأذهان سياسة الإقصاء والتجويع الممنهج التي برعت فيها واجهات النظام السابق قبل سقوطه. وبحسب بيان نقابة الصحفيين السودانيين، فإنّ الوزارة الحالية تتبنّى النهج القديم نفسه عبر توجيه الإعلانات الحكومية والموارد المالية لصحف ومواقع تابعة وموالية بعينها، وحرمان الصحافة المستقلة بهدف إفقارها وإجبارها على الإغلاق. هذا التحول من "المصادرة الأمنية المباشرة" التي كانت متبعة سابقاً إلى "التجويع الاقتصادي" يمثل سلاحاً صامتاً لتصفية المنابر الإعلامية الحرة وتدجين الفضاء الرقمي.
في العهود السابقة، كانت الأجهزة الأمنية تلجأ إلى الأساليب الخشنة المباشرة، مثل "المصادرة بعد الطبع" للصحف الورقية، لإلحاق خسائر مادية فادحة بالمؤسسات تفوق قدرتها على الاستمرار. اليوم، مع انتقال الثقل الإعلامي إلى الفضاء الرقمي، تطورت هذه الأدوات؛ حيث استبدلت السلطة الرقابة الخشنة بآلية "التجويع الاقتصادي" الناعمة عبر التحكم في شريان التمويل الرئيسي: الإعلانات الحكومية والموارد العامة، مما يعكس رغبة في تحقيق ذات الأهداف القمعية القديمة ولكن بأدوات تناسب العصر الرقمي.
يكشف بيان النقابة عن تحويل أموال دافعي الضرائب والموارد الحكومية من أداة لدعم التنوع الإعلامي إلى وسيلة لـ "هندسة الولاء". ومن خلال حصر الإعلانات والمزايا المالية في الصحف والمواقع الموالية فقط، تسعى السلطات التنفيذية إلى خلق بيئة استثمارية مشوهة تنمو فيها منصات البروباغندا وتذبل فيها الصحافة الاستقصائية المستقلة، وهو ما يمثل تدميراً غير معلن للقطاع عبر إفقار المؤسسات الحرة ودفعها نحو الإغلاق الذاتي نتيجة العجز المالي
تكتسب سياسة التجويع الممنهج هذه أبعاداً كارثية بالنظر إلى واقع السودان الراهن؛ حيث دمرت الحرب البنية التحتية للمؤسسات الإعلامية، وفقد مئات الصحفيين وظائفهم ومصادر دخلهم جراء النزوح واللجوء. وفي ظل هذه الهشاشة الاقتصادية، يصبح الحرمان المعتمد من الموارد وسيلة للضغط على الصحفيين المستقلين ومقايضتهم بين لقمة العيش أو الخضوع للإملاءات التحريرية، مما يضع حرية التعبير أمام تهديد وجودي غير مسبوق.
ويرى قانونيون سودانيون أن وزارة الإعلام تفتقر للصلاحية التشريعية لإصدار مثل هذه الاستمارات أو تنظيم الفضاء الرقمي بموجب قانون الصحافة والمطبوعات الحالي، مما يجعل هذه الخطوة تعدياً إدارياً وتجاوزاً للقانون.
ويأتي القرار في وقت دمرت فيه الحرب المطابع والمقار الفيزيائية للصحف الورقية بالكامل، مما جعل الصحافة الإلكترونية شريان الحياة الوحيد المتبقي لتدفق المعلومات للمواطنين. والتضييق عليها في هذا التوقيت يمثل حظراً غير معلن على حرية التعبير.
في المقابل، تدافع السلطات السودانية عن قراراتها بقوة، مستندة إلى تمديد مهلة التسجيل حتى منتصف يونيو 2026
لإثبات حسن النوايا ومنح فرصة للجميع.
وترى الوزارة أن الساحة الرقمية أصبحت مليئة بالمنصات المجهولة التي تبث أخباراً كاذبة وشائعات تضر بالسلم الاجتماعي وسط ظروف الحرب الحالية.
وتؤكد الحكومة أن جمع البيانات يهدف لحماية المنصات الوطنية من الهجمات السيبرانية الخارجية، وضمان عدم إدارة مواقع سودانية بأجندات ممولة من قوى خارجية تسعى لزعزعة استقرار البلاد.
يكشف هذا الصراع عن أزمة ثقة عميقة ومتجذرة بين السلطة الحاكمة والجسم الصحفي في السودان. فبينما تتحدث الحكومة بلغة "القانون والتنظيم"، يقرأ الصحفيون بين السطور لغة "السيطرة والتقييد".
ومع انتهاء المهلة المحددة للتسجيل، يواجه الإعلام الإلكتروني السوداني خطراً حقيقياً؛ فإما الخضوع لإجراءات تكشف أسراره المهنية والفنية، أو الاستمرار في العمل بشكل غير قانوني في نظر السلطات، مما يفتح الباب أمام الحجب والملاحقات القضائية والأمنية لمنصات لم يتبقَ للمواطن سواها لمعرفة الحقيقة.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/724158446_122130177477154944_7628977075908430200_n.jpg.webp?itok=VrIHF1DT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%8A_%D8%B3%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3.jpg.webp?itok=8CTlRjMJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_0.jpg.webp?itok=xcb0CJSf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_1.jpg.webp?itok=g6wDAP5i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1%20%D8%A8%D9%86%20%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83_2.jpg.webp?itok=8oiGqW89)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/nhj_4_1_0.jpg.webp?itok=kmavJWBY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_0.jpg.webp?itok=ZtSgI9Dk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9_1_3.jpg.webp?itok=6SxxGstd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7_2_0.jpg.webp?itok=YZq101_0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7_3_2_3.jpg.webp?itok=wGnFVh_c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_132_0_2_1.jpg.webp?itok=5pmY_-AE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/144_1.jpg.webp?itok=7-35tSaW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/shutterstock_691088758_0_1.jpg.webp?itok=J3_6oJup)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_23.jpg.webp?itok=psAtISEJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)