في عقيدة الردع الإماراتية… الشرق الأوسط يغادر عام 1979

في عقيدة الردع الإماراتية… الشرق الأوسط يغادر عام 1979

في عقيدة الردع الإماراتية… الشرق الأوسط يغادر عام 1979


15/06/2026

هاني سالم مسهور

لم تكن حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران، ولا الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي امتدت تسعة وثلاثين يوماً، مجرد مواجهة عسكرية بين خصوم إقليميين، هذه الحروب كانت أقرب إلى لحظة تاريخية كشفت حصيلة نصف قرن من الصراع على شكل الشرق الأوسط وهويته وموازين القوة فيه، فالتحولات الكبرى لا تولد من حدث منفرد، وإنما من تراكمات طويلة تختبر خلالها الأفكار والدول والتحالفات والمشاريع السياسية. وما نشهده اليوم هو نتيجة مسار بدأ منذ عام 1979، عندما دخلت المنطقة مرحلة جديدة مع قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وصعود المشاريع الأيديولوجية العابرة للدول الوطنية.

خلال العقود الخمسة الماضية جرى اختبار كل شيء تقريباً، اختبرت المنطقة فكرة تصدير الثورة، واختبرت الإسلام السياسي بمختلف مدارسه، واختبرت الميليشيات والوكلاء والتنظيمات العقائدية العابرة للدولة، وفي كل مرة كانت النتيجة تكشف حدود هذه المشاريع عندما تصطدم بواقع الدول والمجتمعات والاقتصادات، من بغداد إلى دمشق، ومن بيروت إلى صنعاء، دفعت المنطقة أثماناً باهظة نتيجة تغليب الأيديولوجيا على الدولة، والتنظيم على المؤسسة، والسلاح على السياسة.

سلكت الإمارات طريقاً مختلفاً عن المسارات التي سادت في المنطقة خلال العقود الماضية، فمنذ قيام الاتحاد لم تعتمد في تاريخها السياسي على جماعات الإسلام السياسي كأداة نفوذ، ولم توظف التنظيمات العقائدية لتحقيق أهدافها، ولم تدخل في علاقة تخادم مع الميليشيات أو جماعات الإسلام السياسي، كان الرهان الإماراتي من البداية على الدولة الوطنية الحديثة بوصفها الإطار الوحيد القادر على صناعة الاستقرار والتنمية وحماية السيادة، ولهذا انصبت الجهود على بناء المؤسسات، وتطوير الاقتصاد، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، وتأسيس قوة نظامية محترفة تحمي المنجز الوطني وتؤمن استمراريته.

هذه النقطة تبدو اليوم أكثر أهمية من أيّ وقت مضى، فالشرق الأوسط الذي يخرج من الحرب ليس هو الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية، لقد تعرضت الكثير من المسلمات القديمة للاهتزاز، الفكرة التي قامت على أن الوكلاء قادرون على حماية النفوذ تعرضت لاختبار قاسٍ، والفكرة التي افترضت أن الصواريخ وحدها كافية لصناعة الردع تعرضت لاختبار أكثر قسوة، أما الدولة الوطنية التي تعرضت لمحاولات مستمرة لإضعافها أو تجاوزها فقد عادت إلى مركز المشهد باعتبارها الإطار الوحيد القادر على إنتاج الاستقرار المستدام.

من هنا يمكن فهم المعنى الأعمق لما كتبه الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة عندما تحدث عن أن التعامل مع المرحلة الجيوستراتيجية الأكثر تعقيداً يتطلب ثلاثة مرتكزات هي الدبلوماسية الفاعلة والروابط الاقتصادية المتينة والردع القادر والموثوق، فهذه الكلمات لا تصف سياسة ظرفية أو موقفاً مرتبطاً بحرب معينة، وإنما تلخص عقيدة سياسية وأمنية تشكلت عبر عقود من التجربة الإماراتية.

الدبلوماسية الفاعلة تعني أن السياسة يجب أن تسبق الصراع متى ما كان ذلك ممكناً، وأن بناء الجسور والشراكات لا يقل أهمية عن بناء القدرات الدفاعية، والروابط الاقتصادية المتينة تعني أن النفوذ الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لا يصنعه السلاح وحده، وإنما تصنعه التجارة والاستثمار والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والقدرة على أن تكون الدولة جزءاً محورياً في الاقتصاد العالمي، أما الردع القادر والموثوق فيعني أن السلام لا يعيش من دون قوة تحميه، وأن الاستقرار يحتاج إلى دولة تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحها ومكتسباتها الوطنية.

وهنا تبرز أهمية العامل الجيوسياسي الذي كثيراً ما يتم تجاهله عند قراءة التجربة الإماراتية، فالإمارات لم تعد دولة خليجية تؤدي دوراً تقليدياً داخل محيطها الإقليمي فقط، وإنما تحولت خلال العقود الماضية إلى عقدة ربط جيوسياسية وجيواقتصادية عالمية، أصبحت محطة أساسية في حركة التجارة والطاقة والغذاء والمال والأعمال، موانئها ومطاراتها ومراكزها المالية وشبكاتها اللوجستية باتت جزءاً من منظومة دولية تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

وهنا يصبح الردع ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً، فكلما ارتفعت قيمة الموقع الجيوسياسي لدولة ما ارتفعت الحاجة إلى حماية هذا الموقع، وكلما ازدادت أهمية الدولة في سلاسل التوريد العالمية ازدادت مسؤوليتها في حماية الاستقرار الذي تعتمد عليه تلك السلاسل، ولذلك فإن بناء قوة ردع إماراتية موثوقة لم يكن استجابة لحدث  أمني أو تهديد مؤقت، وإنما نتيجة طبيعية لصعود الإمارات كلاعب رئيسي في الاقتصاد العالمي وشبكات الربط الإقليمي والدولي.

يمكن النظر إلى الاتفاقيات الإبراهيمية من هذه الزاوية، فهي ليست مجرد اتفاقيات سياسية أو دبلوماسية، وإنما جزء من رؤية أوسع لإعادة هندسة المنطقة حول المصالح الاقتصادية والتكامل الإقليمي والانفتاح على المستقبل، كما يمكن النظر إلى الممر الاقتصادي الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا باعتباره مشروعاً جيواستراتيجياً يعيد رسم خرائط التجارة العالمية ويمنح المنطقة دوراً جديداً في حركة الاقتصاد الدولي.

هذه المشاريع لا يمكن أن تزدهر في بيئة مضطربة، ولا يمكن أن تستمر في ظل تهديدات دائمة للممرات التجارية أو البنية التحتية أو حركة الطاقة، ولهذا فإن الردع في العقيدة الإماراتية لا يرتبط بالحرب بقدر ما يرتبط بحماية السلام والازدهار والاستقرار لذلك جاء توقيع نائب رئيس الدولة الشيخ منصور بن زايد على مشروع السكك الحديدية مع المملكة الأردنية الهاشمية قبل أن تضع الحرب الأميركية الإيرانية أوزارها، لأن الإمارات تستشرف المستقبل بمسؤولية ويقين.

أما إيران، فإن الحرب الأخيرة تفتح أمامها مرحلة مختلفة تماماً،  فالمنطقة التي تتشكل اليوم تبدو أقل استعداداً للتعايش مع مشاريع الهيمنة، وهناك أربعة عناوين تبدو مرشحة لتحديد شكل المرحلة المقبلة، أولها عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، وثانيها وقف البرنامج الصاروخي الباليستي بوصفه أداة تهديد إقليمي، وثالثها إنهاء مشروع تصدير الثورة وما يرتبط به من دعم للوكلاء والأذرع المسلحة، ورابعها فتح ملف المسؤولية والتعويضات عن استهداف المنشآت المدنية والبنى التحتية الحيوية خلال سنوات الصراع.

هذه ليست شروطاً مرتبطة بالحرب وحدها، وإنما جزء من عملية أوسع لإعادة صياغة النظام الإقليمي، نظام يتجه نحو تعزيز مكانة الدولة الوطنية وتراجع دور الفاعلين من خارج الدولة، نظام تصبح فيه التجارة والاقتصاد والتكنولوجيا عناصر أكثر تأثيراً من الشعارات الأيديولوجية. ونظام تتقدم فيه الدول القادرة على الجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والردع في معادلة واحدة.

لقد احتاج الشرق الأوسط إلى نصف قرن من التجارب القاسية كي يصل إلى هذه اللحظة، نصف قرن اختبرت فيه المنطقة أفكاراً ومشاريع وتحالفات لا حصر لها وها هي المنطقة بينما تتراجع فيها النماذج التي قامت على الوكلاء والتنظيمات والأيديولوجيا، تتقدم نماذج أخرى بنت قوتها على الدولة والمؤسسات والتنمية والاستقرار، وفي مقدمة هذه النماذج تقف الإمارات التي لم تراهن على الفوضى يوماً، ولم تستثمر في الانقسامات، وإنما استثمرت في بناء دولة قادرة على حماية مصالحها والمساهمة في استقرار محيطها، ولهذا لا تبدو الإمارات اليوم مجرد دولة نجحت في قراءة التحولات المقبلة، وإنما دولة ساهمت في صياغة كثير من ملامح الشرق الأوسط الذي يولد الآن من تحت أنقاض مرحلة استمرت نصف قرن.

الدولة الأنموذج في مرحلة تخوضها بالواقعية السياسية كما يجب أن تكون هذه الواقعية، الردع العسكري الذي تشكل بشجاعة وإقدام في الحرب مع إيران صاغ عقيدة الردع الإماراتية عبر مفهوم واضح (العين بالعين والسن بالسن) هذه معادلة ردع تتطلب جهداً متصلاً في تقوية البنية العسكرية لتكون دائماً في جاهزيتها القصوى ففي الشرق الأوسط لا مكان لحسن النوايا طالما هناك ثعابين وكثير من الخونة وقليل من الأصدقاء.

العرب



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية