تقرير أمني ألماني يعيد تسليط الضوء على نفوذ الإخوان المسلمين داخل المجتمع والمؤسسات

تقرير أمني ألماني يعيد تسليط الضوء على نفوذ الإخوان المسلمين داخل المجتمع والمؤسسات

تقرير أمني ألماني يعيد تسليط الضوء على نفوذ الإخوان المسلمين داخل المجتمع والمؤسسات


11/06/2026

أعادت تقارير أمنية ألمانية حديثة فتح ملف جماعة الإخوان المسلمين في ألمانيا، بعدما حذرت من تنامي نفوذ الجماعة ومحاولاتها توسيع حضورها داخل بعض الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. وتناولت الصحف الألمانية مضمون تقرير أمني يشير إلى أنّ الجماعة تمثل تحدياً طويل الأمد للنظام الدستوري الألماني، ليس من خلال العنف أو النشاط المسلح، وإنّما عبر آليات التأثير المجتمعي وبناء شبكات النفوذ داخل الفضاء العام.

ورغم أنّ التقرير أثار اهتماماً إعلامياً واسعاً، فإنّ مراقبين للشأن الألماني يرون أنّ الأمر لا يتعلق باكتشاف جديد لوجود الإخوان المسلمين داخل البلاد، إذ تخضع أنشطة الجماعة ومؤسساتها للمتابعة والرصد من قبل الأجهزة الأمنية منذ سنوات طويلة. ويشير هؤلاء إلى أنّ التطور الأبرز يتمثل في انتقال النقاش الرسمي من متابعة التنظيم كحالة أمنية إلى دراسة تأثيره الفكري والاجتماعي والسياسي على المدى البعيد.

النفوذ المجتمعي بديل عن العنف

يُلاحظ أنّ التقرير الأمني يركز بصورة أساسية على مسألة النفوذ والتأثير داخل المجتمع، بعيداً عن الحديث عن خلايا إرهابية أو أنشطة عنيفة. ويعكس ذلك تحولاً في مقاربة السلطات الأوروبية تجاه الجماعة، حيث أصبح الاهتمام مُنصبّاً على قدرتها على بناء شبكات علاقات وتأثير داخل المؤسسات المختلفة، وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الشبكات في تشكيل التوجهات الاجتماعية والسياسية مستقبلاً.

ويثير هذا التوجه تساؤلات حول أسباب قلق الدول الديمقراطية من جماعات تعمل بصورة علنية وتشارك في الأنشطة المجتمعية والسياسية دون اللجوء إلى العنف. ويرى عدد من الباحثين أنّ جوهر الإشكالية لا يرتبط بالسلوك الأمني المباشر بقدر ارتباطه بطبيعة الرؤية الفكرية والتنظيمية التي تتبناها الجماعة.

فوفق أدوات عمل الجماعة فإنّ سياساتها تتلون وفق السياسة الجغرافية، والتاريخية كذلك، فهي قادرة على إنتاج خطاب يوازي كل مرحلة واحتياجاتها، كما أنّ لها تاريخاً في التجنيد، وإنتاج الخطابات المؤدلجة للمثقفين الأوروبيين، والمراكز البحثية والثقافية، ولها القدرة على استغلال مساحات الحرية والديمقراطية، ممّا دفع البرلمان الأوروبي نحو طرح تجريم العمل بالإسلام السياسي، بدلاً من تجريم الفعل العنيف. 

وحسب الخبرة التاريخية فإنّ نفوذ الإسلام السياسي ووجوده يمثل خطراً فعليّاً على الدولة والمجتمع، إذ أنّه يلجأ إلى السياسة كبديل عن العنف في حالة قوة الدولة وحضورها، وفور وجود أيّ فرصة للحضور العنيف يكون على أتم الجاهزية. كما أنّ نمط التفكير الذي ينفي الاختلاف هو عنف بالقوة؛ إذ أنّه يطرح نفسه كنمط وحيد يجب أن يُفرض على الجميع متعالياً على الاختلاف. 

وعقل الإسلام السياسي يُقدّم نفسه على أنّه حامل الحقيقة الكاملة التي تعطيه حق قيادة العالم، وهو منطق عنيف بالقوة حسب التعبير الأرسطي، أو منطق يحمل عنفاً رمزيّاً، تتمّ ترجمته في العنف الصريح فور توفر فرصة السيطرة، وهذا ما يجعل حضوره وانتشاره يمثل خطراً على أيّ مجتمع، لأنّ أيّ مجتمع يحمل الاختلاف والتنوع بالضرورة، ومن ثم فإنّ عدم قبول الاختلاف هو خطر على المجتمع ككل. 

إشكالية الانتماء بين الدولة الوطنية والتنظيم العابر للحدود

من المفهوم أنّ تتمحور إحدى النقاط الأساسية في هذا الجدل حول مفهوم الوطن والانتماء السياسي. فالدولة القومية الحديثة تقوم على مبدأ المواطنة الوطنية، حيث يُنظر إلى الدستور والدولة باعتبارهما الإطار النهائي للولاء السياسي والمدني. وفي المقابل، ارتبطت الأدبيات التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين بفكرة "الأمة الإسلامية" بوصفها دائرة انتماء أوسع تتجاوز الحدود القومية للدول.

إنّ وجود تنظيم ذي امتدادات دولية يطرح تساؤلات لدى الدول الأوروبية بشأن طبيعة الولاء السياسي لأعضائه وأنصاره، ومدى إمكانية التوفيق بين الانتماء إلى تنظيم عابر للحدود وبين متطلبات الاندماج الكامل في الدولة الوطنية الحديثة. فمن الضروري أن يحمل التنظيم ولاءات ورغبات مخالفة لولاءات ورغبات الدولة القومية، وعليه فإنّ المنتمين إلى هذا التنظيم يخدمون أجندات تختلف مع أجندة الدولة الحاضنة، ومن ثم فإنّ وجودهم خطر بالضرورة، خاصة أنّهم يخدمون مصالح مجاوزة لإطار حدود الدولة القومية، وربما تكون ضدها.

كما أنّهم لا يعترفون بحدود هذه الدولة وقوانينها، ومؤسساتها، وهذا ما يدفعهم إلى إنتاج نظام اجتماعي ومؤسساتي داخلي للجماعة تخدم من خلاله أهدافها، وهذا ما يجعلها دولة داخل الدولة، ومن ثم تمثل انقساماً سياسياً واجتماعياً خطيراً جداً. 

تحول في طبيعة النقاش الأوروبي

في ضوء ذلك، يبدو أنّ النقاش الأوروبي بشأن الإخوان المسلمين يشهد تحولاً تدريجياً. فبعد أن كان السؤال الرئيسي يتمحور حول ما إذا كانت الجماعة تمثل تهديداً أمنياً مباشراً أو تمارس العنف، أصبح التركيز يتجه نحو تساؤلات أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة العلاقة بين التنظيمات ذات الطابع الأممي وبين الدولة القومية الحديثة.

وبذلك، لم تعد القضية بالنسبة إلى عدد من الدوائر السياسية والأمنية الأوروبية مرتبطة حصراً بمسائل الإرهاب أو المشاركة السياسية، بل باتت تتصل بإشكالية التوافق بين مفهوم المواطنة الوطنية من جهة، والانتماءات الفكرية والتنظيمية العابرة للحدود من جهة أخرى، وهو نقاش مرشح للاستمرار في السنوات المقبلة داخل العديد من الدول الأوروبية.

وذلك بعد الانتباه إلى ممارساتها السياسية التي تكون بديلًا عن العنف، وإدراك أبعادها المحورية وتحولاتها، فبات العالم الأوروبي اليوم يُدرك الخطاب الإخواني وتلويناته، وخطره كذلك، بعد أن حضر في منصات السلطة والإدارة السياسية في العديد من البلدان العربية بعد انتفاضات العالم العربي، وبعد وجود منظمة داعش وانتماء العديد من الأوروبيين والأمريكيين إليها، وإدراك خطر انتشار هذا الخطاب. 

كما أنّ العقل الأوروبي تعرّض لأزمات عديدة كانت متعلقة بحمل المهاجرين الإسلاميين مشكلات بلادهم معهم، ومطالبة هذه المجتمعات بالخضوع لقيمها، وتصدّر الإسلام السياسي، ولا سيّما جماعة الإخوان، الحديث باسم الإسلام، واحتكروا الحديث باسمه، واستغلوا مساحة الحرية الموجودة لخدمة أهدافهم، وبناء خطابهم والعمل على ذرع أجنداتهم، ممّا دفع العقل الأوروبي للبحث في المسألة من زاوية الانتماء وخدمة الأهداف، وليس الأثر الإرهابي، وذلك بعد أن تعرّض لأزمات كبيرة. 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية