
في "التداوي بالفلسفة"، يقدّم سعيد ناشيد الفلسفة باعتبارها ممارسة عملية تساعد الإنسان على أن يحيا حياة أكثر اتزانًا وأقلّ شقاءً. فهو لا ينظر إليها بوصفها معرفة نظرية مجردة، بل يراها وسيلة لإنقاذ الروح الإنسانية من القلق والاضطراب. وينتقد ما آلت إليه طريقة تدريس الفلسفة في عالمنا المعاصر، إذ يرى أنّها أسهمت في إقصاء ثلاثة مفاهيم أساسية هي: الحكمة، والتأمل، والتفلسف، بعدما تحولت إلى مادة أكاديمية جامدة حبيسة القاعات الدراسية والامتحانات. ومن ثم يدعو إلى استعادة وظيفتها الأصلية بوصفها فنًا للحياة وأداة لفهم الذات والعالم. ويؤكد أنّ "الفلسفة مرشدنا إلى إعمال الفكر وإلى الفهم العميق للنفس الإنسانية"، مع اعترافه بقيمة التجارب الروحية الأخرى؛ فلا ينكر إشراقات متصوفة الإسلام ولا حكماء الهند، لكنّه يرى أنّ الفلسفة تمتاز بكونها تقوم على التساؤل الحر والنظر العقلي، وتمنح الإنسان القدرة على مواجهة مخاوفه وأوهامه والتصالح مع محدوديته، فتغدو نوعًا من العلاج الفكري والروحي الذي يساعده على تحمل أعباء الوجود والتعامل مع قسوة الحياة بوعي وحكمة.
يؤكد ناشيد على أحد أدوار الفلسفة الرئيسة، وهو دورها في بناء الحضارة، ويدعونا إلى تخيل عالم يخلو من النصوص الفلسفية المؤسسة لديكارت واسبينوزا ورسل وكانط وماركس وهيغل ونيتشه. فهل سيكون العالم على ما عليه الآن؟ إذ إننا لا نفكر من خلال اللغة، بل من خلال المفاهيم التي صنعها هؤلاء الحكماء. "فالفلسفة هي السلم الذي ارتفعت الحضارة المعاصرة عليه صعودًا متدرجًا نحو تحسين قدرة الإنسان المعاصر على التفكير".
تغيير القدر
يرى ناشيد أنّه بوسع الفلسفة أن تساعدنا على التعامل مع أزمات العيش ومع مطبات الحياة الإنسانية عن طريق التأمل والتفكير؛ التفكير الذي يخلص إلى أنّه لا أحد هناك يتعمد شقاءنا ويترصد مساعينا، وأنّ الإخفاق والعجز والملل والفقد جزء من مسيرة الإنسانية، وأنّ على الإنسان أن يقوي قدرته على تحمل الألم حتى ينقضي بدلًا من التذمر والغضب. وأن يستعين على ذلك بالرصيد الفلسفي للبشرية: "عندما تصل إلى نقطة لا تتحمل بعدها أيّ شيء، وتوشك على الانهيار، احفظ هدوءك، واحذر أن تستنزف ما بقي من طاقتك، ففي هذه اللحظة بالذات قد يتغير قدرك بنحو لا يمكنك توقعه".

ولا نستطيع هنا إلا أن نتساءل: هل تمتلك الفلسفة القدرة الشفائية التي ادّعاها ناشيد؟ وهل هي قادرة على حل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وأزمات اللاجئين وأزمات التوحش البشري؟ أم أنّ الأمر يحتاج إلى أدوات إضافية أخرى تهدف إلى تحسين جودة الحياة الإنسانية؟ هل يمكن أن أعطي لشخص يعيش في خيمة كتاب "فن العيش الحكيم" لشوبنهاور كحل لأزمته؟
الواقع أنّ مشاكل الإنسانية لا تقتصر على البُعد الوجودي والفكري، والتفلسف ليس بديلًا عن العدالة والتنمية. وإن كانت الفلسفة تهون مصاعب الحياة، فإنّ أدواتها لا تستطيع أن تمتد إلى بعض مظاهر الوجود الإنساني.
وهل تمتلك البشرية الكادحة الآن، في ظل الأزمات الاقتصادية الطاحنة، رفاهية الوقت والقراءة والتأمل والتفلسف؟
وفي حديثه عن الأمل، يذهب ناشيد إلى أنّ طول الرجاء قد يتحول إلى شكل آخر من الألم، وأنّه خير للإنسان أن يقطع حبال الأمل الذائبة ويتعامل مع الواقع بقسوته؛ فالتعلق بأوهام الخلاص يبدد طاقة الإنسان، بل إنّ انقطاع الأمل في كثير من الأحيان يكون فاتحة لمسارات أخرى في الحياة عطلتها الأوهام.
ويتناول الحب بوصفه شعورًا لصيقًا بالحزن منذ لحظاته الأولى، حتى في أوج سحره، إذ لا يخلو من خوف؛ خوف الفقد، وخوف الإخلاص، وخوف أن يكون مجرد وهم صنعته الحاجة النفسية للرغبة في الاكتمال. فالحب مهرب وجودي عظيم يهوّن من حدة العدم بوهم الأبدية في قلب من نحب! ويقترب ناشيد هنا من بعض التفسيرات البيولوجية والنفسية للحب، الذي ربما ليس إلا لعبة الطبيعة التي تريد أن تحفظ النسل، فتغلف المصيدة بطبقة خارجية مسكرة اسمها الحب، سرعان ما تزول مع الأيام.
غير أنّ هذه الرؤية، على ما فيها من جرأة وعمق، لا تخلو من واقعية صارمة؛ فالتاريخ الإنساني يقدّم كثيرًا من المنجزات البشرية التي كانت وليدة الأمل، ووليدة التمسك المؤمن به. بل إنّ الكثير من المنجزات الفردية والجماعية للبشرية كان دافعها ذلك الأمل. كما أنّ اختزال الحب في التفسيرات البيولوجية أو النفسية وحدها يغفل أبعاده الإنسانية والروحية. إنّ أفكار ناشيد في بعض المواضع تستفز القارئ، غير أنّ رؤيته كانت ستكون أكثر توازنًا لو أنّها منحت مساحة أكبر للجوانب المضيئة من الأمل والحب في التجربة الإنسانية، فقد منح الأمل والحب الإنسان فرصة تجاوز هشاشته عبر التاريخ.
حياة جديرة بالحياة
وعن الشيخوخة، يرى ناشيد أننا لا يمكن أن نقاوم الزمن، لكن يمكن أن نعمل على تحسين نوعية حياتنا عن طريق تغيير نظرتنا؛ فالشيخوخة مرحلة تراجع القدرات العقلية والبدنية والجنسية لدى الإنسان، لكنّها أيضًا قد تكون بداية البحث عن المسرات الصغيرة والهادئة، ومواصلة الهوايات والاهتمامات التي ضاعت في زحام تربية الأبناء وزحام العمل. أمّا فكرة الموت، فيجب على العاقل أن يتمرن عليها، وألّا يخشاها ولا يطلبها، وأن "يعيش حياة جديرة بالحياة".
وحول التعامل مع المرض وأحكام القدر، يرى أنّه من الحكمة أن يتماهى الإنسان مع القوة التي تعلوه، وأن يُسلّم نفسه للتيار دون أن يقاومه. غير أنّ هذا التصور يظل قريبًا من الحكمة الرواقية التي تركز على التكيف مع ما لا يمكن تغييره، وهو تصور يمنح الإنسان قدرًا من السكينة، لكنّه قد يبدو عسير التطبيق حين يتعلق الأمر بآلام المرض القاسية أو بالخوف الفطري من الموت، حيث لا تكفي القناعة العقلية وحدها دائمًا لتبديد القلق الإنساني.
يظل "التداوي بالفلسفة" محاولة جادة لإعادة الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية؛ لتكون فنًا للعيش، ولتكون جزءًا من نظرتنا إلى الحياة وتقييمنا لها في آنٍ واحدٍ. غير أنّ الفلسفة، على نبل مراميها، تظل غير محيطة بجرح الوجود الإنساني كله، ولا تستطيع وحدها إزالة الأسباب المادية والاجتماعية والاقتصادية لمنغصات العيش. فالإنسان يحتاج إلى الحكمة كما يحتاج إلى العدالة، ويحتاج إلى التأمل كما يحتاج إلى شروط حياة كريمة. ولعل قيمة الكتاب الكبرى تكمن في أنّه يعيد طرح السؤال القديم: كيف نحيا حياة أقلّ قسوة وأكثر معنى؟ وهو سؤال سيبقى مفتوحًا ما بقي الإنسان باحثًا عن الطمأنينة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_2_4_0_1.png.webp?itok=BxX9SKUI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%BA%D9%85%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%20%D8%A5%D9%84%D9%89%20%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_1.jpg.webp?itok=gw8h03yp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/wrwb_0_3.jpg.webp?itok=zXenG1c_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_3_0.jpg.webp?itok=ZJGzLGZI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_1_3_0.jpg.webp?itok=sTeiTxgY)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Islamists%20_0_0_2_2.jpg.webp?itok=C4gVdlSG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_3_0.jpg.webp?itok=eprUR33z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_184_0.jpg.webp?itok=fexPfLBz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_1_1.jpg.webp?itok=j7YXstog)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_4_0.jpg.webp?itok=K7iHRvWY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_1.jpg.webp?itok=IbaNXMjA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86_176_0_0_1.jpg.webp?itok=n6Qpa7V6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%A7%D8%B3_67_1_4_0_0.jpg.webp?itok=wrd_MIbW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0068f-41_0_4.jpg.webp?itok=45UKeSnt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1275570_0_0.jpg.webp?itok=bXm4MTnr)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)