"دين الجلادين"... كيف تحول الدين عند الإخوان إلى أداة لمكايدة الخصوم؟

"دين الجلادين"... كيف تحول الدين عند الإخوان إلى أداة لمكايدة الخصوم؟

"دين الجلادين"... كيف تحول الدين عند الإخوان إلى أداة لمكايدة الخصوم؟


08/06/2026

تكشف التفاعلات اليومية حول القضايا المختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي عن العديد من الظواهر الاجتماعية التي تنتشر في المجتمع، وتمثل القضايا المتعلقة بالدين بشكل أو بآخر إحدى أبرز القضايا التي تحظى بتفاعلات كبيرة وتكشف من ثم عن بعض هذه الظواهر.

خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مرحلة ما بعد الربيع العربي، تزايدت حدة الاستقطاب السياسي والديني في المجتمع المصري، وزادت درجة الانقسام بين تياراته الفكرية والسياسية وفئاته الاجتماعية المختلفة، وظهرت من ثم بعض الممارسات التي تكشف عن تحول في الخطاب الديني، وفي أنماط التدين، وفي دور الدين ووظيفته في المجتمع من أداة للتزكية والدعوة بالحسنى إلى أداة للمكايدة وإحراج الخصوم واستفزازهم، والسؤال الذي نطرحه هنا يتعلق بأسباب صناعة هذه الظاهرة، ودور الخطاب الديني فيها، وهل هذا مرتبط بالتغيرات التي صنعها الربيع العربي أم أنّ لها جذورًا تاريخية؟

بعض ملامح الظاهرة

عند متابعة العديد من حسابات "الإنفلونسرز" من الإسلاميين على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن بسهولة رصد ظاهرة اجتماعية من الممكن أن نطلق عليها "دين الجلادين"، وهي تُعبّر عن تحول في الدور التقليدي للداعية من القيام بدعوة الناس إلى الدين من خلال النصيحة وبيان الحكم الشرعي في الأمور المختلفة بشكل هادئ ومتزن، إلى ممارسات يطلق عليها متابعو هؤلاء المؤثرين "جلد الآخر" بمعنى الإغلاظ في القول والتفنن في إحراج الخصم أو المخالف وإخراسه والتقليل منه أمام الناس والانتصار للرأي والنفس، وذلك من خلال سبّه وتسفيهه ووصفه بأوصاف غير أخلاقية، وشخصنة الخلاف معه وتحويله من خلاف حول الرأي إلى خلاف حول الشخص ذاته من خلال تشويهه وتوظيف أمور شخصية خاصة به في ذلك، ويتم استخدام بعض المصطلحات على هذه الحسابات للتعبير عن الموقف الواجب من الخصوم، مثل "اجلد"، "دشمل"، قصف جبهة"... إلى غيرها من مصطلحات تعكس حالة من التطرف راسخة عند شريحة من المتدينين المتأثرين بنمط معين من الخطاب الديني.

دور الخطاب الديني في صناعة الظاهرة

نشأت الحركة الإسلامية في القرن العشرين من رحم القلق والخوف والشعور بالتهديد تجاه الهوية والدين، وبغضّ النظر عن مدى سلامة تصوراتها أو رؤيتها للواقع، لكنّ طبيعة هذه النشأة أسهمت في تشكيل أهدافها وخطابها، فقد جاءت ولديها تصور أنّ الإسلام غائب ومحاصر ومحارب من كثير من الأعداء الذين يرغبون في القضاء عليه نهائيًا، وأنّهم، كتيار ديني، أصحاب هذا الدين المكلفون بالدفاع عنه، المالكون لناصية الفهم الصحيح له، ومن ثم تشكّل لديهم ثنائية الحق/ الباطل، والصواب/ الخطأ، وأصبح كلُّ رأي مخالف تعبيرًا عن حالة العداء للدين، وكلُّ صاحب فكرة مخالفة عدوًّا للدين يجب الوقوف ضده بكل الطرق.

وقد أفرزت ظاهرة الصحوة الإسلامية التي ظهرت في السبعينيات وتمثل تمددًا للحركة الإسلامية التي نشأت أوائل القرن العشرين، نمطًا من الخطاب الديني يُعدّ أول صورة لـ "دين الجلادين"، حيث ظهر بعض الدعاة مثل الشيخ عبد الحميد كشك والشيخ وجدي غنيم يتميز خطابهم الديني بالسخرية الحادة من المخالفين والخصوم، والتقليل منهم وتوجيه السباب والاتهامات الأخلاقية لهم، واستخدام ألفاظ حادة في ذلك، وقد أسهم ذلك في ترسيخ ثقافة "الجلد" التي تعني لدى البعض طريقة للدفاع عن الدين والتعبير عن شدة الإيمان باعتبار أنّها تمثل قوة في الحق وهي إحدى صفات المؤمنين!

وتقف عدة أسباب خلف صناعة الظاهرة؛ منها أنّ مشروع الحركة الإسلامية يتميز بأنّه ثوري، بمعنى أنّه جاء ليحدث تغييرًا جذريًا في المجتمع من خلال رفض الواقع بكل ما فيه كما وضحنا سلفًا، وتوفير نموذج بديل له، وقد أسهم هذا المشروع في تحويل الدين من أداة للتزكية إلى سلطة تجاه الآخرين وأداة للتمييز ضدهم، وأسهم أيضًا الخطاب الديني في ترسيخ نمط التدين الشكلي من خلال تركيزه على الشكل في التدين بقدر أكبر من الجوهر، حيث يركز على بعض المظاهر التي تعكس انتشار التدين في المجتمع مثل اللباس واللحية والالتزام ببعض الشعائر الدينية التي تتسم بالطابع الدعائي، مقابل عدم التركيز على القيم الأخلاقية التي تسهم في ارتقاء المجتمع، كذلك من الأسباب وجود حالة استقطاب في المجتمع ناتجة عن صراع الهوية التي يعيشها المجتمع المصري منذ سنوات طويلة، وأسهم في حدتها ظهور الحركة الإسلامية التي تمثل لها الهوية أحد أبرز أسباب الصراع، حيث لا تعترف الحركة بأيٍّ من مكونات الهوية سوى الدين، وهذه الحالة تفرض على المنخرطين فيها رؤية الأمر على أنّه معركة بين طرفين يجب أن ينتصر فيها أحدهما، وهو ما يجعل طرح الرأي والمناقشة حوله لا تهدف بشكل أساسي إلى إقناع الطرف الآخر أو محاولة إيجاد مساحة مشتركة للالتقاء فيها، ولكن تهدف إلى إسكاته وإحراجه والنيل منه، وقد زاد من حدة حالة الاستقطاب التغيرات السياسية التي ترتبت على الربيع العربي، وقد أسهم الصراع مع التيار الديني بعد 2013م في زيادة الانقسام المجتمعي الذي عمّق هذه الحالة.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية