حين تكون وظيفتك الوحيدة هي أن تقدم التضحيات

حين تكون وظيفتك الوحيدة هي أن تقدم التضحيات

حين تكون وظيفتك الوحيدة هي أن تقدم التضحيات


07/06/2026

منذ تأسيس حركة حماس العام 1987 خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وتقديمها لمشروعها كبديل للمشروع الوطني الفلسطيني، ولنفسها كبديل لمنظمة التحرير الفلسطينية، استند خطابها إلى تزاوج بين العقيدة الدينية وشعارات المقاومة. هذا التزاوج بحد ذاته، وبعيداً عن أي عوامل أخرى تخص القضية الفلسطينية وطرفي صراعها، يستطيع أن يكون أكثر جاذبية لقطاعات واسعة من المستمعين، من أي خطاب يعتمد لغة التسوية أو الحلول السلمية.
ولأن كل فصيل لا بد له من وعود يقدمها إلى جمهوره، ولأن الفصيل الذي يقدّم نفسه كبديل لا يمكن لوعوده أن تشبه وعود من يطمح في أخذ مكانهم، فقد قامت حماس بنسج علاقة مع جمهورها ومع المجتمع الفلسطيني عموماً تقوم على الوعود التالية:
أولاً، تحرير فلسطين من النهر إلى البحر من خلال المقاومة المسلّحة ولا شيء غير المقاومة المسلحة. فمنذ انطلاقتها تؤكد حماس أن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين هو هذا الشكل من المقاومة، وأن هذا الشكل يُستخدم من أجل هذا الهدف فقط. أقصد أن الحركة لم يصدر عنها لا في أدبياتها ولا في خطابات مسؤوليها أو الناطقين باسمها، أنها تمارس المقاومة من أجل تحسين شروط التفاوض مثلاً، أو من أجل تعزيز صمود الناس على الأرض، أو من أجل جرّ العدو إلى طاولة التسوية.
وهذا منطقي على أي حال، فعندما يكون الهدف هو التحرير الشامل، فمن الطبيعي أن يكون العدو الذي تريد التحرر منه خارج نطاق تفكيرك كطرف يمكن التعامل معه في إطار تسوية ما، أو على طاولة مفاوضات واحدة. لكن هذا العدو موجود في الواقع، ما يستدعي عدم إغفال وجوده في الخطاب، لذلك كان لا بد من الوعد الثاني.
ثانيا، حتمية زوال إسرائيل قريباً، وذلك إما بانهيارها وهزيمتها تحت ضربات المقاومة أو نتيجة لتفككها الداخلي. هذا الوعد كان يتم تدعيمه دوماً بتفسيرات دينية، وحسابات متفائلة لا تمتلك برهاناً سوى الانتظار. ومن المعروف أن الانتظار غير المحكوم بسقف زمني لا يمكن محاسبته ولا قياس نتائجه، وبالتالي فلا يوجد ما يدفع لبناء استراتيجية فلسطينية قادرة على استعجاله أو استبداله إن طال أكثر مما يجب.
هذا الوعد، ونتيجة لدغدغته مشاعر الكثير من شرائح الجمهور المستهدف، والمستمع بانتباه شديد، خلق إحساساً وهمياً لدى هذه الشرائح بأن الزمن يلعب تلقائياً في صالحنا كفلسطينيين، وأن نصرنا قادم لا محالة بغض النظر عن موازين القوى، أو الحسابات السياسية. يكفي أن الموروث الديني فيه إشارات كافية تؤكد هذه الحقيقة، فما الحاجة، إذاً، إلى كل السياسة وحساباتها، فالحل أبسط من كل هذه الحسابات، فعندما لا تتحقق النتائج المرجوة، يمكن تأجيلها إلى المستقبل، كما يمكن تفسير أي إخفاقات باعتبارها مجرد مراحل على طريق النصر النهائي.
ثالثاً، إقامة نموذج حكم أفضل، وهنا انتقلت «حماس» من كونها بديلاً للمنظمة إلى موضعة نفسها كبديل للسلطة الفلسطينية الناتجة عن اتفاق أوسلو. وهذه مفارقة لم يكن لها أن تمر مرور الكرام في وضع سياسي صحي تقوده فصائل ونُخب فكرية وثقافية مؤهلة لتمثيل الحق الفلسطيني والدفاع عنه. فكيف يمكن لحركة أن تعد بحكم أفضل داخل إطار تسوية تسعى هي ذاتها لهدمه.
كيف يمكن لحركة أو لفصيل أو لأي جسم سياسي مهما كان مسمّاه ومهما كان هدفه، أن يستمد شرعيته من كونه مقاوماً يرفض الوضع السياسي القائم ويسعى إلى تجاوزه وإسقاطه، وفي نفس الوقت يبحث عن شرعية داخل هذا الذي يريد إسقاطه، خصوصاً حين تكون هذه الشرعية مرتبطة حتماً بنموذج يسعى إلى تحسين الأداء داخل ما يجب إسقاطه وليس تحسينه هو أو تحسين شروطه.
أو بلغة أكثر تبسيطاً: إذا كان مشروع التحرير الشامل لفلسطين من النهر إلى البحر يقتضي إسقاط الإطار السياسي القائم نتيجة لتسوية سياسية مجحفة ومرفوضة، فكيف يمكن في الوقت نفسه تقديم نجاح الحركة في إدارة هذا الإطار باعتباره إنجازاً سياسياً؟ وكيف استطاع هذا الوعد أن يلقى ترحيباً، ليس عند جمهور «حماس» فقط، بل عند الفصائل الكثيرة والنخب الأكثر، والتي غضت الطرف طوال ما يقرب العقدين من الزمن، وصولاً إلى لحظة السابع من أكتوبر.
لماذا أذكر هذه اللحظة؟ لأن محاولة الجمع بين شرعيتين متناقضتين، واحدة مستندة إلى غيبيات دينية لا إلى تخطيط سياسي وهي حتمية زوال إسرائيل، والثانية، أي الحكم، غير مدعومة إلا من أطراف تؤمن بالأولى وليس من أطراف التسوية السياسية أو ممن يؤيدونها، كل هذا قاد الحركة إلى افتعال حرب خارجية كلما تأزم وضعها الداخلي، وقادها إلى التنكيل أمنياً وضرائبياً بالداخل كلما استقر الوضع الخارجي.
أما المجتمع الذي يدعي الفصيل أنه يدافع عنه، فقد كان يدفع الثمن في الحالتين؛ في حالة الحرب التي تُشن عليه إسرائيلياً عندما تتقدم ضرورات المقاومة، وفي حالة الضغط الضريبي والتنكيل السياسي والأمني من الجهة الحاكمة، عندما تتقدم ضرورات الحكم غير المدعوم مالياً وسياسياً من الخارج، بما يكفي لاستقراره.
ظل المجتمع الغزي يدفع هذا الثمن ما يقارب العقدين من الزمن، دون أن يلتفت إليه أحد ودون أن يدافع عنه أحد، ما قاد إلى اعتقاد داخلي وخارجي أن هذا المجتمع ليس له وظيفة ولا طموح إلا أن يقدم التضحيات، وبالتالي فمن سيسأل عما سيحدث لمليوني إنسان إذا انفجر الوضع وأدى إلى حرب إبادة بحقهم؟ فالسؤال الأهم هو ما الذي سيحققه هذا الانفجار على المستوى الرمزي، كمحطة على طريق الوعد الإلهي بزوال إسرائيل.
ومن هنا تبدو مصطلحات مثل «الخسائر التكتيكية» و»إعادة إنتاج الشهداء» و»شهداؤنا أوراق ضغط» والكثير مثلها في سياقها الطبيعي، ولا تستفز أحداً لا من «حماس» ولا من أنصارها ولا من الجمهور المصفق لها والمعجب بشعاراتها.

عن الأيام الفلسطينية


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية