كيف قد تعيد أزمة هرمز تشكيل بنية الخليج التحتية؟

كيف قد تعيد أزمة هرمز تشكيل بنية الخليج التحتية؟

كيف قد تعيد أزمة هرمز تشكيل بنية الخليج التحتية؟


31/05/2026

نجحت إيران في تحويل قربها من مضيق هرمز إلى أداة ردع استراتيجية. فمن خلال تعطيل التجارة البحرية، أثبتت طهران أنها قادرة على تهديد الاقتصاد العالمي بأقل قدر من الجهد.

وإذا تمكن النظام الإيراني من الصمود في الحرب الحالية، فإن خصومه سيفكرون مليا قبل التسبب مجددا في إغلاق أهم ممر للطاقة في العالم.

غير أن فرصة طهران لاستخدام سيطرتها على هرمز كوسيلة ردع قد لا تدوم طويلا. فالحروب غالبا ما تكون المحرك الرئيسي لتنويع مسارات نقل النفط، ودول الخليج العربية بدأت بالفعل في البحث عن طرق تصدير بديلة.

وبعد عقد من الآن، سيبدو المشهد الاستراتيجي في الخليج مختلفا تماما، مع ظهور خطوط أنابيب جديدة وشبكات سكك حديدية وبنية تحتية للموانئ توفر بدائل للتجارة الداخلة والخارجة عبر المضيق.

وتوفر هذه الخيارات المتعددة نوعا من التأمين ضد أي إغلاق مستقبلي للمضيق، من خلال مسارات بديلة تفتقر إليها المنطقة اليوم بشكل واضح.

ومع مرور الوقت، من المرجح أن تتراجع الأهمية الحاسمة للعبور عبر مضيق هرمز، وكذلك المخاطر المرتبطة به على الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلا، لا يمكن لخطوط الأنابيب والسكك الحديدية أن تحل بالكامل محل مضيق مفتوح. فخيارات تصدير الغاز الطبيعي المسال محدودة للغاية، ما يعني أن اقتصادات الخليج العربية ستظل معرضة جزئيا لأي إغلاق مستقبلي لهرمز. كما أن البنية التحتية الجديدة المخصصة لتجاوز المضيق ستظل بدورها عرضة للهجمات.

ومن المفارقات أن بناء هذه البدائل قد يشجع مستقبلا على اندلاع صراعات جديدة مع إيران، لأن وجود مسارات تجارية بديلة يقلل من المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي عند إغلاق هرمز.

وبمجرد اكتمال هذه البدائل، قد تصبح العودة إلى الحرب مع إيران أقل كلفة، وبالتالي أكثر احتمالا.

وبالنسبة لمنطقة تعد مصدرا رئيسيا للطاقة في العالم، تبدو شبكة خطوط الأنابيب في شبه الجزيرة العربية محدودة بشكل لافت. فهي تتألف أساسا من خطوط كبيرة القطر تنقل النفط من الحقول إلى مراكز المعالجة، حيث تزال الشوائب وتفصل الغازات، قبل نقل الوقود إلى موانئ التصدير أو المصافي.

ورغم أن خطوط الأنابيب الخليجية قادرة على نقل كميات ضخمة من النفط والغاز ومشتقاتهما، فإن الشبكة الإجمالية تفتقر إلى الكثافة اللازمة التي تسمح بتحويل الإمدادات عبر مسارات بديلة عندما يتعطل أحدها.

وعلى سبيل المقارنة، تمتلك الولايات المتحدة شبكة خطوط أنابيب فائقة الكثافة في جنوبها ووسطها، تتيح تدفقات متعددة الاتجاهات وتوفر بدائل عديدة عند حدوث أي انقطاع.

وفي عام 2025، كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 13.5 مليون برميل يوميا، وتشغل أكثر من 365 ألف كيلومتر من خطوط أنابيب النفط الخام وسوائل الغاز الطبيعي.

وفي المقابل، تمتلك السعودية، التي تبلغ قدرتها الإنتاجية 12.2 مليون برميل يوميا، شبكة بطول نحو 6200 كيلومتر فقط، أي أقل من 2 بالمئة من طول الشبكة الأميركية.

وأما بقية دول مجلس التعاون الخليجي الخمس، فتشغل مجتمعة شبكة بطول يقارب 4500 كيلومتر فقط.

ويظهر التفاوت نفسه في البنية التحتية الخاصة بالغاز الطبيعي. فالولايات المتحدة تمتلك نحو 350 ألف كيلومتر من خطوط الغاز، بينما لا تمتلك السعودية سوى أقل من 6000 كيلومتر، رغم أن مساحة المملكة تعادل نحو 70 بالمئة من مساحة الأراضي الأميركية الواقعة شرق نهر المسيسيبي.

وقد أثبت غياب وسائل النقل البديلة للنفط والغاز في الخليج أنه كارثي اقتصاديا بالنسبة للدول التي لا تمتلك خطوطا احتياطية للنقل، وكذلك بالنسبة لعملائها.

وفي عام 2026، لم تكن هناك سوى أربعة خطوط أنابيب عاملة لتجاوز مضيق هرمز. وقد سمحت هذه الخطوط لإيران والعراق والسعودية والإمارات بتصدير ما بين 40 و45 بالمئة من التدفقات النفطية المعتادة البالغة 15 مليون برميل يوميا عبر المضيق.

وأما الكميات المتبقية، والتي تتراوح بين 8 و9 ملايين برميل يوميا، فقد تعطلت بالكامل، وهي تمثل الطاقة التصديرية الكاملة لكل من البحرين والكويت وقطر، إضافة إلى معظم صادرات العراق وبعض صادرات السعودية والإمارات وإيران. وتعادل هذه الكمية نحو 10 بالمئة من الاستهلاك العالمي للنفط.

وأثبت نقص البدائل لنقل النفط والغاز في الخليج أنه كارثي اقتصاديا للدول التي تفتقر إلى وسائل نقل احتياطية، كما منح إيران قدرة على الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لإنهاء حملتهما العسكرية.

ونظرا للأهمية الاقتصادية الكبيرة لصادرات الطاقة الخليجية، والخسائر المتزايدة الناتجة عن توقفها، أضافت الحرب الإيرانية زخما جديدا لبناء خطوط أنابيب بديلة عبر شبه الجزيرة العربية.

وبدأت دول الخليج العربية أيضا في توسيع شبكة السكك الحديدية المحدودة في شبه الجزيرة، رغم أن بعض المشاريع لا تزال في مرحلة التخطيط.

ومن شأن توسيع النقل بالقطارات أن يقلل الاعتماد على النقل البحري عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وهو أمر مهم بشكل خاص بالنسبة لواردات الغذاء والسلع الصناعية والبضائع الجافة.

وفي حال اكتمال هذه الشبكات، ستتمكن دول مجلس التعاون الست من نقل البضائع إلى موانئ تقع على السواحل الجنوبية والغربية لشبه الجزيرة، حيث ترتبط بسلاسل الإمداد العالمية.

ويعد مشروع سكة حديد الخليج الأكثر طموحا بين هذه المشاريع، إذ يمثل توسعة لمشروع “قطار الاتحاد” الإماراتي الذي دخل الخدمة حديثا. ويقوم المشروع حاليا بنقل البضائع، ومن المتوقع أن يبدأ نقل الركاب خلال عام 2026.

وسيربط مشروع السكك الحديدية الخليجية الموسع جميع دول الخليج الست، من مدينة الكويت شمالا، مرورا بالمنطقة الشرقية السعودية والإمارات، وصولا إلى سلطنة عمان، مع خطوط فرعية تمتد إلى قطر والبحرين.

ويرتبط بهذا المشروع مشروع “الجسر البري” السعودي، الذي يهدف إلى تمديد خط السكك الحديدية القائم بين الدمام والرياض وصولا إلى جدة على البحر الأحمر.

وفي الوقت نفسه، يسعى مشروع “حفيت ريل” إلى ربط ميناء صحار العماني – الواقع خارج مضيق هرمز على بحر عمان – بأبوظبي، وقد بلغت نسبة إنجازه 40 بالمئة في أبريل 2026.

وتبقى خيارات تجاوز هرمز أكثر محدودية بالنسبة للغاز الطبيعي. فالمليارات التي استثمرت في منشآت تسييل الغاز في قطر – وبدرجة أقل في الإمارات – مرتبطة ببنية تحتية ثابتة لا يمكن نقلها خارج المضيق.

وقد يضعف نفوذ إيران الناتج عن سيطرتها على هرمز مع إنشاء خطوط نفط جديدة، لكن صعوبة وكلفة بناء منشآت جديدة لتصدير الغاز الطبيعي المسال تعني أن طهران قد تحتفظ بجزء من نفوذها الحالي على تجارة الطاقة.

وعندما اندلعت الحرب الإيرانية في 28 فبراير 2026، كانت قطر تسعى بالفعل إلى رفع قدرتها التصديرية من الغاز الطبيعي المسال من 77 مليون طن سنويا إلى 142 مليون طن، أي بزيادة 84 بالمئة.

لكن الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت رأس لفان القطرية في مارس 2026 أوقفت الصادرات ودمرت جزءا من القدرة الإنتاجية وأخرت خطط التوسع، ما ألحق أضرارا هائلة بالاقتصاد القطري.

وقد تضررت بشكل خاص منشآت تحويل الغاز إلى سوائل المملوكة بالشراكة مع “شل”، كما دمرت قدرة تسييل تبلغ 12.8 مليون طن سنويا مملوكة بالشراكة مع “إكسون موبيل”. ومن المتوقع أن تستغرق أعمال الإصلاح سنوات.

كما أن التكلفة الهائلة لبناء محطات تسييل الغاز تجعل من غير المرجح أن تنقل قطر منشآتها من رأس لفان أو أن تنقل الإمارات منشآتها من جزيرة ياس. بل إن شركة “أدنوك” الإماراتية كانت تخطط لبناء منشآت تسييل جديدة في الفجيرة خارج المضيق، لكنها قررت عام 2023 التخلي عن الفكرة بسبب الكلفة الإضافية، واختارت إنشاء منشأة داخل الخليج في الرويس.

وتشير الطبيعة الثابتة لمنشآت تسييل الغاز إلى أن إيران ستحتفظ ببعض القدرة على التهديد بإغلاق هرمز مستقبلا. فقد بلغت قيمة تجارة النفط والغاز الخارجة عبر هرمز عام 2024 نحو 650 مليار دولار، شكل الغاز الطبيعي المسال أقل من 10 بالمئة منها، فيما بلغت قيمة صادرات قطر وحدها نحو 50 مليار دولار.

ويعني فقدان هذه الصادرات – أي نحو 4 مليارات دولار شهريا – كارثة لا يمكن لقطر تحملها، خصوصا أن موازنتها لعام 2026 بلغت 60.5 مليار دولار فقط.

ولهذا السبب، قد تسعى الدوحة نظريا إلى الحفاظ على علاقتها العملية الطويلة مع إيران أو حتى تعزيزها، على أمل تقليل احتمالات استهداف صادراتها مستقبلا. وتستند هذه العلاقة إلى حقيقة أن قطر وإيران تتشاركان أكبر حقل غاز طبيعي في العالم.

وتسيطر إيران على نحو ثلث الحقل المعروف لديها باسم “بارس الجنوبي”، بينما تسيطر قطر على ثلثيه المعروفين باسم “حقل الشمال”.

وقد يسمح اتفاق مشترك لتطوير هذا الحقل بخفض تكاليف البنية التحتية وتحقيق وفورات اقتصادية.

وبدلا من بناء منشآت تسييل مستقلة داخل إيران وما يرافقها من عقوبات ومخاطر، يمكن لطهران ببساطة تمويل خطوط أنابيب بحرية تصل إلى قطر، حيث يجري تسييل الغاز مقابل رسوم معينة.

وأثبتت إيران قدرتها على إغلاق مضيق هرمز بسهولة أكبر وبأضرار اقتصادية أوسع مما كان يعتقده كثير من المراقبين. وقد أدى الحصار الإيراني – الذي أضافت إليه واشنطن حصارا خاصا بها في أبريل 2026 – إلى زعزعة الاقتصاد العالمي، وأظهر الأهمية الحيوية لمنطقة الخليج باعتبارها مركزا رئيسيا لموارد الطاقة العالمية.

كما تمثل قدرة إيران على استخدام إغلاق المضيق كوسيلة ردع تحديا كبيرا للتخطيط العسكري الأميركي والإسرائيلي.

وفي المقابل، دفعت ضخامة الاضطرابات الحالية دول الخليج – بدعم أميركي – إلى تطوير بدائل تقلل اعتمادها على المضيق.

ومع بناء شبكات جديدة من خطوط الأنابيب والسكك الحديدية خلال العقد المقبل، ستتراجع تدريجيا قدرة إيران على ردع خصومها عبر التهديد بتعطيل الملاحة البحرية.

لكن قدرة طهران على استهداف البنية التحتية لن تختفي بالكامل. فصادرات الغاز الطبيعي المسال ستظل معتمدة على منشآت ثابتة داخل الخليج، كما أن خطوط الأنابيب والموانئ والسكك الحديدية نفسها ستتحول إلى أهداف جديدة للهجمات.

ولهذا، قد تكون صراعات الخليج المستقبلية أقل كارثية اقتصاديا من أزمة هرمز عام 2026، لكنها ربما تصبح أكثر تكرارا وأكثر انتشارا جغرافيا.

ويبدو أن درس هرمز سيظل يؤثر في تخطيط البنية التحتية الخليجية لسنوات طويلة قادمة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية