
تشهد السياسة الأميركية في السنوات الأخيرة انتقالا تدريجيا من مقاربة أمنية تقليدية كانت تركز على مواجهة التنظيمات المسلحة بشكل مباشر، إلى مقاربة أكثر عمقا وتعقيدا تتعامل مع جذور الظاهرة لا مظاهرها فقط.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من التجارب الميدانية التي أظهرت أن تفكيك البنية العسكرية للتنظيمات لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديد، طالما بقيت الأفكار والشبكات الاجتماعية التي تنتج التطرف قائمة وقادرة على إعادة التشكّل.
ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا داخل مؤسسات صنع القرار في واشنطن بأن التهديدات الحديثة لم تعد محصورة في الفعل الإرهابي المباشر، بل تمتد إلى مساحات أوسع وأكثر مرونة داخل المجتمعات، حيث تعمل بعض الشبكات الأيديولوجية تحت غطاء مدني ودعوي وإنساني، بما يمنحها قدرة عالية على التغلغل دون إثارة الانتباه الأمني المباشر. وهنا تحديدًا تبدأ واشنطن في إعادة تعريف مفهوم “الخطر”، ليشمل البنى التي تنتج التطرف وليس فقط منفذيه.
في هذا السياق، تبرز أهمية دراسة صادرة عن مركز تريندز للبحوث والاستشارات بعنوان: «لا تنظيم متطرف آمنا.. الاستراتيجية الأميركية تجاه الإسلام السياسي»، والتي تسعى إلى تفكيك هذا التحول في الرؤية الأميركية، عبر قراءة معمقة للانتقال من منطق “مكافحة الإرهاب” إلى منطق “إدارة البيئة الحاضنة له”.
ولا تقدم الدراسة مجرد توصيف سياسي، بل تحاول رسم خريطة جديدة لطريقة تفكير واشنطن في التعامل مع الإسلام السياسي بوصفه منظومة مركبة وليست كيانا واحدا.
كما تذهب الدراسة إلى أن التحول الأميركي الحالي يعكس انتقالا من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، أي من التعامل مع النتائج إلى محاولة السيطرة على الأسباب. وهو تحول يرتبط بشكل مباشر بتجربة طويلة مع تنظيمات عابرة للحدود استطاعت أن تستغل الفضاءات المفتوحة في الغرب لإعادة إنتاج خطابها وأدواتها التنظيمية.
وفي هذا الإطار، يصبح الإسلام السياسي ليس مجرد ظاهرة دينية أو سياسية، بل بنية فكرية قادرة على إنتاج أشكال متعددة من التأثير الاجتماعي والسياسي
من مكافحة الإرهاب إلى تفكيك البيئات الحاضنة
توضح الدراسة أن التجربة الأميركية، بعد أحداث 11 سبتمبر، شكلت نقطة تحول حاسمة في فهم طبيعة التهديدات الأمنية، حيث تم إطلاق استراتيجيات واسعة لمكافحة الإرهاب ركزت بشكل أساسي على البعد العسكري والاستخباراتي. غير أن مرور الوقت كشف أن هذه المقاربة، رغم فعاليتها النسبية، لم تكن كافية لتفكيك جذور الظاهرة، إذ أعادت بعض التنظيمات إنتاج نفسها بأشكال جديدة داخل بيئات مختلفة.
ومع تراكم هذه التجارب، بدأت واشنطن تعيد النظر في مفهوم “المعالجة الأمنية”، لتنتقل نحو فكرة أكثر شمولية تقوم على تفكيك البيئات الحاضنة للتطرف، وليس فقط استهداف الفاعلين المباشرين.
هذا التحول يعكس قناعة بأن التطرف لا يولد في الفراغ، بل داخل شبكات اجتماعية وثقافية وفكرية توفر له الاستمرارية وإعادة الإنتاج حتى في غياب التنظيمات المسلحة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التوسع في الرؤية أدى إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي نفسه، بحيث لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة الهجمات المباشرة، بل أصبح يشمل مراقبة الفضاءات الفكرية والاجتماعية التي قد تتحول إلى حاضنات غير مباشرة للتطرف.
كما تبرز الدراسة أن هذا التحول لم يكن نظريا فقط، بل انعكس في سياسات عملية تتعلق بالمراقبة، وتتبع التمويل، وتحليل الشبكات الاجتماعية والدينية، بما يسمح ببناء صورة أشمل عن البيئة التي تتحرك داخلها هذه التنظيمات.
الإسلام السياسي بين الغموض الأيديولوجي وإشكالية التعريف
هذا وتتوقف الدراسة مطولا عند الإشكالية الأساسية التي تواجهها واشنطن في التعامل مع الإسلام السياسي، والمتمثلة في غياب تعريف دقيق وحاسم لهذا التيار، فالإسلام السياسي لا يظهر في شكل تنظيمي واحد أو قيادة مركزية واضحة، بل يتوزع على شبكات متعددة تتداخل فيها الأدوار بين الدعوي والاجتماعي والسياسي، وهو ما يمنحه قدرة عالية على التكيف مع البيئات المختلفة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الغموض لم يكن عائقا أمام هذا التيار، بل شكل أحد عناصر قوته، إذ سمح له بالتحرك داخل المجتمعات الغربية تحت عناوين متعددة، مثل العمل المدني أو الخيري أو الثقافي، دون أن يُنظر إليه بالضرورة كخطر مباشر. وقد خلق هذا التداخل بين الأدوار مساحة رمادية صعبة الرصد، خاصة بالنسبة للمؤسسات الأمنية التي تعتمد على التصنيفات الواضحة.
كما توضح الدراسة أن جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها الإخوان، استفادت من هذا الغموض في بناء حضور اجتماعي متدرج، يعتمد على التغلغل داخل المؤسسات المحلية والتعليمية والدينية، بما يسمح لها بتشكيل تأثير طويل الأمد على مستوى الهوية والانتماء.
وتخلص الدراسة إلى أن هذا النمط من العمل يجعل من الإسلام السياسي ظاهرة هجينة، لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية، وهو ما يفسر التحول الأميركي نحو مقاربات أكثر مرونة وتعقيدا في التحليل والمواجهة.
الأدوات الأميركية الجديدة في المواجهة
توضح الدراسة أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على المقاربة الأمنية الصلبة وحدها، بل انتقلت إلى استخدام منظومة أدوات متكاملة تجمع بين المالي والاستخباراتي والقانوني والدبلوماسي، ما يعكس إدراكا بأن طبيعة التهديدات لم تعد عسكرية فقط، بل باتت مالية وتنظيمية وفكرية في آن واحد.
ومن أبرز هذه الأدوات تتبع حركة التمويل المرتبطة بالشبكات الأيديولوجية، وتحليل مصادر الدعم المالي العابرة للحدود، إضافة إلى تشديد الرقابة على المنظمات غير الحكومية التي قد تُستخدم كواجهات لنشاطات تنظيمية غير معلنة.
وتشير الدراسة أيضا إلى أن التنسيق الدولي أصبح جزءا أساسيا من هذه الاستراتيجية، حيث تعمل واشنطن على تعزيز تبادل المعلومات مع شركائها حول العالم بهدف تفكيك الشبكات العابرة للدول، وليس فقط مراقبتها داخل نطاق جغرافي محدد.
ويعكس هذا التحول انتقالا من منطق “الاستهداف المباشر” إلى منطق “تفكيك البنية الشبكية”، بما يسمح بإضعاف التنظيمات عبر قطع خطوط الإمداد والتواصل والتمويل، وليس فقط عبر ضرب القيادات أو الخلايا النشطة.
الإخوان بين التمكين الناعم وإعادة التقييم
تتناول الدراسة جماعة الإخوان المسلمين كنموذج مركزي لفهم طبيعة الإسلام السياسي داخل الغرب، حيث تمكنت الجماعة عبر عقود من بناء حضور واسع من خلال ما يمكن وصفه بـ”التمكين الناعم”، القائم على العمل الاجتماعي والدعوي والتعليمي.
وقد استفادت الجماعة من البيئة الغربية المفتوحة لتأسيس شبكة واسعة من المؤسسات والجمعيات والمراكز التي تعمل في مجالات متعددة، ما منحها قدرة على التأثير الاجتماعي والثقافي بشكل غير مباشر، بعيدًا عن العمل السياسي العلني.
لكن الدراسة تشير إلى أن هذا النموذج بدأ يخضع لإعادة تقييم داخل دوائر صنع القرار الأميركية، في ظل تزايد المخاوف من أن هذه الشبكات لا تنفصل عن مشروع أيديولوجي طويل المدى يسعى إلى إعادة تشكيل الهوية داخل بعض المجتمعات.
وتخلص إلى أن المرحلة الحالية تمثل بداية انتقال من مرحلة “الاحتواء الضمني” إلى “المراجعة الصارمة”، حيث يتم التدقيق في الأدوار الاجتماعية والثقافية لهذه الشبكات، وليس فقط في أنشطتها السياسية أو الأمنية.
نحو مقاربة أميركية أكثر حسمًا وشمولًا
تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تتجه نحو مقاربة جديدة تقوم على مبدأ أن أي بنية فكرية أو تنظيمية تسهم في إنتاج التطرف أو تبريره لا يمكن التعامل معها كطرف محايد. هذا التحول يعكس إعادة تعريف شاملة لمفهوم الخطر في الذهنية الأمنية الأميركية.
كما تشير إلى أن هذه المقاربة ستؤدي إلى مزيد من التضييق على الشبكات المرتبطة بالإسلام السياسي، سواء من خلال أدوات قانونية أو مالية أو تنظيمية، بما يحد من قدرتها على العمل في المساحات الرمادية التي اعتمدت عليها لسنوات.
وتخلص الدراسة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة صياغة عميقة لطبيعة التعامل مع الإسلام السياسي، بما ينهي مرحلة الغموض التي استفادت منها هذه التنظيمات لعقود، ويدفع نحو مقاربة أكثر وضوحا وحسما في تحديد حدود النشاط المشروع وغير المشروع داخل الفضاءات الغربية

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)