
لم يكن المسن أحمد رباح (61 عاماً) يتخيل أنّ الحرب التي حولت أحياء غزة إلى ركام ستسلبه ابنه بهذه الطريقة القاسية، فمنذ سنوات طويلة كان يعيش مع ابنه محمود، الشاب الثلاثيني الذي وُلد بإعاقة عقلية جعلته أشبه بطفل كبير، يحتاج إلى رعاية دائمة ومراقبة مستمرة، لكن في الحرب، حيث يتحول البقاء نفسه إلى معركة يومية، يصبح الضعفاء أول الضحايا.
في خيمة مهترئة داخل أحد مراكز النزوح بمواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، جلس رباح على قطعة إسفنج قديمة، وأمامه صورة باهتة لابنه يحتفظ بها داخل كيس بلاستيكي خوفاً من التلف، وكانت عيناه غارقتين في الحزن، وبدت ملامحه أكبر من عمره بكثير.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، يمثل ذوو الإعاقة بمختلف فئاتهم، 15% من عدد سكان قطاع غزة.
وقتل 300 فلسطيني من ذوي الإعاقة الذهنية خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة، بينهم أطفال وبالغون، وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة والدفاع المدني.
وبحسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة بلغ عدد القتلى خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة 72587 قتيلاً، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى، بينهم نساء وأطفال.
نزوح تحت النار
يقول رباح بصوت متعب: "محمود لم يكن يفهم شيئاً ممّا يحدث، وعندما كانت الطائرات تقصف، كان يظن أنّ الأصوات ألعاب نارية أو عواصف، وكان يضحك أحياناً بينما الناس تصرخ وتهرب".
ويتوقف قليلاً ثم يمسح دموعه بيده المرتجفة قبل أن يواصل حديثه: "كنت أخاف عليه أكثر من نفسي، وطوال الحرب كنت أمسك بيده أينما ذهبنا، لأنّه إذا ضاع فلن يعرف كيف يعود، ولن يفهم كيف يحمي نفسه".
ويروي رباح تفاصيل الأيام الأولى للحرب، حين بدأت الغارات الإسرائيلية العنيفة تستهدف المنطقة التي كانوا يعيشون فيها شمال غزة، ويوضح: "في البداية رفض محمود مغادرة البيت، وكان يصرخ ويقول إنّه يريد البقاء قرب ألعابه وأغراضه، فحاولنا إقناعه لساعات، وعندما اشتد القصف، حملته أنا وأخوه بالقوة وخرجنا".
ويتابع: "سرنا بين آلاف الناس في الشوارع، الأطفال يبكون، والنساء يصرخن، والطائرات فوق رؤوسنا، ومحمود كان مرتبكاً جداً، وكان يتوقف فجأة ويحاول العودة إلى الخلف لأنّه لم يفهم لماذا نهرب".
وخلال النزوح كانت العائلة تضطر إلى التنقل من مدرسة إلى أخرى ومن شارع إلى آخر هرباً من القصف المتواصل، ويكمل: "كان يحتاج إلى أدوية مهدئة بسبب حالته، لكنّ الدواء اختفى من الصيدليات، وبعد أيام بدأ يدخل في نوبات خوف وصراخ، وأحياناً كان يركض بلا اتجاه، وكنت أطارده بين الناس حتى لا يضيع".
كان طفلاً بعقل رجل
وصمت طويلاً عندما وصل إلى اللحظة التي فقد فيها ابنه، ونظر إلى الأرض كأنّه يرى المشهد أمامه من جديد، وقال: "كنا داخل مدرسة تؤوي نازحين، وفي الليل بدأ إطلاق نار كثيف وكان القصف قريباً جداً، والناس كانت تركض في كل اتجاه، وحاولت أن أمسك بمحمود، لكنّه أفلت من يدي بسبب حالة الهلع".
ويتنفس بعمق، ثم يقول: "كان يصرخ ويبكي، ولم يكن يفهم أوامر الناس بأن يختبئ، فخرج إلى ساحة المدرسة وهو مرتبك، وفجأة سمعنا إطلاق نار مباشر، فأصيب محمود أمامي".
ويغالب دموعه، ثم يضيف: "ركضت نحوه، لكنّ الرصاص كان مستمراً، والناس كانت تصرخ لكي أعود إلى الخلف، وبقي ابني ينزف على الأرض وأنا عاجز عن الوصول إليه".
ويضيف بصوت مبحوح: "بعد ساعات استطعنا سحبه، لكنّه كان قد فارق الحياة، وابني الذي لم يكن يعرف حتى معنى الحرب، كان مسالماً وبسيطاً، يحب الأطفال ويقضي ساعات في اللعب بقطع بلاستيكية صغيرة، لكنّه قتل كأنّه عدو".
ويتساءل بمرارة: "أيّ قوانين هذه التي لم تحمِ ابني؟ كان إنساناً عاجزاً حتى عن فهم الخوف، ومع ذلك انتهى مقتولاً، لذلك أريد أن يعلم العالم أنّه كان إنساناً، له روح وحياة وأحلام بسيطة".
لم يكن يعرف معنى الحرب
وفي زاوية ضيقة من خيمة مهترئة نصبت فوق أرض رملية قرب أحد مراكز الإيواء في حي النصر غرب مدينة غزة، يجلس سميح شاهين (23 عاماً)، ويتحدث بحزن عميق عن شقيقه الأصغر سامر (19 عاماً) الذي يعاني من إعاقة ذهنية، بعد مقتله خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويضيف شاهين: "لم يكن أخي قادراً على فهم أصوات الطائرات وتفسير الانفجارات التي كانت تقترب من البيت كل ليلة، وكان يعتقد أنّ الاختباء تحت البطانية حتى ينتهي الأمر سيوفر له نوعاً من الطمأنينة، لكنّ الحرب التي اجتاحت قطاع غزة لم تمنحه فرصة للاختباء طويلاً".
ويكمل: "قتل سامر خلال اقتحام القوات الإسرائيلية للحي، وبعد أيام من الحصار والقصف المتواصل، لم يكن حينها قادراً على فهم أوامر الجنود أو الاستجابة لها، وكان يصرخ فقط، وكان خائفاً".
ويتذكر شاهين الأيام الأخيرة التي سبقت مقتل شقيقه بتفاصيل دقيقة، ويقول: "حين بدأت الغارات تشتد، حاولنا إقناع سامر بالنزول إلى الطابق الأرضي، لكنّه كان يرفض، وكان يعتقد أنّ الأصوات مجرد ألعاب نارية، وغالباً كان يضحك عندما يسمع الانفجار، ثم يبدأ بالبكاء فجأة".
وكانت العائلة تعيش في منزل مكون من 3 طوابق يضم أكثر من 20 فرداً بعد نزوح أقاربهم من مناطق أخرى، ومع تصاعد القصف أصبحت الحركة داخل البيت أشبه بالهروب المستمر، ويكمل: "سامر لم يكن يستطيع الجري بسرعة، وكان يحتاج دائماً لمن يمسك بيده، حتى عندما نحاول إقناعه بالتحرك، كان يتوقف فجأة ويسأل: لماذا نهرب؟".
استهداف الأكثر ضعفاً
وفي صباح اليوم الذي قتل فيه سامر، يقول شاهين: "تقدمت دبابات إسرائيلية نحو الحي، بينما تعرضت المنطقة لإطلاق نار كثيف، فسمعنا صراخاً في الخارج، حاولنا الخروج من المنزل عبر الممر الخلفي، وأمسكت بيد سامر، لكنّه أفلت منيّ عندما دوى انفجار قريب، وبدأ يصرخ ويركض باتجاه الغرفة".
ويتوقف عن الكلام، ثم يتابع بصوت مبحوح: "عدت لأحضره، لكنّ الرصاص كان ينهمر في كل مكان، ووالدتي كانت تصرخ، لا تترك أخاك، فحاولت الوصول إليه، لكنّ جداراً انهار بيننا، وبعد ساعات، وجدناه مقتولاً قرب الباب الداخلي للمنزل".
ويستذكر: "حتى عندما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف، لم يكن يفهم لماذا يحدث ذلك، وكان يسألني، لماذا الناس خائفة؟ ماذا فعلنا؟ ولم أكن أجد جواباً".
ويسأل شاهين وهو ينظر إلى الأرض: "أيّ خطر يمكن أن يشكله شاب معاق عقلياً لا يعرف حتى كيف يحمي نفسه؟ ففي غزة حتى الذين لا يفهمون معنى الحرب، يقتلون بها".
جريمة حرب
يرى أستاذ القانون الجنائي في جامعة القدس أسعد خاطر أنّ "القانون الدولي يصنف ذوي الإعاقة ضمن الفئات الأشد ضعفاً والأكثر حاجة للحماية والرعاية الخاصة، إذ تلزم اللجنة الدولية للصليب الأحمر واتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول بحماية المدنيين دون تمييز، وتأمين الرعاية الطبية والإنسانية لهم، خاصة غير القادرين على حماية أنفسهم بسبب إعاقات عقلية أو ذهنية".
ويضيف خاطر: "يُعدّ استهداف وقتل شخص معاق ذهنياً جريمة حرب إذا كان الضحية مدنياً أو شخصاً عاجزاً عن القتال ولم يشارك مباشرة في الأعمال العدائية".
ويكمل: "تلزم اتفاقيات جنيف أطراف النزاع بحماية جميع المدنيين، مع تشديد خاص على الفئات الضعيفة، مثل المرضى وذوي الإعاقة وكبار السن والأطفال، ويشمل ذلك عدم استهدافهم، وتسهيل إجلائهم وعلاجهم، وتوفير الرعاية الطبية والإنسانية لهم، وضمان المعاملة الإنسانية وعدم الإهانة أو الإهمال".
ويتابع خاطر: "تجاهل توفير حماية خاصة لذوي الإعاقة في مناطق النزاع يُعدّ انتهاكاً قانونياً واضحاً، في حين يُحمّل القانون الدولي الإنساني الجهات المسيطرة والمهاجمة مسؤولية اتخاذ تدابير إضافية لحماية المدنيين الأكثر هشاشة، ويُعدّ الإخفاق في هذه الاحتياطات خرقاً لواجبات الحماية، إذا أدى إلى أضرار كان بالإمكان تفاديها والحد منها".
ويشدد الأكاديمي الفلسطيني "على ضرورة ملاحقة القادة العسكريين والأفراد جنائياً عند ثبوت استهداف ذوي الإعاقة أو التغاضي عن الانتهاكات بحقهم، فالقانون الجنائي الدولي يُحمّل القادة المسؤولية إذا كانوا على علم بالجرائم ولم يمنعوها أو يحاسبوا مرتكبيها، ويستند ذلك إلى مبدأ "مسؤولية القيادة" المعتمد في المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الجنائية الدولية الخاصة".











![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B70_1.jpg.webp?itok=9rrtY40N)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A9_2.png.webp?itok=6N6mahHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/633193666_122093146971272727_762315335892036104_n.jpg.webp?itok=_DNRtBTr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4.jpg.webp?itok=vlQ84KAo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/307141_1.jpg.webp?itok=9VA84zAM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_4_0.jpg.webp?itok=K7iHRvWY)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-09%20131749.png.webp?itok=B5k53ons)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9_3_1_0_2.jpg.webp?itok=4oE7wZlp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84_3_0.jpg.webp?itok=BfiWNj8q)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Lessons-learned-from-the-Israeli-Iranian-war.jpg.webp?itok=DpvuieEl)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_43_0_2_0.jpg.webp?itok=XLNioOKD)