الغنوشي يعيد خطاب “تسييس القضاء” من داخل السجن: محاولة لإعادة تدوير السياسة تحت ضغط قضائي متصاعد

 الغنوشي يعيد خطاب “تسييس القضاء” من داخل السجن: محاولة لإعادة تدوير السياسة تحت ضغط قضائي متصاعد

الغنوشي يعيد خطاب “تسييس القضاء” من داخل السجن: محاولة لإعادة تدوير السياسة تحت ضغط قضائي متصاعد


21/04/2026

عاد راشد الغنوشي إلى واجهة النقاش السياسي في تونس من داخل السجن، عبر رسالة جديدة لم تحمل أي تحول في خطابه، بل أعادت إنتاج نفس القالب الذي اعتمد عليه لسنوات، والذي يقوم على تقديم القضايا القضائية المرفوعة ضده باعتبارها جزءًا من صراع سياسي مفتوح مع السلطة، وليس مسارًا قضائيًا قائمًا على وقائع ومسؤوليات محددة.

هذه الرسالة تأتي في سياق سياسي وقضائي شديد الحساسية، حيث تتسع الملفات المرتبطة بعدد من قيادات حركة النهضة، في مرحلة ما بعد 25 يوليو، التي شهدت إعادة رسم موازين السلطة وتراجعًا واضحًا في نفوذ الحركة داخل الدولة. 

في هذا السياق، لم يعد الخطاب السياسي قادرًا على التحكم في مسار الوقائع بنفس القوة السابقة، خاصة مع تحول جزء كبير من الملفات إلى مسارات قضائية متعددة ومتشعبة.

مضمون الرسالة، كما ورد في التغطيات الإعلامية، يقوم على إعادة تثبيت ثلاث أفكار مركزية: اعتبار أن القضايا ذات طابع سياسي، التشكيك في استقلالية المسار القضائي، ثم التمسك بخطاب “المحاكمة العادلة” كإطار دفاعي دائم. غير أن هذا المضمون لا يقدم أي تفكيك حقيقي للملفات أو معطياتها، بل يكتفي بإعادة تأطيرها ضمن قراءة سياسية عامة.

ويرى مراقبون أن الرسالة تحولت إلى محاولة لإعادة فرض تفسير سياسي موحد لملفات لم تعد قابلة لهذا النوع من التبسيط، في ظل واقع قضائي يسير في اتجاه مختلف يقوم على التعدد والتفصيل.

 

خطاب “تسييس القضاء” كآلية لتجاوز منطق المساءلة

 

يعتمد راشد الغنوشي على خطاب “تسييس القضاء” كأداة دفاعية ثابتة، تقوم في جوهرها على نقل النقاش من مستوى الوقائع إلى مستوى الاتهام السياسي العام، بما يسمح بتفادي الدخول في تفاصيل القضايا أو مناقشة عناصرها القانونية بشكل مباشر. 

هذا الأسلوب لا يظهر فقط في الرسالة الأخيرة، بل هو امتداد لنمط طويل من التعاطي مع الأزمات، حيث يتم استبدال النقاش حول المسؤولية السياسية أو الإدارية بطرح عام يتحدث عن “استهداف” أو “توظيف سياسي” للقضاء.

وقد كان الخطاب، خلال فترة حكم حركة النهضة، يُستخدم لتأطير الخلافات مع مؤسسات الدولة والمعارضة ضمن إطار سياسي شامل، ما كان يسمح بإبقاء الملفات داخل دائرة التأويل السياسي بدل انتقالها إلى مستوى المساءلة القانونية، لكن هذا الاستخدام المبكر خلق نمطًا متكررًا يقوم على اختزال أي أزمة في فكرة الصراع السياسي، دون تفكيك عناصرها الداخلية.

وبعد فقدان السلطة، لم يتغير هذا المنطق، بل استمر بنفس البنية ولكن من موقع دفاعي مختلف، ويظهر هذا بوضوح في الرسالة الأخيرة، حيث يتم تجاهل طبيعة القضايا وتفاصيلها، مقابل إعادة ربطها بالسياق السياسي العام، وكأن كل الملفات تخضع لنفس التفسير دون تمييز بين حالاتها المختلفة.

لكن هذا الأسلوب اليوم يواجه حدودًا واضحة، لأن تراكم الملفات وتنوعها يجعل من الصعب الاستمرار في تقديمها ككتلة واحدة، وهو ما يقلل من قدرة هذا الخطاب على التأثير أو الإقناع داخل المجال العام.

 

 توسع المسار القضائي وانكشاف حدود التفسير السياسي الموحد

 

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في القضايا المرفوعة ضد قيادات حركة النهضة، حيث لم تعد هذه الملفات مرتبطة بمرحلة واحدة أو عنوان واحد، بل أصبحت تشمل مسارات متعددة تمتد عبر فترات مختلفة من التجربة السياسية، بما في ذلك فترة الحكم وما بعدها.

هذا التحول أدى إلى انتقال النقاش من مستوى التعميم السياسي إلى مستوى التفصيل القضائي، حيث أصبحت كل قضية تُعالج باعتبارها ملفًا قائمًا بذاته، له وقائعه وسياقه القانوني الخاص، وقد جعل هذا التطور من الصعب اعتماد خطاب واحد لتفسير كل ما يجري، لأن الواقع القضائي نفسه لم يعد يسمح بهذا النوع من الاختزال.

في المقابل، لا يزال الخطاب السياسي الذي يعتمده راشد الغنوشي يقوم على فكرة التفسير الموحد، حيث يتم التعامل مع كل الملفات باعتبارها جزءًا من “قضية واحدة” ذات طابع سياسي، غير أن هذا التصور يصطدم بواقع مختلف تمامًا، يقوم على التعدد والتفصيل، ما يخلق فجوة متزايدة بين الخطاب والوقائع.

ومع استمرار هذا التوسع القضائي، يتراجع تدريجيًا تأثير الخطاب القائم على فكرة الاستهداف الشامل، لأن الوقائع باتت أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في عنوان واحد أو تفسير واحد.

 

 من موقع السلطة إلى موقع الدفاع المستمر

 

يمثل وضع راشد الغنوشي وحركة النهضة اليوم انتقالًا واضحًا من موقع الفاعل السياسي المركزي إلى موقع الدفاع وإعادة التفسير، بعد أن كانت خلال سنوات الحكم، تمتلك قدرة فعلية على التأثير في القرار السياسي وإدارة جزء من مؤسسات الدولة، ما منح خطابها السياسي قوة إضافية في صياغة النقاش العام، لكن بعد فقدان السلطة، تغير هذا الموقع بشكل جذري، دون أن يواكبه تغيير مماثل في الخطاب أو الأدوات.

وانتقل الخطاب من موقع التأثير إلى موقع التبرير والدفاع، لكنه احتفظ بنفس البنية القديمة القائمة على التفسير السياسي العام للأحداث، دون تطوير أدوات جديدة تتناسب مع الواقع الجديد.

هذا الجمود في الخطاب يعكس صعوبة التكيف مع التحول السياسي الذي عرفته البلاد، حيث لم يعد بالإمكان إدارة الملفات بنفس المنطق السابق الذي كان يعتمد على النفوذ السياسي داخل مؤسسات الدولة.

وبدل مراجعة هذا التحول، استمر الاعتماد على نفس القوالب الخطابية، ما جعل الخطاب يبدو منفصلًا عن الواقع السياسي والقضائي الذي تطور بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

 

تراجع فاعلية الخطاب السياسي أمام منطق الوقائع القضائية

 

يتضح اليوم وجود فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي الذي يعتمده راشد الغنوشي، وبين طبيعة المسار القضائي الذي يتعامل مع الملفات وفق منطق مختلف تمامًا، إذ يقوم الخطاب على اختزال القضايا في إطار سياسي عام، بينما يتجه المسار القضائي نحو تفكيك كل ملف على حدة وفق معطياته القانونية والزمنية.

هذا الاختلاف بين منطقين متوازيين يؤدي إلى تراجع تدريجي في قدرة الخطاب السياسي على التأثير، لأن الوقائع أصبحت أكثر تفصيلًا وتعقيدًا من أن تُختزل في تفسير واحد أو شعار موحد. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح الخطاب أقرب إلى وظيفة دفاعية رمزية منه إلى أداة تفسير فعالة.

في المقابل، يفرض الواقع القضائي نفسه تدريجيًا كإطار مرجعي أساسي لفهم طبيعة الملفات، بعيدًا عن محاولات التعميم السياسي، وهو ما يعيد تشكيل طريقة التعامل مع هذه القضايا داخل الفضاء العام.

 

الإسلام السياسي في تونس أمام مرحلة انكماش سياسي واضح

 

يمثل وضع حركة النهضة اليوم مرحلة انكماش سياسي داخل المشهد التونسي، حيث انتقلت من موقع التأثير المباشر في السلطة إلى موقع الدفاع وإعادة التموضع داخل فضاء سياسي أقل قدرة على الاستجابة لنفس الأدوات القديمة.

هذا التحول كشف محدودية الخطاب السياسي الذي اعتمدته الحركة لسنوات، خاصة ذلك القائم على التفسير الشامل للأزمات بدل التعامل مع الوقائع بشكل مباشر، ومع تغير السياق السياسي، أصبحت هذه الأدوات أقل فاعلية في التأثير أو إعادة تشكيل النقاش العام.

هذا ولم تنجح محاولات إعادة التموضع عبر الخطاب الحقوقي أو التوجه إلى الفضاءات الخارجية في تعويض فقدان التأثير الداخلي، لأن البيئة السياسية التونسية أصبحت أكثر ارتباطًا بمنطق الملفات والوقائع، وأقل قابلية للخطاب التفسيري العام.

وبذلك، يتجه المشهد نحو مزيد من الانكماش السياسي للحركة، مقابل توسع منطق المساءلة القضائية، وهو ما يعيد تعريف موقعها داخل الفضاء السياسي بشكل جذري.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية