
محمد الصالحين الهوني
شهد الخليج العربي في السنوات الأخيرة تحديات غير مسبوقة نتيجة السياسات الإيرانية التي اتسمت بالتصعيد والعدوانية. فقد تجاوزت الأزمة نطاق الخلافات السياسية والإعلامية لتتحول إلى تهديد مباشر لأمن الدول وسيادتها، مستهدفة المدنيين والبنية التحتية الحيوية. هذا الواقع وضع المنطقة أمام اختبار إستراتيجي بالغ الحساسية، حيث لم يعد ممكنا التعامل مع إيران كطرف سياسي طبيعي، بل كفاعل يزعزع الاستقرار عبر ممارسات تتناقض مع قواعد القانون الدولي.
وفي خضم هذه التطورات، جاءت الهدنة التي أُعلن عنها مؤخرًا بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين كفرصة مؤقتة لخفض التصعيد، غير أن المؤشرات الأولية أظهرت هشاشتها، إذ استمرت بعض الهجمات غير المباشرة عبر وكلاء إيران، فيما اعتبر المجتمع الدولي أن الالتزام الكامل لا يزال موضع شك. هذا المستجد يعكس أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف سياسي أو إعلامي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى استعداد طهران للانخراط في مسار عقلاني ينسجم مع قواعد القانون الدولي.
الإدراك العميق لطبيعة الأزمة انعكس في المواقف الرسمية الخليجية، التي أكدت على لسان مسؤولين كبار أن طهران تعيش حالة “ارتباك إستراتيجي” وفقدان القدرة على إقناع المجتمع الدولي بمواقفها. الاعتداءات الأخيرة على دول الخليج تجاوزت الحدود المسموح بها، وكشفت عن أزمة شرعية في السلوك الإيراني، واضعة المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة في مواجهة هذه الانتهاكات.
يطرح هذا المشهد سؤالا محوريا: هل فقدت إيران بالفعل قدرتها على تسويق سرديتها التقليدية؟ وما انعكاسات ذلك على مستقبل الاستقرار في الخليج العربي؟ إن تراجع قدرتها على فرض خطابها المعتاد، مقابل تصاعد الإدانات الدولية، يفتح المجال أمام مرحلة جديدة قد تعيد صياغة التوازنات الإقليمية. فإما أن تنخرط إيران في مسار عقلاني ينسجم مع قواعد القانون الدولي، أو تواصل نهجها التصعيدي الذي يهدد بتحويل الخليج إلى بؤرة صراع مفتوح يطال الأمن العالمي.
لطالما وظفت إيران الخطاب السياسي والدبلوماسي لتبرير أجندتها، فكانت تزين مشاريعها التوسعية بعباءة المقاومة، وتُلبس تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول ثوب النصرة والمشورة، وتدّعي التمسك بمبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الجيران. غير أن الممارسات الفعلية كشفت عن فجوة واسعة بين الخطاب والأفعال، خصوصا تجاه دول الخليج التي أظهرت دعما للحلول السلمية ورفضت أن تكون منطلقا للعدوان الإيراني. هذا التناقض أدى إلى تآكل المصداقية الإيرانية ليس فقط على المستوى الدولي، حيث باتت الدول الكبرى تنظر إلى طهران بعين المتضرر من تدخلاتها، بل أيضًا على المستوى الداخلي، حيث يزداد الشعب الإيراني قناعة بأن أولويات النظام باتت منصبة على مغامرات خارجية على حساب تلبية احتياجاته التنموية والمعيشية.
فقدان المصداقية لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لسلوك عدواني ممنهج تجلّى في سلسلة الاعتداءات التي استهدفت دول الجوار. وهو ما يشكل دليلا واضحا على عدوانية النهج الإيراني واستهتاره بالقوانين الدولية. هذه الاعتداءات تجاوزت كونها انتهاكا للسيادة الوطنية لتتحول إلى تهديد صارخ للأمن الإقليمي والدولي، ولحياة المدنيين الأبرياء، ولأمن الطيران المدني الذي يُعد خطا أحمر في القانون الدولي الإنساني. كما أنها تهدد حركة الملاحة والتجارة العالمية، إذ يُعد الخليج العربي شريانا رئيسيا للطاقة والاقتصاد العالمي.
في مواجهة هذه التحديات، برز الموقف الإماراتي حازما ورصينا، قائما على مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها والمقيمين وضمان أمنها وسلامة أراضيها. لقد أثبتت المنظومة الدفاعية الإماراتية المتطورة كفاءة عالية في التصدي للهجمات، حيث نجحت في اعتراض وتدمير الصواريخ والطائرات المسيّرة المعادية، مما أظهر جاهزية قتالية عالية وقدرة على الردع. ولم يكن هذا الموقف منعزلا، بل جاء في إطار تنسيق خليجي مشترك، حيث أدركت دول المجلس أن التحدي واحد والعدو واحد، وأن التكاتف والتكامل في المنظومة الدفاعية والأمنية هما السبيل الوحيد لردع أي عدوان والحفاظ على مكتسبات التنمية والاستقرار.
على الجانب الآخر، تبدو القيادة الإيرانية وكأنها لا تزال أسيرة أوهام الماضي، متوهمة بإمكانية فرض معادلات قوة لم تعد مقبولة في عالم يتجه نحو التعاون الدولي. هذه العقلية تضع إيران أمام محدودية إستراتيجية في الخيارات: فاستمرارها في سياسات العدوان لن يؤدي إلا إلى مزيد من عزلها دوليا، وتقويض أي فرصة للحوار، وتوحيد الصف الإقليمي والدولي ضدها. إن الخيارات الإيرانية باتت محصورة بين تغيير جوهري في السلوك والعودة إلى احترام مبادئ حسن الجوار، أو الاستمرار في النهج العدواني الذي سيجعل من الضروري على المجتمع الدولي اتخاذ خطوات أكثر قوة وحزما لردعها وضمان أمن المنطقة.
الدرس الأبرز في هذه المعادلة هو قوة النموذج الإماراتي وتماسكه الداخلي. لقد أظهر تلاحم الشعب الإماراتي خلف قيادته قدرة استثنائية على مواجهة التحديات، وتحويل الأزمات إلى محطات لتعزيز الوحدة الوطنية. كما أثبت النموذج الإماراتي في التنمية والتسامح والتعايش أنه صمام أمان حقيقي في وجه مشاريع التطرف والطائفية التي ترعاها إيران. هذا النجاح الداخلي قوبل بدعم دولي واسع، حيث عبرت أكثر من عشرين دولة عن تضامنها مع الإمارات، مما يعكس مكانتها الدولية المرموقة ودورها المحوري في حفظ الأمن والاستقرار العالميين.
إن الأزمة الراهنة مع إيران لم تعد قضية خليجية أو إقليمية فحسب، بل تحولت إلى أزمة دولية تهدد مصالح العالم بأسره في منطقة تعج بالأزمات. ولذلك، فإن المطلوب من طهران اليوم هو التخلي عن لغة التهديد والانخراط في مفاوضات جادة تعيد بناء الثقة المفقودة، وتغير السلوك تجاه الجيران، وتضمن عدم تكرار الاعتداءات. ويبقى القول الفصل أن المصداقية المفقودة لا يمكن تعويضها بالشعارات الزائفة ولا بالتهديدات الجوفاء، كما أن الهيمنة في عالم اليوم لا تُبنى على العدوان، بل على احترام القانون الدولي والاعتراف بمصالح الشعوب في الأمن والتنمية والعيش بكرامة.
في المحصلة، لم تعد الأزمة مع إيران مجرد اختبار لسياسات حسن الجوار، بل تحولت إلى فرصة لإعادة صياغة النظام الأمني الإقليمي. فقدان طهران لمصداقيتها، داخليا وخارجيا، جعل خطابها بلا وزن وأفعالها بلا غطاء، لتجد نفسها أمام جدار خليجي صلب يرفض الانجرار إلى الفوضى ويصر على حماية مكتسبات التنمية والاستقرار.
إن الموقف الحازم لدول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، لا يقتصر على الدفاع عن حدودها، بل يضع أسسا جديدة لشرق أوسط أكثر تماسكا، حيث يصبح الأمن المشترك والردع الجماعي قاعدة لا يمكن تجاوزها. وفي ظل هذا التحول، تبدو إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنخرط في مسار عقلاني يعيد بناء الثقة ويضمن مصالح شعوب المنطقة، أو أن تستمر في أوهام الهيمنة لتجد نفسها معزولة في مواجهة نظام أمني جديد يتشكل من حولها، يضع نهاية لمرحلة طويلة من العبث ويؤسس لشرق أوسط أكثر استقرارا وصلابة.
العرب اللندنية

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_2_0_0.jpg.webp?itok=PovzOHl2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_5.png.webp?itok=h3R86nbr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

