
عُرفت هولندا بكونها واحة للتسامح الليبرالي والملاذ الآمن لمختلف التيارات الفكرية والسياسية، وهو المناخ الذي استغلته جماعة الإخوان المسلمين لعقود لبناء شبكة معقدة من المؤسسات التعليمية، والدينية، والخيرية.
إلا أنّ هذا" الملاذ الهولندي" بدأ يشهد تصدعات كبرى في الآونة الأخيرة، مع تصاعد الأصوات السياسية والشعبية المطالبة بوضع حد لنشاط الجماعة، وصولاً إلى التوجه الجدّي نحو الحظر القانوني.
هذا التحول لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة إدراك متأخر من قبل مؤسسات الدولة الهولندية بأنّ" الإسلام السياسي" ليس مجرد وجهة نظر دينية، بل هو مشروع تقويضي يسعى لخلق مجتمعات موازية ترفض الاندماج وتستهدف أسس النظام الديمقراطي الليبرالي. إنّ ما تشهده هولندا اليوم هو "صحوة سيادية" تعيد تعريف حدود التسامح مع القوى التي تستخدم الديمقراطية لهدمها من الداخل.
الزلزال السياسي وصعود اليمين الاستراتيجي
مثلت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في هولندا، التي تصدرها حزب "الحرية" بقيادة خيرت فيلدرز، نقطة تحول جوهرية في التعاطي الرسمي مع ملف الإخوان. وعلى الرغم من أنّ فيلدرز يُعرف بخطابه الحاد تجاه الإسلام بشكل عام، إلا أنّ التحول الحقيقي يكمن في التوافق الذي بدأ يتشكل بين أحزاب اليمين والوسط حول "خطر الإخوان المسلمين" تحديداً بوصفهم تنظيماً دولياً منظماً.
ترى القوى السياسية الصاعدة أنّ الجماعة تمارس جهاداً مدنياً ناعماً، يهدف إلى السيطرة على مفاصل الجاليات المسلمة وتحويلها إلى كتل تصويتية واجتماعية منعزلة. هذا الضغط السياسي ترجم في البرلمان الهولندي إلى مطالبات صريحة بتصنيف الجماعة ككيان مهدد للأمن القومي، وهو ما يمهد الطريق لتشريعات تحظر تمويلها وأنشطتها العلنية والسرّية، ممّا يعني أنّ زمن" الحصانة" الذي تمتع به قادة التنظيم الدولي في هولندا قد ولى إلى غير رجعة.
تقارير الاستخبارات :التسلل تحت رادار العنف
لعب جهاز الاستخبارات والأمن العام الهولندي (AIVD) دوراً محورياً في تغيير القناعات الرسمية تجاه الإخوان. ففي تقاريره المتعاقبة بدأ الجهاز في تسليط الضوء على ما يُسمّى "التطرف غير العنيف"، محذراً من أنّ خطر الإخوان لا يكمن في تنفيذ عمليات إرهابية، بل في رؤيتهم الاستراتيجية طويلة المدى التي تهدف إلى "أسلمة" المجتمع الهولندي من الأسفل إلى الأعلى.
وتشير القراءات الاستخباراتية إلى أنّ الجماعة تعتمد تكتيك "التغلغل" داخل المؤسسات الحكومية والبلديات كخبراء ومستشارين في شؤون الاندماج، بينما هم في الواقع يعملون على تعزيز الهوية الانعزالية.
هذا النوع من "التخريب الصامت" هو ما دفع الاستخبارات الهولندية لاعتبار الإخوان تهديداً للمنظومة القانونية الديمقراطية، وهو توصيف قانوني وأمني يمنح الدولة المسوغات الكافية للتحرك نحو الحظر، بعد أن كان التعامل معهم يتم بوصفهم شريكاً في الحوار لسنوات طويلة.
بنية النفوذ وتفكيك "الدولة العميقة" للإخوان
تعتمد جماعة الإخوان في هولندا على هيكل تنظيمي مرن ومعقد، يتجسد في مؤسسات مثل "الرابطة الإسلامية في هولندا" وفروعها المختلفة. وتكشف الدراسات التحليلية لنشاط الجماعة في المدن الكبرى مثل أمستردام وروتردام عن امتلاك التنظيم لشبكة من المساجد والمدارس التي تعمل كحاضنات لإيديولوجيا الجماعة.
التحرك الهولندي نحو الحظر يستهدف بالدرجة الأولى تجفيف منابع التمويل العابر للحدود، خاصة تلك الأموال التي تتدفق من مؤسسات تابعة للتنظيم الدولي في أوروبا وخارجها. إنّ معركة السلطات الهولندية اليوم ليست مع الدين، بل مع "البنية التحتية" التي بناها الإخوان على مدار أربعين عاماً، والتي تُستخدم لتجنيد الشباب وتوجيههم نحو تبنّي رؤية معادية للقيم الغربية تحت غطاء" الحفاظ على الهوية.
تفكيك هذه الشبكة يتطلب ترسانة قانونية تتجاوز مجرد الحظر الإداري إلى الملاحقة المالية والرقابة اللصيقة على المناهج التعليمية التي تُدرس في مراكزهم.
السياق الأوروبي: هولندا والعدوى الإيجابية
لا يمكن فصل التوجه الهولندي عن السياق الأوروبي العام، حيث تشهد القارة الأوروبية ما يشبه" تأثير الدومينو" ضد جماعة الإخوان. فبعد الإجراءات الصارمة التي اتخذتها النمسا بحظر رموز الجماعة، والسياسات الفرنسية لمواجهة "الانعزالية الإسلاموية"، وجدت هولندا نفسها مدفوعة بضرورة التنسيق الأمني والقانوني مع جيرانها لمنع تحول أراضيها إلى المقر البديل للتنظيم الدولي.
يرى الباحثون أنّ هولندا كانت تُعتبر "الحلقة الأضعف" في شمال أوروبا التي يمكن للإخوان المناورة فيها، ولكنّ التحرك الحالي يغلق هذا المنفذ الحيوي. هذا التنسيق الأوروبي يهدف إلى خلق بيئة قانونية موحدة تجعل من نشاط الجماعة جريمة سياسية، وتحدّ من قدرة قادتها على التنقل بين العواصم الأوروبية، ممّا يضع التنظيم الدولي في حالة اختناق لوجستي لم يشهده منذ تأسيس مكاتبه في أوروبا في الستينيات.
تحديات الحظر ورهانات المستقبل
على الرغم من الزخم السياسي نحو الحظر، إلا أنّ الطريق ما يزال محفوفاً بالتحديات القانونية والحقوقية. يواجه المشرعون الهولنديون معضلة الموازنة بين حماية المجتمع من الفكر التقويضي وبين الحفاظ على الحريات الأساسية مثل حق التجمع والتعبير. الجماعة من جانبها بدأت في تفعيل" تكتيكات الضحية"، مدعية أنّ الحظر يمثل استهدافاً للمسلمين كافة، وهي محاولة يائسة لجر الجالية المسلمة إلى صدام مع الدولة.
ومع ذلك، فإنّ القوة الدافعة نحو الحظر تستند إلى أدلة تراكمت عبر سنوات حول "ازدواجية الخطاب "الإخواني؛ حيث يتحدثون بلغة هولندية منفتحة أمام الكاميرات، ويمارسون تحريضاً راديكالياً بلغاتهم الأصلية داخل الغرف المغلقة. إنّ نجاح تجربة الحظر في هولندا سيمثل ضربة قاصمة لـ" المركزية الإخوانية" في أوروبا، وسيعيد صياغة علاقة الدولة بمؤسسات الإسلام السياسي على أسس السيادة الوطنية والولاء للدولة لا للتنظيم.
نحو عقد اجتماعي جديد
إنّ توجه هولندا نحو حظر جماعة الإخوان المسلمين هو في جوهره إعلان عن فشل مشروع "التعددية الثقافية الساذجة" التي سمحت للقوى الراديكالية بالنمو في أحشاء الديمقراطية. هولندا اليوم تضع نموذجاً جديداً للتعامل مع الإسلام السياسي، يقوم على مبدأ أنّ الحرية لا تعني السماح لمنظمات سرّية عابرة للحدود بالعبث بالنسيج الوطني.
إذا اكتملت إجراءات الحظر، فإنّ هولندا ستكون قد خطت خطوة شجاعة نحو حماية أمنها المجتمعي، ومساعدة مواطنيها المسلمين على التحرر من سطوة" الوصاية الإخوانية" التي اختطفت تمثيلهم لسنوات. إنّها معركة على هوية أوروبا وعلى مستقبل الاستقرار في المجتمعات الغربية، حيث لم يعد هناك مكان للمناورة بين قيم الحداثة وبين مشاريع العودة إلى "عصور التمكين" الإخواني.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_2_0.jpg.webp?itok=JhFfhYPA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86_0_0_0.jpg.webp?itok=E2PAAHDO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_0.jpg.webp?itok=o9GuuOK0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_13.jpg.webp?itok=spQUDIJB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1%20%D8%AA%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%AC%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vxmSwnWT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/30_3_0_2_0_4444_0_0_1_1.jpg.webp?itok=xPM6Zm6W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=oReg_6OS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/bS9h1QQC8Ibxq-Zun7e7I3XZ9pTAR6Hooc8tBKmPdGarEceWYq-LXVMJpnmDToBW2tBynDQtONt9BYdEcNWmtnKCvf1-y8XVc2k7VapC-xhjRdvmUd6AChwb3SggR2pYGpa2blLFZ6lja7ERor2BfD54xHBRWdDoA-f_PXiCBiw75fjOudZLWKl84JjBmDnD.jpg.webp?itok=caFu8voa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_0_0.jpg.webp?itok=XgaEsisb)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

