
غيث الدعجة
خلف سحب الدخان الكثيفة التي تغلف المشهد الإيراني بعد الضربة الإستراتيجية التي أطاحت برأس الهرم السياسي والعسكري، تدور رحى حرب أخرى أشد ضراوة، لكنها بلا ضجيج. وبينما تتجه أنظار العالم نحو الساحات المشتعلة في الإقليم ترقباً لردود الأفعال، تشهد الغرف المغلقة في طهران عملية إعادة هندسة جذرية للسلطة. فالإعلان العاجل عن تشكيل “قيادة لتسيير الأعمال” لسد الفراغ الذي تركه غياب المرشد الأعلى، ليس في حقيقته مجرد إجراء دستوري طارئ لامتصاص الصدمة، بل هو الغطاء المؤسسي لـ “انقلاب صامت” يقوده تحالف البراغماتيين والتكنوقراط، مدعوماً بقطاعات من الجيش النظامي، ضد ما تبقى من هيمنة “الدولة الموازية”.
لقد شكلت تصفية القيادات التاريخية للحرس الثوري والمؤسسة الأمنية زلزالاً وجودياً للمشروع التوسعي، لكن القراءة المتعمقة للتسريبات القادمة من أروقة القرار الإيراني تكشف مفارقة سياسية صارخة؛ فهذا التيار البراغماتي لا يرى في الضربة الخارجية مجرد كارثة وطنية، بل يتلقفها كـ”جرافة تاريخية” أزاحت عن كاهل الدولة ثقلاً أيديولوجياً وعسكرياً اختطف قرارها لأكثر من أربعة عقود. اليوم، يجد منظرو “فقه الدولة” فرصتهم الذهبية لاستعادة السيطرة من أيدي جنرالات الميدان، مستثمرين حالة الشلل والارتباك التي تضرب مفاصل الحرس الثوري لتقليم أظافر الصقور المتبقين، وفرض رؤية جديدة تقوم على الانكفاء الاضطراري لإنقاذ الهيكل العام للنظام من السقوط الحتمي.
وفي خضم هذا الصراع، لا يمكن قراءة الضربات المتخبطة التي يوجهها ما تبقى من الحرس الثوري نحو السفارات الأميركية في العواصم العربية كخطة دولة مركزية متماسكة. بل هي، وفقاً للتسريبات العميقة، انعكاس دموي للانقسام العمودي وتشتت القرار بين أجنحة النظام. فبينما يندفع “الصقور” في محاولة يائسة لإثبات الوجود عبر عمليات انتقامية غير محسوبة، يراقب “البراغماتيون” في قيادة تسيير الأعمال هذا التصعيد الميداني بارتياح مكتوم. إنهم لا يسعون لإيقاف هذه الهجمات بقوة، ليس عجزاً بالضرورة، بل لغاية ميكيافيلية بحتة؛ فهم يدركون أن استهداف السيادة الأميركية في سفاراتها سيستدعي رداً أميركياً قاصماً وحاسماً يتكفل باجتثاث ما تبقى من هؤلاء الصقور وأحلامهم الراديكالية. البراغماتيون يتركون الجناح المتشدد يحترق بنيرانه الخاصة، ويستخدمون الرد الخارجي المنتظر كـ”مشرط جراح” لاستئصاله دون أن تتسخ أيديهم بالدماء، ليتسنى لهم بعد ذلك الاستفراد بطاولة المفاوضات.
تحت عباءة “قيادة تسيير الأعمال”، تُدار اليوم أخطر عملية تصفية حسابات داخلية. الصراع الخفي لم يعد مقتصراً على النقاش حول جدوى المواجهة مع واشنطن، بل انتقل إلى آليات تدجين الجناح الراديكالي المطالب بالثأر العشوائي. وتشير المعطيات إلى أن أي تمرد من قبل القادة الميدانيين على أوامر “التجميد التكتيكي” سيُواجه برفع الغطاء السياسي والأمني عنهم، وتركهم مكشوفين تماماً أمام آلة الاستهداف الخارجية. إنها عملية تطهير ذاتي بالوكالة؛ حيث تستخدم القيادة الجديدة سيف التهديد الخارجي لفرض الانضباط المطلق في الداخل، وتخيير الفصائل المتبقية بين الامتثال القسري لقرارات التهدئة، أو مواجهة مصير القيادات التي سقطت.
وهنا تتجلى البراغماتية الميكيافلية التي طالما ميزت تيارات الإسلام السياسي عند شعورها باقتراب النهاية. فالخلاف الدائر الآن بين أجنحة النظام ليس على مبدأ تجرع “كأس السم” والقبول بتسوية قاسية تفكك الأذرع الإقليمية وتُنهي الطموح النووي، بل على كيفية صياغة “وثيقة الاستسلام” بلغة انتصارية تُقنع القاعدة العقائدية المحتقنة. ولتمرير هذه الصفقة الكبرى، يتم استحضار دماء القيادات التي قُتلت كعملة عاطفية لشراء صمت الشارع، حيث يُعاد إنتاج السردية لتصوير التخلي عن مشروع “تصدير الثورة” كأعظم تضحية تُقدم لحماية “بيضة الإسلام” وصون الدولة من مؤامرة الاستئصال.
وكما شهد التاريخ في أنظمة عقائدية كبرى، فإن لحظة الفراغ القيادي كثيراً ما تتحول إلى فرصة لإعادة هندسة السلطة. بعد وفاة ستالين في الاتحاد السوفيتي، استغل خروتشوف الانقسامات الداخلية ليطلق عملية “اجتثاث الستالينية” ويعيد تعريف الشرعية بعيداً عن عبادة الفرد. وفي الصين، بعد رحيل ماو، أطاح دنغ شياوبينغ بـ”عصابة الأربعة” مستخدماً خطاب الإصلاح والانفتاح لتصفية الإرث الراديكالي. غير أن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في أن الصراع لا يدور حول الحزب أو العقيدة الماركسية، بل حول المرجعية الدينية نفسها التي تمنح النظام شرعيته. وهنا، يتجلى “الانقلاب الصامت” كنسخة دينية–عقائدية من تلك التحولات التاريخية: إعادة صياغة الشرعية عبر خطاب حماية الدولة الإسلامية، وتوظيف الدماء والشعارات العقائدية كأدوات لإقناع القاعدة الشعبية بقبول التحول من مشروع توسعي إلى نظام براغماتي يركز على البقاء الداخلي.
إن ما يتبلور اليوم في طهران ليس مجرد ترتيبات مؤقتة لانتقال السلطة، بل هو ولادة قصرية لنسخة جديدة من الجمهورية الإيرانية. القيادة البراغماتية التي تحكم قبضتها الآن تحت لافتة “تسيير الأعمال”، تؤسس لمرحلة يتحول فيها النظام من مشروع إمبراطوري عابر للحدود، إلى كيان سياسي وأمني منضبط بحسابات البقاء الداخلي. وفي هذه المحطة الفاصلة، يثبت التاريخ مجدداً أن الأنظمة العقائدية العميقة لا تتردد في التهام أذرعها، بل والتضحية بأقدس شعاراتها، عندما تدرك أن النار قد وصلت أخيراً إلى أطراف عباءتها.
العرب

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/banna_9.jpg.webp?itok=7S1FOv5R)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_37_0_0_0.jpg.webp?itok=X_cwWGwT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%83%D9%84%20%D9%83%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AB%D9%8A%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%AC%D8%A9%20%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AC%D8%A7%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%B1%20%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84_0_0.jpg.webp?itok=-CP5rEqg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_7_6_1.jpg.webp?itok=EtF2Zx6c)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_211_0.jpg.webp?itok=poBpQhm-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Al-Qaeda-and-the-Houthis_1_0.jpg.webp?itok=m3wFK8u4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/SNGZDFKJ2_9prgp7ql5B9129WyEmpUs-UKOADbixh_qXbiwowHq7ChMr4jRIS6ihFHxzpIG5kfBpOIdHtWgE9m_iB76kRJO-dkOJS_-G1Iqb3tVRXr2dpiBX0FqgsSuimkVnRsISBSGXXWdzCkaaX6BtrWdxUWEIJ8T5Te3-UXE7d85VNOKRdK7TVnjNv257.jpg.webp?itok=aZkbWm9D)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fim97wtVD5pn_fb5l7vSKajmhIQY3sNPQXSyLnnjyFtzNC0BcCsyDUjh0G_-qUUeeAz-r--NqFU9eaZlBxXYNpS0DuLTBJZSBWcm74FN06EQ45ytJKn2UvHaTyHGjq8e07_nH8QvBkvjnmLfD7FRb_tSAEbp6yO4sc6b5ltySrtXnY5oNyZHAduQmXv1rf_G%20%281%29.jpg.webp?itok=GAd-Z-Jv)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_26.jpg.webp?itok=FsHM-4Gc)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)




![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

