
في مخيم الوحدة للنازحين وسط مدينة غزة تجلس خلود حماد (38 عاماً) أمام خيمتها المهترئة، تحمل بيدها طفلها الصغير الذي بدا عليه الإرهاق، وتقول بصوت خافت: "لم أكن أعلم أنّ التعب المتواصل واصفرار عينيه يعنيان شيئاً خطيراً، وظننته للوهلة الأولى أنّه ناجم عن سوء التغذية، حتى أخبرنا الطبيب أنّه مصاب بالتهاب الكبد الوبائي من النوع (أ)".
وتروي حماد تفاصيل الأيام الأولى لمرض طفلها محمد (6 أعوام): "بدأ الأمر بحمى خفيفة وغثيان، ثم صار يرفض الطعام ويشتكي من ألم في بطنه، لم يكن لدينا ماء نظيف كافٍ، وكنا نتشارك دورات مياه بدائية مع مئات العائلات، وبعد أسبوع لاحظت أنّ لون بشرته وعينيه تميلان إلى الاصفرار".
وتعاني المرافق الصحية في قطاع غزة من نقص حاد في أدوات الفحص المخبري والأدوية الداعمة، ورغم أنّ التهاب الكبد الوبائي "أ" غالباً ما يشفى تلقائياً مع الراحة والتغذية الجيدة، فإنّ سوء التغذية وضعف المناعة قد يطيلان فترة المرض ويزيدان مضاعفاته.
وفي مقالة نشرتها صحيفة (نيويورك تايمز) عن منظمة الصحة العالمية فإنّ أكثر من 100ألف شخص في غزة أصيبوا بمتلازمة اليرقان الحاد أو ما يشتبه بأنّه التهاب الكبد الوبائي "أ"، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة.
وبحسب البيانات الصادرة عن برنامج الصحة التابع للأونروا، فإنّه يبلغ عن إصابة من 800 إلى 1000 حالة جديدة بالتهاب الكبد أسبوعياً في المراكز الصحية والملاجئ التابعة للأونروا في مختلف أنحاء غزة، في حين ارتفعت حالات التهاب الكبد الوبائي من 85 حالة فقط أبلغ عنها قبل الحرب، إلى ما يقرب من40 ألف حالة أبلغ عنها منذ بدء الحرب.
وتشير التقارير الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أنّ نحو مليون ونصف المليون نسمة في القطاع يعيشون حالياً من دون مأوى نتيجة التدمير الواسع الذي أصاب المنازل خلال العدوان الإسرائيلي، وهؤلاء يحتاجون عاجلاً إلى نحو 288 ألف كرفان أو بيت متنقل لتوفير مأوى إنساني مؤقت يحميهم من عوامل الطقس، ويشكل بديلاً واقعياً للخيام التي لم تعد صالحة أو كافية للاستجابة لحجم الكارثة.
بيئة خصبة للعدوى
تقول حماد: "انتظرنا ساعات طويلة لنتمكن من الوصول إلى نقطة طبية ميدانية تبعد عدة كيلومترات عن مكان سكننا، هناك أخبرونا أنّ طفلي مصاب بالكبد الوبائي، وأنّ هذا المرض ينتقل غالباً عبر المياه الملوثة والطعام غير النظيف، فشعرت بالعجز، وكيف يمكن أن نحمي أبناءنا ونحن بالكاد نجد ماء للشرب؟".
وتضيق: "نحاول تعقيم المياه بالكلور إن توفر، ونغليها أحياناً، لكنّ الحطب قليل، والغاز شبه معدوم، حتى الصابون لم يعد متوفراً كما كان سابقاً قبل الحرب. ولو عرفنا مبكراً، لاهتممنا أكثر بالنظافة والعزل، لكن في خيمة واحدة تضم سبعة أفراد كيف يمكن عزل طفل مريض؟".
وتوضح: "أخبرنا الطبيب أن نعطيه الكثير من السوائل، وأن يتناول غذاءً صحياً، لكن أيّ غذاء صحي، ونحن بالكاد نحصل على معلبات ومساعدات محدودة؟".
وصمة اجتماعية
وتكمل حماد: "لا يقتصر القلق على الحالة الصحية فقط، فبعض الجيران خافوا على أطفالهم ومنعوهم من الاقتراب من طفلي، حتى شعرت كأنّ المرض ذنب أو بات وصمة اجتماعية".
وبعد أسابيع من التعب بدأ الطفل (محمد) يتماثل للشفاء تدريجياً، لكنّ والدته ترى أنّ المشكلة أكبر من حالته الفردية، فما حدث ليس حالة استثنائية، وأنّ الكثيرين يشتكون من الأعراض نفسها، وإذا لم تتحسن ظروف المياه والنظافة، فسيستمر المرض في الانتشار".
لكنّها تستدرك وتتابع: "نحن لا نريد شفقة، نريد ماءً نظيفاً، وصرفاً صحياً آمناً، ومواد تعقيم، ونريد أن نحمي أبناءنا من مرض يمكن الوقاية منه".
وتختم حماد حديثها قائلة: "الحرب أخذت منّا بيوتنا وأماننا، ولا نريد أن تأخذ صحة أطفالنا أيضاً، فالمرض ينتشر بصمت، لكنّ معاناتنا ليست صامتة".
تعب يتجاوز المعتاد
في زاوية من مخيم القادسية المكتظ بحي الصبرة جنوب مدينة غزة يجلس الشاب أحمد حجازي (24 عاماً) على صندوق بلاستيكي مقلوب أمام خيمته.
حجازي كان طالباً جامعياً يدرس الرياضيات بجامعة الأزهر في غزة، قبل أن تتحول حياته إلى رحلة بحث يومي عن الماء والطعام، واليوم يضيف إلى قائمة معاناته تجربة إصابته بالتهاب الكبد الوبائي "أ"، الذي يصفه "بالمرض الذي تسلل إليه دون أن يشعر".
ويبدأ حجازي حديثه قائلاً: "لم أكن أظن أنّ التعب الذي أشعر به مختلف عن تعب النزوح، كلنا هنا مرهقون، لكن حين استمر الغثيان واشتدّ الألم في بطني، أدركت أنّ الأمر ليس عادياً".
ويشرح الشاب تفاصيل الأيام الأولى: "كنت أستيقظ متعباً أكثر ممّا أنام، وفقدت شهيتي تماماً، وصرت أتقيأ بعد أيّ وجبة، ظننت في البداية أنّ المياه الملوثة تسببت لي بتسمم عابر، لكن بعد أيام لاحظ أصدقائي أنّ لون عينيّ تغير".
ويصمت لحظة، ثم يضيف: "حين رأيت الاصفرار في المرآة الصغيرة داخل الخيمة، شعرت بالخوف، هنا أيّ مرض قد يتحول إلى كارثة".
وتوجّه حجازي إلى نقطة طبية ميدانية، حيث أبلغ بإصابته بالتهاب الكبد الوبائي "أ"، في ظل ازدياد الحالات داخل المخيم.
خوف يتجاوز المرض
ويصف حجازي ظروف الحياة اليومية قائلاً: "تعيش عشرات العائلات في مساحة ضيقة، المياه تصلنا عبر خزانات غير معقمة، وأحياناً تكون عكرة، ونقف في طوابير طويلة لملء عبواتنا، ولا أحد يعرف مصدر المياه بدقة".
ويضيف: "دورات المياه مؤقتة، والصرف الصحي بدائي، وفي الشتاء تختلط المياه الآسنة بالأمطار، فمن الطبيعي أن تنتشر الأمراض".
ويتابع حجازي: "عندما أخبرني الطبيب بأنني مصاب، شعرت بالصدمة، ولم أكن أعلم الكثير عن المرض، سوى أنّه يصيب الكبد، وأوّل سؤال خطر ببالي: هل سأتعافى؟".
ويوضح أنّه تلقى نصائح بالراحة وشرب السوائل وتجنب الأطعمة الدسمة، لكنّه يتساءل بمرارة: "أيّ راحة في خيمة مزدحمة؟ وأيّ نظام غذائي صحي في ظل نقص الطعام؟".
ويؤكد حجازي أنّ "أكثر ما يخافه هو احتمال نقل العدوى إلى أفراد عائلته، فكان يغسل يديه باستمرار، ويستخدم أدواته بشكل منفصل قدر الإمكان، لكن في مساحة ضيقة من الصعب تطبيق العزل الحقيقي".
ولا يخفي الشاب الأثر النفسي للإصابة، ويتابع: "شعرت بأنني عبء، ولم أستطع مساعدة أسرتي كما كنت، ووالدتي كانت قلقة عليّ طوال الوقت، وكأنّ المرض قد يخطفني".
فيروس صامت
يرى استشاري الأمراض الباطنية الدكتور خيري البزم أنّ "التهاب الكبد الوبائي هو عدوى فيروسية تصيب الكبد وتؤدي إلى التهاب خلاياه، وينتقل النوع "أ" إلى المريض غالباً عبر الطعام أو المياه الملوثة، بينما ينتقل النوعان "ب"، و"سي" عبر الدم وسوائل الجسم، وفي بيئات النزوح المكتظة كقطاع غزة يكون النوع "أ" هو الأكثر شيوعاً بسبب تلوث المياه وضعف أنظمة الصرف الصحي".
يقول البزم: "تكمن خطورة المرض في أنّ أعراضه الأولى قد تبدو عادية، لذلك يطلق عليه الفيروس الصامت، مثل تعب عام، وفقدان الشهية، وآلام في البطن، وغثيان، وهو ما يجعل الكثيرين لا يدركون الإصابة إلا بعد تقدّم المرض وظهور اليرقان وهو اصفرار الجلد والعينين".
ويوضح: "الاكتظاظ الشديد، ونقص المياه النظيفة، وتعطل شبكات الصرف الصحي، وقلة مواد التعقيم، كلها عوامل تجعل انتقال العدوى سريعاً، فعندما تستخدم المياه غير المعقمة للشرب أو الطهو، أو في ظل عدم غسل اليدين جيداً ينتقل الفيروس بسهولة من شخص إلى آخر".
ويتابع: "يفضل تقليل الاحتكاك المباشر خاصة في الأيام الأولى من المرض، ويجب استخدام أدوات طعام منفصلة وغسل اليدين جيداً بعد استخدام المرحاض، لكن عملياً العزل الكامل صعب جداً داخل خيمة واحدة تضم عدة أفراد".
ويضيف: "لا يوجد علاج نوعي مباشر لالتهاب الكبد "أ" في معظم الحالات، ويعتمد العلاج على الراحة، والإكثار من السوائل، والتغذية الجيدة، وتجنب الأطعمة الدسمة، لكنّ المشكلة في مخيمات النزوح، فهذه الشروط يصعب تحقيقها بسبب نقص الغذاء وسوء الظروف المعيشية".
ويؤكد البزم أنّ "معظم الحالات تشفى خلال أسابيع، لكن في بعض الحالات النادرة قد يحدث فشل كبدي حاد، خاصة لدى كبار السن أو الذين يعانون من سوء تغذية شديد، لذلك إذا استمرت الظروف الحالية من نقص المياه النظيفة وتعطل الصرف الصحي والاكتظاظ، فمن المرجح أن تستمر الإصابات في الارتفاع".
وقد ارتكبت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلاً وتجويعاً وتدميراً وتهجيراً واعتقالاً، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 72 ألف قتيل، معظمهم أطفال ونساء، وإصابة ما يزيد عن 171 ألف جريح، وفقدان 11 ألف شخص، إضافة إلى مئات آلاف النازحين، فضلاً عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخارطة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_187.jpg.webp?itok=QAnixC-j)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
