حصاد إخوان السودان في 2025... الاستثمار في الحرب من أجل العودة إلى الحكم

حصاد إخوان السودان في 2025... الاستثمار في الحرب من أجل العودة إلى الحكم

حصاد إخوان السودان في 2025... الاستثمار في الحرب من أجل العودة إلى الحكم


29/12/2025

رغم التباين الواضح بين تجارب جماعة الإخوان وفروعها في دول العالم، وذلك لبراعتها في التكيف مع البيئة الاجتماعية والعمل بمبدأ المصلحة الحاكم للعقل السياسي، تظل تجربة السودان مختلفة ولها خصوصية عن كل هذه التجارب. فخطاب جماعة الإخوان يقوم على الاتهام بالخيانة والعمالة وسحب الإيمان من النظم الحاكمة والمزايدة عليها، دون أن يكون هناك أيّ مجال للحديث عن الاندماج داخل مؤسسات الدولة ومحاولة طرح رؤى بديلة. 

في السودان كان الوضع معكوسًا، فكانت جماعة الإخوان هي الراعية للنظام الذي تمّت الثورة عليه بعد (30) عامًا من الحكم، وليست أحد عناصر الثورة كما تزعم في العديد من البلدان العربية أوّلها مصر، وتتميز هذه التجربة في بطلان حجة جماعة الإخوان المعتادة بأنّها لم تخض التجربة كاملة، لأنّها هنا ظلت تحكم ثلاثة عقود من الزمن، كما أنّها توضح هدف الإخوان من التمكين وسياستهم لتنفيذ هذا الهدف إلى حدّ تقسيم السودان إلى ميليشيات عديدة تتحارب فيما بينها، دون السعي لمصلحة الدولة والشعب بقدر السعي إلى الحكم والتمكين في المجتمع السوداني. 

صحيح أنّ نظام عمر البشير لم يكن إخوانيًا بالكامل، ولكنّه كان نظامًا إسلاميًا يعمل على تمكين الإخوان، وتمكن الإخوان من كافة نواحي الدولة إلى الحدّ الذي يجعلنا نقول إنّ تجربة عمر البشير تجربة عاش فيها السودان في ظل الإخوان، فإذا كان البشير لم يقل صراحة إنّ الحكم في السودان يقاد من الإخوان، فإنّ الواقع يقول إنّ الإخوان كانوا يملكون البنية الفعلية للدولة.  

وبعد خروج الشعب والثورة على نظام البشير لم تستسلم جماعة الإخوان لرغبة الشعب التي تعلن عادة نفسها وصية عليه ومسؤولة عن مصالحه، بل سعت للعودة إلى الحكم بكل الطرق الممكنة، وأهمها صناعة الفوضى الخلاقة التي تجعل الشعب يأسف على ثورته ويتمنّى عودة نظم الحكم الاستبدادية، فمن خلال تغلغلها داخل بنية الدولة سعت إلى تفكيك هذه البنية وتقسيم الجيش، بل صنعت العديد من الميليشيات وسلحتها وموّلتها من خلال سيطرتها على العملية الاقتصادية في السودان. 

الإخوان وإشعال الحرب الأهلية

في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 تم إصدار قانون تفكيك نظام الإنقاذ، وهو نظام عمر البشير، وجاء هذا جراء الانتفاضة الشعبية في 11 نيسان (أبريل)، وتشكلت لجنة لحل حزب المؤتمر الوطني "الذراع السياسية لجماعة الإخوان"، وحذفه من سجل التنظيمات والأحزاب السياسية، وقالت أمانة الحزب: "أيّ خطوة من السلطات لحل حزب المؤتمر الوطني، ومنعه من ممارسة العمل السياسي، ستواجه بوابل من الغضب الذي لن يسلم منه أحد"، وهو تهديد يُشبه ما أشار إليه البلتاجي على منصة رابعة. 

ثم انقلب قائد الجيش الموالي لجماعة الإخوان عبد الفتاح البرهان على حكومة عبد الله حمدوك المدنية في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، واعتقل بعض عناصر لجنة التفكيك، وتم إلغاء قانون تفكيك نظام الإنقاذ، لتعود جماعة الإخوان إلى صدارة الحكم من جديد. وفي 15 نيسان (أبريل) 2023 حدث أول صدام مع قوات الدعم السريع بعد أن ثبت بالدليل القاطع عمل البرهان لصالح جماعة الإخوان، وبدأت الحرب الأهلية في السودان. 

ويؤكد تقرير في وكالة (النهار العربي) أنّ التعبئة العسكرية الإيديولوجية للميليشيات تمثل دليلًا قاطعًا على أنّ الحركة الإسلامية هي من تدير هذه الحرب، ووفق آليات عمل جماعة الإخوان المعروفة طول تاريخها، فإنّ العنف هو الخيار المفضل لديها، بل هو أساسي، وتلجأ إلى المهادنات السياسية والحضور السياسي مضطرة للعمل في ظل وجود دولة القانون، فهي تنطلق من عقيدة سيد قطب بأنّ العالم مكوّن من دار حرب ودار سلام. 

وفي تصريح للكاتب والباحث السوداني عبد الجليل سليمان، خصّ به (حفريات)، أكد أنّ من يقاتلون في السودان هم الإخوان عبر كتائبهم وميليشياتهم التابعة للإخوان، وتقاتل بجانب الجيش، والجيش أيضًا بكامل عتاده من جماعة الإخوان وجميع القيادات الحالية كذلك من الإخوان، بجانب ميليشيات البراء بن مالك، وكتائب الظل، وقوات العمل الخاص، وغيرها؛ وهم الذين جندتهم جماعة الإخوان من بقايا الميليشيات السابقة، الدفاع الشعبي، والشرطة الشعبية، والأمن الطلابي، وجندوا معهم بعض المواطنين وسمّوا نفسهم "المستنصرين".

مطالب بإدراجها على قوائم الإرهاب

في وسط محاولات عديدة نحو وقف الحرب في السودان لا توجد أيّ مساعٍ للإخوان وممثلهم البرهان لوقف الحرب، بعد تشرد الملايين ووصول القتلى إلى مئات الآلاف، ولم يتغير الموقف الإخواني من الحرب قيد أنملة. كان الدور الإخواني واضحًا في إشعال الحرب الأهلية وكذلك سعيهم في استمرار هذه الحرب، ففي مؤتمر السلام بجنيف في 14 آب (أغسطس) 2024 رفض البرهان وحكومته حضور المفاوضات مع قوات الدعم السريع، ولم يرسل الجيش السوداني من ينوب عنه في هذه المفاوضات.

ويأتي رفض جماعة الإخوان وقف الحرب السودانية لامتلاكها المفاصل العسكرية في الدولة، وحضورها داخل الصراع، وربما امتلاك زمام الحرب والصراع على السلطة، وهو ما يجعل وقف الحرب سببًا لخروج التنظيم من الصراع على السلطة، وذلك لوقوفه خلف هذه الحرب، فنهاية الحرب تعني نهاية الحضور الإخواني في العملية السياسية السودانية، وربما نهاية الحضور السياسي الإخواني بشكلٍ عام، ومن ثمّ لا يمانع التنظيم الإخواني في أن يفنى الشعب السوداني عن آخره، في مقابل نهاية الحرب، قبل حضوره في السلطة.

ويصرّ البرهان على نفي أيّ علاقة له بتنظيم الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية، وهو تصرف معروف لعناصر وأذرع الإخوان في الظروف المعاصرة، وظهر فيديو مسرّب للقيادي في الحركة الإسلامية أحمد عباس يُعلن فيه وقوف الحركة الإسلامية خلف الحرب، وسيطرتها على مفاصل الحرب وإدارتها، وأعلن أنّ 75% من المقاتلين تابعون للحركة، وأنّ الجماعات الإسلامية موجودة في السودان على جميع المستويات. 

وبعد ثبوت وقوف جماعة الإخوان المسلمين خلف حرب السودان تحدثت مصادر غربية وصحفية عن أنّ ما يُطلق عليه عمالة الإخوان أو ارتباطهم بأجندات إقليمية يُعيق التوصل إلى هدنة حقيقية، وينذر بوضع خطر يقود الموقف السوداني نحو نزاعات إقليمية، خاصة أنّ السياسات الأوروبية في عام 2025 اتجهت نحو حظر جماعة الإخوان وتجريم عملها السياسي. 

وأفادت التقارير الإعلامية والتحليلية ربط الجماعة بمحاولات تعطيل مبادرات السلام وعرقلة التسوية السياسية، بما في ذلك رفض بعض الخطط الدولية، ويربط بعض المحللين عودتها إلى المشهد بزيادة تعقيد الأوضاع، وعلى إثر ذلك ظهرت مطالب متصاعدة داخل السودان من أحزاب مدنية وقوى شبابية لتصنيف الإخوان "الحزب الوطني وواجهاته" جماعة إرهابية بسبب دورها التاريخي في النزاع وتفكيك الدولة.

وخرجت حملات ومبادرات من تحالفات مثل "صمود" تعتزم اتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية لدفع هذا التصنيف، وهو ما يعكس تراجع القبول الشعبي والمؤسسي للجماعة، ودعا عدد من الشخصيات البارزة مثل (عبد الله حمدوك) دول الرباعية الدولية إلى تبنّي هذا التصنيف، ممّا يشير إلى تصاعد الضغط السياسي الدولي أيضًا.

ورغم محاولات العودة إلى المشهد، لم تعد الجماعة تمثل قوة سياسية رسمية في السودان، ولا تظهر بشكل مباشر في مؤسسات الدولة الحالية. لقد تم حلّ حزب المؤتمر الوطني بعد الثورة، بينما الحديث الآن يدور حول أطر غير رسمية وتأثيرات وشبكات قديمة.

في شباط (فبراير) 2025 اجتمعت قيادة قوات الدعم السريع وحلفاؤها في نيروبي، كينيا، للمضي قُدمًا في خطتها لتشكيل حكومة موازية. ووقّعوا ميثاقًا يحدد الملامح الرئيسية لحكومة ما بعد الحرب، بما في ذلك العلمانية، والديمقراطية، وبنية حكم لا مركزية، وجيش وطني موحّد. وفي أوائل آذار (مارس) وقّعت قوات الدعم السريع دستورًا جديدًا، في إشارة إلى سعيها لاكتساب نفوذ دبلوماسي وشرعية دولية. وفي الشهر نفسه قدّمت الحكومة السودانية شكوى إلى محكمة العدل الدولية، زعمت فيها أنّ دولة الإمارات متواطئة في ارتكاب إبادة جماعية بسبب دعمها العسكري لقوات الدعم السريع.

وواصلت قوات الدعم السريع هجماتها على القوات المتمردة المحلية، وعناصر القوات المسلحة السودانية، بهدف ترسيخ سيطرتها على إقليم دارفور في غرب السودان. وفي 27 تشرين الأول (أكتوبر) سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور وآخر مدينة كبرى كانت تحت سيطرة الحكومة، وذلك بعد حصار استمر (18) شهرًا. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية